أسئلة الذاكرة حول الاستعمار ومعركة الجزائر
بنيامين ستورا مؤرخ لامع تخصص في الكتابات الثورية فأجاد وأفاد وكشف القناع عن كثير من الحقائق التي لم يهتد إليها كثير من المؤرخين أو تعمدوا إخفاءها ركونا إلى خلفياتهم الأيديولوجية أو جحودا لها لأنها تخالف قناعاتهم أو تؤلب حمَلة الفكر الاستعماري عليهم الذين لا يريدون لهذه الحقائق أن تطلع عليها الأجيال فتقيم محاكمة تاريخية للاستعمار.
لا يمكننا انطلاقا من هذه الزاوية أن ننكر جهد بنيامين ستورا في تجلية ما أخفاه كثير من المؤرخين الفرنسيين والغربيين عن ثورة الجزائر الكبرى التي استلهم منها الثوار في إفريقيا والأمريكيتين وفي كل العالم دروس النضال من أجل الحرية والاستقلال، فبنيامين ستورا حالة استثنائية في هذا الحالة مقارنة بغيره من المؤرخين في تناول الحدث الثوري الذي يحرص على إخراجه من شرنقة الأفكار المسبقة والأيديولوجيا الضاغطة ووضعه في سياقه التاريخي، ويعد هذا من حسنات بنيامين ستورا التي من شأنها أن تكفّر عنه بعض الشطحات التي وردت في كتابه: «المنافي الثلاثة» الذي تناولته بالنقد والتحليل في كتابي: «يهود الجزائر في الكتابات اليهودية المعاصرة: المنافي الثلاثة لبنيامين ستورا أنموذج»، وهو الكتاب الذي خلع فيه بنيامين ستورا وفي كثير من المواضع قبعة
المؤرخ وانساق مقودا بعاطفته الدينية في تناوله لما سماه «معاناة اليهود» في منافيهم الثلاثة، المنفى البابلي والمنفى الأندلسي والمنفى الجزائري، إذ يزعم أن العائلات اليهودية أكرِهت مرتين على الخروج، مرة بعد استقلال الجزائر، ومرة خلال العشرية السوداء. والحقيقة أنه لم يكن هناك إكراه يذكر وأن اليهود غادروا بمحض إرادتهم رغبة في اللحاق بمن سبقوهم سواء إلى فرنسا أو إلى فلسطين المحتلة. لم يكن هناك اضطهاد للجماعة اليهودية، ولأي جماعة دينية أخرى في الجزائر بأي شكل من الأشكال، وهذا الموقف الجزائري نابع من دستورنا الثقافي الذي ينظر إلى هذه الجماعات التي اختارت البقاء في الجزائر بعد الاستقلال على أنها جزء من النسيج الاجتماعي الذي تشكل لعوامل تاريخية كثيرة كشاهد على روح التسامح الديني النابع من قيمنا الدينية والوطنية ومن قيم بيان أول نوفمبر 1954، فأي موقف أكبر من حيث دلالته الإنسانية والاجتماعية من الموقف الذي تضمنه بيان أول نوفمبر تجاه الفرنسيين والذي يشمل غيرهم أيضا: «جميع الفرنسيين الذين يرغبون في البقاء في الجزائر يكون لهم الاختيار بين جنسيتهم الأصلية ويعتبرون بذلك أجانب تجاه القوانين السارية، أو يختارون الجنسية الجزائرية» وفي هذه الحالة يعتبرون جزائريين بما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات.
إن هدفي من هذا المقال ليس العودة إلى ما كتبته عن بنيامين ستورا، عن دفاعه عن الجالية اليهودية وخاصة عقب أحداث قسنطينة سنة 1934، وعن موقف اليهود من جبهة التحرير الوطني ومن الثورة التحريرية، فقد ورد هذا مفصلا في كتابي: «يهود الجزائر«. إن هذا المقال يتناول أسئلة الذاكرة حول الاستعمار ومعركة الجزائر التي تناولها ستورا في تقريره: «أسئلة الذاكرة حول الاستعمار ومعركة الجزائر».
هذا التقرير قدمه ستورا بصفته الطرف الفرنسي المفوض في ملف الذاكرة بين الجزائر وفرنسا إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والذي اشتمل على محاور كثيرة سأكتفي بدمجها أو جمعها في محاور رئيسة مع مراعاة التسلسل الذي اعتمده ستورا والحفاظ على البنية الفكرية التي أسس عليها هذا التقرير عملا بما يتطلبه التحليل الموضوعي.
ظل ألبير كامو ومولود فرعون:
استهل بنيامين ستورا تقريره بمقولة لألبار كامو ومقولة أخرى لمولود فرعون، إذ اقتبس من كتاب ألبير كامو: «نداء من أجل هدنة مدنية في الجزائر« الصادر في 22 جانفي 1956 هذه العبارة: «لقد أحببت بشغف هذه الأرض التي ولدت فيها، استمددت منها كل ما أنا عليه، ولم أفرق قط -في مودتي- بين البشر الذين يعيشون على ثراها، أيا كانت أعراقهم.» ومع أنني عايشت» وشاركت في تحمل المآسي التي لا تخلو منها هذه الأرض، فقد ظلت بالنسبة لي أرض السعادة والطاقة والإبداع».
