أزواج لا يحتفظون بخصوصياتهم في البيت!
نصت عاداتنا وتقاليدنا على اعتبار المصارحة بين الزوجين في خبر كان،رغم أنها عنوان للسعادة الزوجية والاستقرار الأسري،تضمن الاتصال المتبادل بينهما بإرساء الثقة والاطمئنان والراحة وكف الريبة والشك،لكن في مجتمعنا تبقى الصراحة من أعتىالأمور التي يصعب تحقيقها،فيذهب الشريكان إلىإخفاء بعض الحقائق عن بعضهما وتفشىالأسرار بينهما،التي قد تعتبر في بعض الأحيان فضيلة إذا كانت تهدد أسرةأو تشرد أو تدمر علاقة عائلية بأكملها،فتؤدي بذلك إلى الفضيحة، وهذه الأخيرة قد يستهويها إخراجأسرار البيت الزوجي بنشر غسيل الزوجين علنا لكل من هب ودب،مما قد يوقعهما في شراك أبغض ما أحل الله تعالى ألا وهو الطلاق.
الصراحة عملة نادرة في زماننا
ولإرساء الاستقرار والسعادة على الحياة الزوجية،مطلوب فقط وجود الصراحة بين الزوجين لضمان الثقة بينهما وتسهيل التواصل والاتصال بينهما، والصراحة المطلقة هي تجسيد للأسرة السعيدة، لكن في مجتمعنا هذا يبقى الوصول إليهاأمر شبه بالمستحيل،رغم أن غيابها يعبد طريقا للأسرار ويؤجج منابع للشك والكذب،ويسقط الشريكان في شراك قد لا يستطيعون الخروج منها،فقد يلجأ الشريكان إلىإخفاء بعض الأسرار التي لا تكون بالضرورة لا أخلاقية لتشكيل شخصية مصطنعة منمقة حفاظا على تشوه الوجه الجميل الذي رسمه أحدهما للآخر قبل الزواج وحتى بعده، وهذا حال رقية 27 سنة متزوجة، ولما خضنا معها أطراف الحديث فهمنا أنها صارحت زوجها على أنها كانت غير مواظبة على الصلاة قبل الزواج،في حينأنها كانت غير ذلك ولم تستطع إخباره الحقيقة حتى لا تهتز صورتهاأمامه.
وفي نفس الإطار وتحت غطاء الزوجية قد يحل السر محل الصراحة خوفا من ردة الطرف الآخر حتى لا يخسره،وهنا نجد عمر 44 سنة الذي التقينا به أماممقهى في حسين داي،الذي بدأ يحكي لنا أن أهله مروا بضائقة مالية حرجة من جراء تزويج الأخالأصغر،فلم يستطع البقاء متفرجا فقرر مساعدتهم بمبلغ مالي،لكنه أخفى ذلك عن زوجته خوفا من معارضتها له وخاصة أنهم كانوا في عداد التقسيط لشراء منزل عن طريق الدفع بالإيجار لمؤسسة عدل.
وبالمقابل قد تلجأ بعض النساء حتى إلىإغراقأنفسهن بالديون لغاية ما،منتظرات جمع نفقة أزواجهن كل شهر مخفيات بذلك الأمر برمته.
وقد تعتبر الصراحة حدا من الحرية الشخصية للمرء وتدخل في خصوصيته،فالمرأة العاملة مثلا تدافع دائما عن حقها مثل الرجل في احترام كيانها بعدم التصريح عن ماهيتها أو منحها أو حتى فيما يخص زملاء العمل وأسرار هذاالأخير، وإن حدث العكس فتفضل أن يكون بطيبة خاطر منها حتى لا تدخل حيز الشك وعدم الثقة وتفتح بابا لمشاكل هي في غنى عنها،فسعاد30 سنة والتي التقينا بها أمام محطة الترامواي بحسين داي ترى أنها لا ترفض حق زوجها في التدخل في أمورها، لكن برضا منها وليس عنوة،وذلك عبر اتخاذ مبدأ اللعب على المكشوف من كلا الطرفين.
لكن المصارحة قد تكون نقمة بدل نعمة عندما تهدد زواجاأو علاقة ما.
السر بدل الفضيحة
وتضفي الأسرار جوا مريبا في حياة الزوجين، حيث يخشى كل منهما فضح المستور ولكن في كثير من الأحيان لا يجب أن يكون الكتمان سيد الموقف،خاصة إذا تعلق الأمر بجرح مشاعر المرأة في جرم كبير وخطير مثل الخيانة الذي يهدد كيان ومسار الأسرة وحتى عائلة بكاملها، وهذا الأمرأكده فريد 38 سنة والذي التقينا به ونحن في طريقنا إلىرويسو،حيث سرد لنا قصة صديقه المتزوج في العمل والذي كانت له علاقة عابرة مع فتاة، ولما بدأالأمر يصبح جديا نصح صديقه بتوخي الحذر وتدارك الوضع قبل فوات الأوان،لكن صديقه اشترط عليه بقاءالأمر سرا بينهما وألا يخرج ليصل إلى زوجته،لأن في ذلك خرابا لبيته وتشريدالأطفاله.
