-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

أسباب النّجاح الخمسة (1)

سلطان بركاني
  • 1448
  • 0
أسباب النّجاح الخمسة (1)

كثيرا ما نكتب مذكّرين بحقيقة الحياة الدّنيا، وأنّها متاع الغرور وظل زائل ودار ممرّ وليست مستقرا، وربّما يظنّ البعض أنّنا بذلك ننصح النّاس بأن يتركوا الدّنيا ويرضوا بالفشل فيها ويلزموا المساجد، ينتظرون الموت والرحيل.. وهذا فهم خاطئ، لأنّنا نريد من وراء التذكير بحقيقة الحياة الدّنيا ألا تتعلّق قلوبنا بها فننسى الدّار الباقية.. نذكّر بحقيقة الحياة الدّنيا حتّى لا نعطيها أكثر مما تستحقّ فتتشبّث قلوبنا بتلابيبها وتكون كلّ أوقاتنا وهمومنا خالصة لها، وكلّ تفكيرنا فيها وفي شهواتها وملذّاتها، وتلهينا عن الآخرة، ويصل بنا الأمر إلى العداوة والشحناء والحسد والبغضاء لأجلها!
ديننا القائم على الواقعية، لا يأمرنا بأن نترك الدّنيا فيستغلها الأعداء والمفسدون في إذلالنا واستعبادنا.. إنّما يأمرنا بأن نعمل لتكون الدّنيا في أيدينا وننجح، بل ونتفوّق، فيها.. ربّنا جلّ وعلا يقول: ((وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون)). والعمل هنا يشمل كلّ عمل صالح تصلح به الدّنيا والآخرة، ونبينا محمّد –صلّى الله عليه وآله وسلّم- يقول: “المؤمن القويّ خير وأحبّ إلى الله من المؤمن الضّعيف، وفي كلّ خير” (مسلم)، ويقول: “اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى” (البخاري)، ويقول: “نِعم المال الصّالح للرّجل الصّالح” (صحيح الأدب المفرد)، ويقول: “أنْ تَدَعَ ورَثَتَكَ أغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِن أنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، ولَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بهَا وجْهَ اللَّهِ إلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حتَّى ما تَجْعَلُ في فِي امْرَأَتِك” (البخاري).
ديننا يحبّ لنا أن تكون أيدينا وأبداننا وثيابنا نظيفة ومعطّرة في أوقات الصّلاة، لكنّه يريدها أن تكون متّسخة في وقت العمل: ((فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ))، ولا يرضى أبدا للعبد المؤمن أن يكون فاشلا في حياته، عالة على غيره، يعيش على الهامش لا يقدّم شيئا. حضوره مثل غيابه.. بل يريد لعباد الله المؤمنين أن يكونوا ناجحين في حياتهم أكثر من غيرهم، بما ينشر الخير والصّلاح والنّفع في هذه الأرض، يبتغون بذلك الأجر عند الله تعالى.
ونحن إذا طالعنا الكتب التي ألفها الغربيون والمحاضرات التي ألقوها في أسباب النجاح، فإنّنا نجد أنّ زبدتها موجودة في ديننا، في كتاب ربّنا وسنّة نبيّنا –عليه الصّلاة والسّلام- وسيرة سلفنا.. خلاصة الكتب التي ألّفت والمحاضرات التي قدّمت في النّجاح تكاد تتّفق في أنّ للنّجاح أسبابًا خمسة أساسية، هي: الاستيقاظ باكرا، حسن التّواصل مع الآخرين، المحافظة على الوقت واجتناب إضاعته فيما لا ينفع، الاقتصاد في النّفقة واجتناب التّبذير، المطالعة المستمرّة.
السّبب الأوّل من أسباب النّجاح: الاستيقاظ باكرا:
يكاد النّاجحون وأثرياء هذا العالم يُجمعون على أنّ الاستيقاظ مبكّرا كان من أهمّ أسباب نجاحهم، حتى أصبحت مقولة “المستقبل لأولئك الذين يستيقظون باكرا” من أشهر المقولات التي يتداولها الغربيون، وحتى ألف مستشار التنمية الشخصية الأمريكي “هال إلرود” كتابا عنوانه “معجزة الصباح”، وهناك الآن ظاهرة في الغرب تسمّى “الأشخاص الصباحيين” أي الذين يستيقظون في الصباح الباكر لبدء أعمالهم ونشاطاتهم.. بل والأعجب منه أنّ هناك دعوات غربية تسمّى “الرابعة صباحا”، تنصح بالاستيقاظ في الساعة الرابعة فجرا.
ونحن إذا عدنا إلى ديننا فإنّنا نجد قدوتنا –عليه الصّلاة والسّلام- يقول: “اللهم بارك لأمتي في بكورها”، ونجد في سيرته أنّه كان إذا بعث سرية أو جيشاً بعثهم أول النهار.
ولكنّنا إذا رجعنا البصر إلى واقعنا المعاصر، فإنّنا نجد كثيرا من شباب الأمّة يسهرون إلى ما بعد منتصف الليل، ثمّ ينامون إلى وقت الضحى وربّما إلى منتصف النّهار، خاصّة في أيام العطل، فيستيقظون بأرواح مثقلة وأجساد واهنة، شعارهم في كلّ النّهار: “والله ماني قادر”.. الواحد منهم لا يقدّم شيئا لنفسه ولا لأسرته، لا يبرّ أمّا، ولا يعين أبا، ولا يحرّك ساكنا، حتى ثيابه وأغراضه يتركها ملقاة على السرير وفي كلّ مكان.
فيا أخي الشابّ؛ إنّ خيرا كثيرا وبركة عظيمة تفوتك حين تصرّ على السّهر بالليل والنّوم بالنّهار، حين تغيّر سنّة الله الذي جعل الليل لباسا والنّهار معاشا.. لا تقولنّ: وماذا أفعل حينما أستيقظ باكرا؟ فكّر قليلا في الأشغال الكثيرة التي من حولك وتنتظر من ينجزها، فكّر في عمرك الذي احترق نصفه من دون أن تستفيد منه شيئا، انظر إلى أولئك الكهول والشيوخ الذين يستيقظون باكرا ليباشروا الأعمال الشاقة ويكسبوا رزقا يعيلون به أسرهم، وكلّهم نشاط وسعادة.. فكّر في الطيور والحشرات التي تسعى مع الصباح الباكر في طلب رزقها.. فكّر في صلاة الفجر التي لا تصليها إلا في رمضان.. فكّر في أذكار الصباح التي لا تقرؤها وربّما لا تعرفها.. فكّر في القرآن الذي لا تحفظ منه ولو جزءًا واحدا، فكّر كم كتابا قرأت في حياتك.. فكّر في أنّ ساعات النوم الزائدة التي تنامها كلّ يوم، كان في وسعك أن تتعلّم فيها لغة من لغات العالم، أو تقرأ فيها كتبا نافعة.. فكّر في كلّ ذلك، واتخذ قرارك لتغيّر حياتك وبرنامجك.. تستطيع أن تجعل الاستيقاظ باكرا مشروعا جديدا في حياتك، بقرار تستعين فيه بالله، وتضبط معه منبّه هاتفك وتضعه بعيدا عن وسادتك، وتبتعد في الساعتين الأخيرتين قبل نومك عن الهاتف وعن الشاشات.