ولد ألبير كامو، الفيلسوف الفرنسي الذي يلقب بـ”فيلسوف العبث” بجدارة، ولد سنة 1913 في مدينة الذرعان «مندوفي» كما كانت تسمى في الحقبة الاستعمارية، وفي مقولته تعبير عن المعاناة النفسية التي عاناها منذ ولادته» وخاصة بعد مقتل والده لوسيان كامو في إحدى المعارك في الحرب
العالمية الأولى. جده الأكبر لوالده كلود كامو الذي جاء إلى الجزائر عام 1834 بعد الغزو
الفرنسي للجزائر بفترة قصيرة، وكانت عائلة كامو واحدة من العائلات الفرنسية التي ولد بعض أفرادها في الجزائر، ومنهم ألبير كامو.
إن المآسي التي يشير إليها ألبير كامو ليس
مصدرها الجزائريون فقد كان هؤلاء أنفسهم في تلك الفترة ضحية الاستبداد والاستعمار وإنما هي مآس سببها الفقد الأبوي المبكر وما صاحبه من معاناة نفسية، وما جرته الحروب على الشعوب. واقتبس بنيامين ستورا من «يوميات« مولود فرعون مقولته: «تستيقظ البلاد وهي غارقة في غضب أعمى، وتملؤها نذر غامضة؛ إذ تتصاعد في أعماقها، رويدا رويدا، قوة مبهمة. لا تزال البلاد في حالة من الذعر، لكنها سرعان ما تدرك حقيقة هذه القوة تمام الإدراك. وحينها، ستوظفها للمطالبة بحساب عسير من أولئك الذين أطالوا أمد سباتها.».
تمثيل الماضي ليس بالأمر الهين:
لا يحسم بنيامين ستورا الخلاف العميق الفرنسي الجزائري بشأن الماضي الاستعماري لأن هذا الماضي يحمل كثيرا من الأحداث والمآسي التي تبقى عالقة في الذاكرة، ولا يمكن نسيانها بسهولة، وهو ما يصعّب مهمة إيجاد فضاء للتقارب في النقاشات والاتصالاتالجارية بين الجزائر وفرنسا حول ملف الذاكرة . إن مقاربتنا نحن الجزائريين حول ملف الذاكرة تقوم على اعتبار جرائم الاستعمار الفرنسي جرائم لا تسقط بالتقادم، وعلى اعتبار أن النقاش حول ملف الذاكرة لا يعني نسيان الماضي أو طي الصفحة بل هو طريقة لحمل فرنسا على الاعتراف بمسؤولية الاستعمار المباشرة عن أعمال الإبادة الجماعية في الجزائر
التي امتدت من 1830 إلى 1962.
يقول ستورا: «إن تمثيل الماضي ليس بالأمر الهين حين يتعلق الأمر بحرب الجزائر، لاسيما وأن هذا الماضي يمس فئات عديدة عانت من الصدمات كالجنود، والضباط، والمهاجرين، والحركى، والأقدام السوداء، والجزائريين الوطنيين، وتزداد الأمور تعقيدا حين تتعارض هذه التصورات مع الخطابات الرسمية السائدة. عندئذ، يصبح استحضار الماضي أقل سلاسة وأكثر إيلاما، كما يصبح تحليله أكثر التباسا وحساسية. وبالنسبة للمجتمعين الفرنسي والجزائري، ما العمل مع كل تلك الآثار التي خلّفتها الحرب والتي لا تزال تلاحق الذاكرة؟ وأي مكانة ينبغي منحها لذكريات مختلف الأطراف؟ وكيف يمكن تفسير فترات الصمت التي تراكمت عبر الزمن، والتي لجأت إليها المجتمعات كي تتمكن من مواصلة العيش معا؟ وهل ينبغي سرد كل شيء والكشف عن كافة أسرار الحرب؟ إن مسألة دقة الذاكرة ومصداقية تمثيل الماضي ليست بالأمر البسيط أو البديهي.
لا يريد ستورا أن يسمي الأمور بمسمياتها وينأى عن الحديث صراحة عن الاستعمار الفرنسي، ويسعى لإيجاد أرضية مشتركة تكون منطلقا للنقاش حول ملف الذاكرة لأن إقحام الماضي -في اعتقاده- بكل “تعقيداته وإشكالاته لن يفضي إلى شيء وينسف كل جهد لترميم الذاكرة» وإيجاد فرص للتعايش. إن اعتبار الجزائريين والفرنسيين سواء في الظلم الذي نالهم والألم الذي مسهم أمر غير مقبول إذ من غير المعقول التسوية بين الجلاد
والضحية. إن وضع الجميع في كفة واحدة أمر يجافي الحقيقة وينافي العدل وهذه من شطحات ن ستورا التي لا نقبلها ونطالب بتداركها قبل أي جولة جديدة من النقاش حول ملف الذاكرة.
