الرأي
تفجير برجي التجارة لبناء قاعدة حروب البرابرة

أساطير الكذاب هومير تصدقها الأمم من الحمير

حبيب راشدين
  • 7080
  • 3

إذا كنت من بين الذين صدقوا أسطورة اختراق الفتية العرب التسعة عشر لأمن الولايات المتحدة كما تزعم الرواية الأمريكية، فإنك معذور سلفا في تصديقك لخرافة حماية النيتو البربري للمدنيين الليبيين، ومغفور لك بلا حاجة إلى الاستغفار تصديق أسطورة تحرير الأمريكان للعراقيين، كما صدق غيرك كذبة مذبحة شاوسيسكو في تميشوارا، ولك بعدئذ أن تصدق دون حرج أساطير الأولين والآخرين، حتى يخرج عليك الدجال الأعور وأنت في استعداد ذهني خالص للدخول في جنته الكاذبة.

في مثل يوم غد الأحد من سنة 2001، العام الأول في الألفية الثالثة، استفاق العالم على نبأ تعرض الولايات المتحدة لهجوم هو الأول في تاريخها، بتحويل مسار أربع طائرات مدنية، وارتطامها ببرجي التجارة العالمية والبنتغون. النبأ كان يصعب تصديقه لولا تدفق الصور التلفزيونية، تنقل مشهد الطائرتين وهما ترتطمان بالبرجين من أكثر من زاوية، وكأننا أمام مشاهد من فيلم هوليودي أداره المخرج بإتقان، ليخلق في نفوس المشاهدين الصدمة والترويع، وهو ما حصل.

.

إسقاط برجين لبناء قاعدة التجارة بالحرب
في الربع ساعة الأولى، وحتى قبل أن يتهاوى البرجان، كما لو أن يدا خبيرة قد لغمت كل عمود فيه، وفخخت كل دعامة من أساساته، كان الإعلام الأمريكي، قد اكتشف الجناة، ونقل صور الفتية العرب المتهمين بتحويل مسار الطائرات، وقيادتها ببراعة في اتجاه البرجين والبنتغون. وعلمنا وقتها أن أكبر قوة عالمية قد فشلت على ما يبدو في رصد اعتداء إرهابي، أخذ منفذوه ما يكفي من الوقت، دون أن يتمكن الطيران الحربي الأمريكي من تحريك طائرة حربية لإحباط الاعتداء.
وفي بحر ربع ساعة، كان العالم قد اقتنع أن العملية كانت من تدبير القاعدة، وقبل بالرواية الرسمية الأمريكية التي صنعت في ساعة من الزمن، من قاعدة بن لادن المغمورة، قوة عظمى تهدد الأمن والسلم العالميين، سوف تبرر لاحقا العدوان الأمريكي الغربي على أفغانستان ثم على العراق، وتدشن حربا مفتوحة على جغرافية العالم العربي، هي متواصلة حتى يومنا هذا في رمال ليبيا وأرياف دمشق.

.

قتل بعض الأمريكيين لتبرير إبادة الملايين
ومع صدور بيان، نسب للقاعدة، تبنت فيه ما نسبته لها مشكورة الإدارة الأمريكية، فقد كتبت في اليوم الموالي للأحداث على صفحات يومية “الرأي” مقالين، رأيت في الأول: أن ما جرى كان انقلابا داخليا، نفذته مؤسسات أمنية وعسكرية على الشرعية بهدف لي ذراع مؤسستي الحكم: الرئاسة والكونغرس. ولفت الانتباه في المقال الثاني: إلى أن البلد الذي يستطيع إرسال مسبار آلي على بعد ملايين الكيلومترات، وتوجيهه وإنزاله على سطح بعض الكواكب السيارة، قادر على تحويل مسار طائرات مدنية، والارتطام بها على البرجين. وقتها اتهمني بعض القراء بسعة الخيال، كما اتهمت منذ حين بسعة الخيال عند تحليل وقائع ما سمي بثورات الربيع العربي.
الذين صدقوا الرواية الأمريكية القائمة حتى يومنا هذا، صدقوا لاحقا رواية أسلحة الدمار الشامل، التي بررت العدوان الأمريكي على العراق، وصدقوا رواية المعارضة الليبية والإعلام العربي حول قتل نظام العقيد القذافي لعشرة آلاف ليبي في ثلاثة أيام، وصدقوا جميع المشاهد الملفقة الكاذبة التي أنتجتها القنوات الإعلامية الغربية الناطقة بالعربية، وهي تقود ثورات الفيس بوك، وتحرض الشعوب العربية على هدم أحجار البيت العربي. عذرهم أنهم لم يكونوا أول من يصدق كذبة يصنعها السادة الأذكياء، لحمل الشعوب الغبية على تصديق ما لا يحتمل التصديق. فقد صدق الرومانيون من قبل أكذوبة مذبحة تيميشورا، التي كانت أول مسمار يدق في نعش المعسكر الشرقي حتى سقوط جدار برلين، وانهيار الكتلة الشيوعية.

..