السّبب الثاني للنّجاح: حسن التواصل مع الآخرين:
الدراسات الغربية تؤكّد أنّ أكثر النّاس نجاحا هم أولئك الذين يحسنون التعامل مع الآخرين، ويجتهدون في إيصال النّفع لمن حولهم؛ فهؤلاء يأسرون قلوب النّاس، فلا يكاد يردّهم أحد، ولا يكادون يطرقون بابا إلا فتح لهم.. وفي ديننا يقول النبيّ -صـلى الله عليه وسلم-: “المؤمن يألف ويؤلف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف، وخير الناس أنفعهم للناس” (الطبراني)، وقبل ذلك يقول ربّنا جلّ وعلا: ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً)) (مريم: 96)، وبعده يقول الحبيب المجتبى: “حُرِّمَ عَلَى النَّارِ كُلُّ هَيِّنٍ، لَيِّنٍ، سَهْلٍ، قَرِيبٍ مِنْ النَّاسِ”(أحمد).. ويقول التابعي ميمون بن مهران -رحمه الله-: “التودد إلى الناس نصف العقل”.
ولعلّ من أهمّ الأسباب التي تنشر للعبد محبّة في قلوب النّاس أن يكون متعففا عمّا في أيديهم، غير طامع في أموالهم، يظهر مودّته ويبذل خيره للنّاس لوجه الله لا ينتظر منهم جزاءً ولا شكورا، ولا ينتظر منهم أن يعاملوه بالمثل.. يقول النبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم-: “ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ، وَازْهَدْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبُّوك” (ابن ماجة).
ومن أهمّ الأسباب التي تنشر للعبد محبّة في قلوب النّاس -أيضا-: إفشاء السلام والمصافحة، يقول النبيّ -عليه الصلاة والسلام-: “لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ: أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ” (رواه مسلم). ويقول الحسن البصري -رحمه الله-: “المصافحة تزيد في المودة”، ويقول بعض السلف: “تَصَافَحُوا يَذْهَب الْغِلّ”.
ومن أهمّ الأسباب التي تنشر للعبد محبّة في قلوب النّاس –كذلك-: الابتسامة والبشاشة وطلاقة الوجه، يقول النبيّ -عليه الصلاة والسلام- “تبسّمك في وجه أخيك صدقة” (رواه الترمذي)، ويقول سفيان بن عيينة -رحمه الله-: “البَشَاشَة مصيدة المودَّة، والبِرُّ شيء هيِّن، وجه طلق، وكلام ليِّن”.