ولعل من أكثر الفترات التي تشيع فيها الأسرار هي مرحلة الخطوبة،فأولىالأسئلة المطروحة على الخطيبة من طرف خطيبها حيث تكون محل اتهام،هل كانت لها علاقة من قبل،هل من أحد في حياتها،من قام بخطبتها قبله، وأي خطأ في الإجابة يكلفها ذلك فسخ خطوبتها، وفي هذا تقول سعاد من بومرداس 26 سنة أنها شارفت على عقد قرانها، لكن قبل شهرين من ذلك ألغي بسبب إفصاح سرها لزوجها المستقبلي الذي لم يتقبل فكرة أنها كانت على علاقة مع ابن عمه.
ومن آيات الخالق أنه خلق المرأة الكائن الضعيف الذي يحن على فلذة كبده مما يجعل الأم تخفي بعض حقائق الأبناء عنأبيهم حفاظا على الاستقرار، وكي لا تعمل على إزعاجه في بعض الأمور التي لا تستدعي تدخله،لكن هذا قد يكون سلاحا ذا حدين وقد يكلف حمايتها لأبنائها من غضب الأب ثمنا أكبر لو لم تتستر عليهم وفي هذا تقول امرأة في العقد الخامس أن لها ابنا يبلغ من العمر 20 سنة، حيث اكتشفت أنهذا الأخير يتعاطى مادة الشمة فاستخفت بالأمر وفضلت عدم إخبار زوجها،مؤمنة بأن ابنها سوف يتدارك الموقف ورغم متابعتها له وحرصها على ترك هذه العادة السيئة،إلاأنها ندمت في الأخير، لأن ابنها زاد من ذلك بالتحول إلى التدخين ولولا تفهم الزوج لكانت عشرة 22 سنة ألغيت بكلمة واحدة.
إخراج أسرار البيت الزوجي
يكاد يكون موضوع حديث الرجال والنساء، خاصة المتزوجين حول الحياة الزوجية بنشر غسيلهم وإفشاءأسرارهم للقريب والبعيد قصد الفضفضة والتنفيس عن الذات، لكنه سرعان ما يتحول إلى تهديد عشهم الآمن ما يخلف ذلك حسرتهم وندمهم في الأخير.
ومن المسلم به أن النساء يتورطن في هذا بحكم ثرثرتهن كما يقول عمي حسين الذي التقيناه ونحن أمام حديقة التجارب،فيقول أنأكثرهن في جهنم،فعدم قدرتهن على حفظ السر مهما كان صغيرا أو كبيرا يؤدي بهن إلى التهلكة في الدنيا والآخرة.
وفي نفس الإطار، تقول سامية أن ابنة عمتها طلقت بسبب كشفها سر زوجها بإصابته بمرض خبيث وسط جيرانها،فتسرب الخبر إلىأن وصل إلىأذن زوجها فباتت من المطلقات.
لكن لا نستطيع الإنكارأن الرجال معنيون بهذه الظاهرة وهذا ما أكده لنا سمير، حيث يقول أنه وعلى غرار النساء، بعض الرجال ينتهكون بيوتهم ويتجرأون حتى على إخراجأحداث ليلة عمرهم للعلن، وخاصة لأصدقائهم دون حياء أو خجل أو خوف من أن يصل هذا إلى زوجاتهم وحليلاتهم،والأغرب في ذلك أنهم يتباهون و يفتخرون،لكن يعتبر في مجتمعنا إفشاء الرجل لأحداث ليلة زفافه أقل ضررا مقارنة بالمرأة، لأن هناك آلاف حالات الطلاق التي نفذت أو التي هي معلقة في المحاكم بسبب إفشاءالمرأة لتلك الليلة.
موسى كاف أستاذ في علم الاجتماع بجامعة تيزي وزو: “إفشاء الأسرار قد يؤثر على توازن وتماسك الأسرة”
وللغوص أكثر في هذا الموضوع وما له من تأثير على الأسرة والمجتمع على حد سواء، قررنا التقرب إلى السيد موسى كاف وهو أستاذ في علم الاجتماع بجامعة تيزيوزو، حيث يقول أنالأسرة هي الخلية الأساسية لبناء المجتمع،وأي خلل فيها قد ينعكس سلبا عليها، فلبناء أسرة سوية يجب التقاء أفكار الزوجين السلبية منها والإيجابية،فلكل واحد دور منوط به،حيث يحدث تكامل لتحقيق التوازن الأسري، فقد يكون للطرفين عادات سيئة تتعارض ولا تتكي
ف مع وضع ما في المجتمع،ولتجنب التصادم قد يؤدي ذلك إلىإخفاء بعض الحقائق وعدم المصارحة بينهما الذي يؤدي إلى العنف الأسري،حيث أنه يجب أن يكون هناك تقاسم للأدوارواشتراك وتعاون فيما بينهما لبناء أسرة متينة وعقلانية أساسها الصراحة،وكما الزوج مسؤول عن الأسرةفالزوجة ايضا لها عقل هي حريصة على الحفاظ على توازنها وتحقيق السعادة،ومن يخرج أسرارها قد يؤثر على توازن البيت الزوجي وهو غير قادر على تحقيق التكافؤ الاجتماعي والتماسك الأسري، وحين ظهور أي مشكل حله يكون بين الطرفين وليس خارجهما، فيساهم بذلك في تهديم عالمهما الصغيربيدهماأو حتى بلسانهما.