تصديق الأمم من الحمير لأساطير هومير
وحده “هومير” الكذاب استطاع، على امتداد ثلاثة آلاف سنة، أن يقنع خيرة المؤرخين بأسطورة نشوب حرب “طروادة” بسبب اختطاف الأمير الطروادي “باريس” لـ “هيلين” زوجة “بريام” زعيم اسبارتا، وهو كما نرى “عدوان إرهابي” نفذه شاب شرقي من المدينة الشرقية التي أنشأها داردانوس في آسيا الصغرى، تركية حاليا، على حرم حاكم غربي. هومير الكذاب هو من أقنع أيضا الكثير بخرافة سقوط طروادة، ليس على يد المحارب الشريف “آخيل” لكن على يد الداهية المخادع “أوليس” وحصانه المزعوم.
تاريخ الحروب بين الدول والشعوب مليء بمثل هذه الأكاذيب والأساطير التي تلفق لتبرير الاعتداء على الآخر، وتاريخ أمريكا يكاد يكون بالكامل نسيجا محبكا من الأكاذيب الملفقة، التي سمحت للرجل الأبيض بإبادة سكان أمريكا الأصليين، وافتراس أرضهم بالكامل، ولم تسلم حتى نشأة الولايات المتحدة، على أنقاض حرب أهلية، من أسطورة كاذبة أخرى ادعى فيها الشمال بقيادة أبراهام نيلكن الحرب على ولايات الجنوب بدعوى تحرير العبيد التي احتاجت إلى مائتي عام ولم تكتمل.
ولماذا أحتاج إلى هذا الاستغراق في تاريخ الكذب الغربي، والأمريكي تحديدا؟ فقبل أن تلفق أسطورة عدوان القاعدة على الولايات المتحدة، وتبرر للأمريكيين سلسلة من الحروب على العرب والمسلمين، كانت الجماعة التي سوف تغتال الرئيس كينيدي، المتردد في حرب فيتنام، واستعداده المعلن لسحب جميع الخبراء العسكريين من فيتنام قبل نهاية 1965، كانت قد اختارت جونسن كخليفة، وأعدت له الذريعة لتوسيع رقعة الحرب في شبه جزيرة الهند الصينية، عبر حادث اعتداء فيتنامي ملفق في خليج طونكان على مدمرتين أمريكيتين، اتضح بعد ذلك أنه كان محض تلفيق، وانتظرنا حتى سنة 2005 لتعترف وكالة الأمن القومي الأمريكية، أن الحادث لم يحصل أصلا، ولم تطلق رصاصة واحدة على المدمرتين الأمريكيتين.

.

أزمات الرأسمالية التي تسبق حروبها الامبريالية
أغلب الناس، بما في ذلك الكثير من خبراء الاقتصاد المرموقين يشاركون اليوم في الترويج لكذبة كبرى جديدة، تريد أن توهم الناس أن الأزمة العالمية الاقتصادية، هي وليدة بعض التصرفات الحمقاء لمضاربين ومرابين، انتقلوا من المضاربة على السلع إلى المضاربة على المال، قبل أن يدخلوا في حلقة مفرغة من المضاربة على الديون، يشترون الديون بالديون، في دول تستحوذ على ثمانين في المائة من اقتصاد العالم، تمول نماءها بمديونية بلغت في اليابان أكثر من 225 في المائة من الناتج المحلي الخام، وهي فوق المائة بالمائة في معظم الدول الصناعية، لكن المتابع لبعض الكتابات النزيهة لعلماء اقتصاد من حملة جائزة نوبل، يعلم أن الاقتصاد العالمي كان قد دخل في أزمة هيكلية عميقة مع نهاية القرن الماضي، مع انتقال قطاع الإنتاج فيه من أوروبا والولايات المتحدة إلى الاقتصاديات الناشئة في الصين والهند والبرازيل، وبداية اعتماد الاقتصاد في الدول الغربية حصريا على قطاع الخدمات، الذي يساهم في الدخل الخام فيها بأكثر من سبعين في المائة.

.

“لبن” المسلمين لما فاتك “أعيار” الصين
التاريخ المعاصر للرأسمالية العالمية يعلمنا، كيف أن أزماتها الدورية، كانت دوما مقدمة لاندلاع حروب بين الامبراطوريات على اقتسام أو إعادة توزيع المجال الحيوي وساحات الرتع، ومنها الحربين العالميتين الأولى والثانية. وكان ينبغي لنا أن نتوقع للأزمة الجديدة التي ليس لها حل، لا في صراع يفتح بين أقطاب الرأسمالية، ولا في مواجهة مفتوحة مع العملاق الصيني، كان علينا أن نتوقع دون خشية من السقوط في الخطأ، أن يكون عالمنا العربي والإسلامي مسرحها المفضل لأسباب كثيرة:
الأول: استحالة الذهاب إلى حرب مفتوحة على المجهول تشترك فيها دول نووية كما تعلمنا من الحرب الباردة، ولأن كلا من الصين وروسيا أصبح جزءا من المنظومة الرأسمالية المتشابكة مصالحها في ظل عولمة الاقتصاد الرأسمالي.
الثاني: أن العالم العربي والإسلامي يختزن ثلاثة أرباع احتياطي العالم من الطاقة النفطية، التي هي اليوم موضوع صراع وتنافس بين أقطاب الرأسمالية شرقا وغربا.
الثالث: أن هذا الشريط من الجغرافية الممتد من أندونيسيا حتى موريتانيا، بقرابة مليار وثلث المليار نسمة، تمنع داخله عوامل اجتماعية، وسياسية، وثقافية، وخاصة دينية، تمنع أن يتحول إلى سوق استهلاك واسع، قد تمنح لبعض الوقت متنفسا للرأسمالية المريضة.