النأي عن جوهر القضية وعدم الصدع بالحقيقة:
لا يريد ستورا الذهاب رأسا إلى جوهر القضية ويستمر في القفز على حقيقة أن هناك معتديا وهو الاستعمار الفرنسي ومعتدى عليه وهو الشعب الجزائري. ولا يريد ستورا أن يفصح عن موقفه من الثورة ويخفي ذلك باستخدام أسلوب الإحالة حتى لا يوضع في قفص الاتهام.
إن القضية بالنسبة لنا نحن الجزائريين ثابتة وجلية وهي أن ثورتنا ثورة تحرير وأن الاستعمار مجرم بكل المقاييس، وإن الحقيقة بالنسبة لنا نحن الجزائريين أن المعتدى لا ينبغي أن يساوى بالمعتدى عليه لأن في ذلك انقلابا على نواميس الكون ومبادئ العدالة.
إن كلام ستورا في تقريره حول الذاكرة يلخص موقفه المتلكئ من تسمية الأمور بمسمياتها، يقول: «طالما أشير إلى حرب الجزائر في فرنسا باستخدام تعبير ملتو: «أحداث الجزائر»؛ في حين كان الجزائريون، على الضفة الأخرى من البحر الأبيض
المتوسط، يبنون ذاكرتهم الخاصة والمناقضة، واصفين إياها بـ«حرب الاستقلال». وبعد مرور ستين عاما، لا يزال التاريخ ساحة تعمها الفوضى، بل ويتحول أحيانا إلى ميدان للصراع. لقد خلّف انفصال البلدين، الذي جاء في أعقاب نزاع قاس استمر سبع سنوات ونصف، الكثير من الألم، والرغبة في الانتقام، وحالات كثيرة من النسيان. وفي فرنسا، تتسم الذاكرة بطابع مركب ومتعدد الأوجه: فهي تجمع بين حنين شجي إلى تلك البلاد حيث «يعانق البحر الشمسَ»، وبين صورة «أطلنتس» غارقة (في إشارة إلى «الجزائر الفرنسية»
التي تلاشت)، إلى جانب ذكريات مخزية مدفونة لمعارك لم تكن جميعها نبيلة،» وصور لشباب ضائع» ولوطن أم انتزع من أصحابه قسرا«.
ذكريات تغذي الصدام:
لم يهتد ستورا في تقريره حول الذاكرة إلى طريقة مثلى لتحفيز الجهود المبذولة لحسم هذا الملف والتوصل إلى اتفاق بشأنه بسبب هوة الخلاف التاريخي المثخن بالذكريات الحزينة في الجانبين كما يقول، يقول في هذا الصدد:”أدت كل هذه العوامل إلى بروز ذكريات متعددة -فرنسية وجزائرية- ودخولها في حالة من الصدام؛ إذ باتت هذه الذكريات أكثر انغلاقا على بعضها البعض، وراحت تولد تشوهاتها وتصوراتها المتخيلة الخاصة. وعلاوة على ذلك، أصبحت كل واحدة من هاتين الذاكرتين تعاني من انقسامات داخلية تزداد حدة» وتوترا. وقد هيمن الرفض المطلق (أو المُحرج) للاعتراف بدوافع الطرف الآخر تدريجيا على كامل فضاء التفكير والمعرفة المتعلق بالجزائر، سواء في ماضيها أو حاضرها. وهكذا نشأت حروب ذاكرة لا تنتهي، حروب بلا خطوط مواجهة، تتسم بالصمت وتكاد تكون غير مرئية.» وقد تجلى هذا الانفصال في فرنسا من خلال
استحالة التوافق على تاريخ مشترك لإحياء ذكرى نهاية حرب الجزائر».
إن بنيامين ستورا رغم علو كعبه في البحث التاريخي بحاجة إلى شجاعة المؤرخ في تقرير الحقيقة وهي أن الجزائر كانت ضحية استعمار بغيض سلبها خيراتها ومقدراتها وأباد خيرة أبنائها، وأنه لا بديل عن إقرار هذه الحقيقة، فأسلوب العرض وتفادي الخوض في جوهر الحقيقة يقلص من فرص التوصل إلى نتيجة وإحراز تقدم في ملف الذاكرة.
إن اعتبار الجزائريين والفرنسيين سواء في الظلم الذي نالهم والألم الذي مسهم أمر غير مقبول إذ من غير المعقول التسوية بين الجلاد والضحية. إن وضع الجميع في كفة واحدة أمر يجافي الحقيقة وينافي العدل وهذه من شطحات ن ستورا التي لا نقبلها ونطالب بتداركها قبل أي جولة جديدة من النقاش حول ملف الذاكرة.