.
 
قراءة طالع الأمريكان في فنجان هوليود
فوق هذا وذاك، فإن العالم العربي والإسلامي يوفر، بعقيدته، وتنامي الصحوة الإسلامية فيه، وتعاظم شوكة نوع من الإسلام الراديكالي المعادي للغرب، يوفر فرصة إنتاج وتسويق صورة عدو مقبولة للمنظومة الغربية، بل وللحضارة الإنسانية، مؤهل لخلافة البعبع الشيوعي النافق، سوف تتكفل هوليود والإعلام التلفزيوني والإنترنت بصناعته وتسويقه.
كنت دائما أحرص على قراءة الخطوط العريضة للسياسة الأمريكية المستقبلية في ما تنتجه هوليود. ولكم أن تعودوا مثلي إلى أهم أعمال هوليود منذ نهاية الحرب الباردة، وتفكك المعسكر الشرقي، لتروا كيف بدأت هذه المؤسسة الثقافية العقائدية الخطيرة تصنع صورة العدو الجديد للحضارة الغربية، وللأمن والسلم في العالم. فصورة العربي المسلم المتطرف، الميال للعنف الإرهابي، لم تولد مع أحداث 11 سبتمبر، بل بدأ تصنيعها قبل عقدين من الزمن، لتتحول صورة المجاهدين العرب والأفغان من “مقاتلين من أجل الحرية” إلى جماعات إرهابية تهدد أمن العالم، لكنها كانت تحتاج إلى عمليات ترويعية تنفذ داخل أراضي الدول الغربية، وهو ما حدث مع أحداث 11 سبتمبر وأحداث مدريد ولندن.

.
 
دية الغربي: “تحرير” ألف مسلم من رقبته
طوال العقد المنصرم، لم تحاول جهة رسمية أو شعبية، أو واحدة من هذه المنظمات المتاجرة بشعار حقوق الإنسان، لم تحاول وضع إحصاء للضحايا من العرب والمسلمين في الحروب والاعتداءات التي اتخذت من أحداث 11 سبتمبر ذريعة لها، مقابل أقل من ثلاثة آلاف ضحية بالبرجين، وبضع عشرات في أحداث مدريد ولندن. وحدها الحرب على العراق وعلى أفغانستان كلفت العرب والمسلمين قرابة ثلاثة ملايين قتيل، ومثله أو يزيد من الجرحى والمعوقين، وأضعاف ذلك من الأرامل والأيتام، ومهجرين بأعداد تجاوزت ما خلفته نكبة 48، وخراب مادي أعاد بلدا مثل العراق إلى القرون الوسطى، مع استنزاف متواصل لأموال دول الخليج، التي انتقلت من تمويل الحروب الغربية على العرب والمسلمين في أفغانستان والعراق، إلى ممول رئيسي للشق الثاني من الحرب، التي تشن اليوم على الدول العربية تحت شعار الثورة على الاستبداد، انتهت بتخريب ليبيا، لأن ميزان القصاص عند الغرب يقضي بفداء القتيل الغربي بـ “تحرير” ألف مسلم من الرقبة فما فوقها.

.

 “الشعب يريد…” ليفعل الدجال به ما يريد

.كنت دائما أسأل عند استحضار حديث الدجال، كيف يمكن للعقلاء زمن خروجه تصديق عروضه الكاذبة، لكني صرت أعتقد منذ حين أنه لن يعدم أتباعا بالملايين، على الأقل في هذه الأمة التي أضاعت الطريق وأضلها خيرة أبنائها، لأن الذي يصدق كما صدقنا رواية الأمريكان لأحداث 11 سبتمبر، ويصدق حماية النيتو البربري للمدنيين من المسلمين، لا بد أن يصدق الدجال، ويتهافت بلا تردد على جنته الكاذبة، حتى لو لم يخرج له في صورة الرجل الأعور كما جاء في الحديث الشريف، وشبه له في صورة ساركوزي، أو أوباما، أو أي زعيم من العرب والعجم والعلوج يزعم على صفحات الفيس بوك، ومباشر الجزيرة، أنه ليس بين المسلم وبين الجنة على الأرض سوى مسير مظاهرة، يردد فيها أذكار الثورة: “الشعب، يريد…”  ويترك البقية لرب البيت الأبيض يفعل به ما يريد.

مقالات ذات صلة