السّبب الثّالث للنّجاح: الحرص على الوقت وتجنب إضاعته فيما لا يفيد
أكثر النّاجحين في هذا العالم، وأكثر أغنيائه أشاروا إلى أنّ من أسباب نجاحهم حرصهم على أوقاتهم وعلى تنظيمها وعدم إهدارها في التفاهات.. وهذا من أعظم مطالب ديننا؛ فحبيبنا المصطفى -عليه السلام- يقول: “نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ ” (البخاري)، ويقول: “لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَى يُسْأَلَ عَنْ أربع”، وذكر منها: “وعن عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاه” (الترمذي).. ويقول صاحبه ابن مسعود، رضي الله عنه: “ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه اقترب فيه أجلي ولم يزدد فيه عملي”، وهكذا كان سلف الأمّة الصالحون أبخل بأوقاتهم منهم بدنانيرهم.. كان الواحد منهم ينظر إلى ساعات يومه على أنّها رأس ماله، فلا ينفقها إلا فيما ينفعه في دينه ودنياه.. كانوا يمزحون، وربّما يلهو بعضهم مع بعض، لكنّ هذا لا يأخذ منهم إلا أوقات قليلة، فمعظم أوقاتهم للجدّ والعمل.. وكانوا يقولون: “إضاعة الوقت علامة المقت”، أي إذا وجدت عبدا لا يعبأ بوقته، يضيّعه في التفاهات وفي الغيبة واللغو والملهيات، فاعلم أنّ الله قد أبغضه فصرفه عنه.. يقول الإمام ابن القيم -رحمه الله-: “إضاعة الوقت أشد من الموت؛ لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله، والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا، وأهلها”.
العمر يا شبابنا قصير، ومن الغبن أن يضيَّع في التفاهات والسفاهات، وتكونَ ساعات العبد كلّها في اللغو والكلام الزائد وفي الاشتغال بالنّاس ماذا قالوا وماذا فعلوا.. ليس حراما أن يمزح المسلم مع إخوانه، لكن لا يجوز أن تنفق الساعات الكثيرة والطّويلة كلّ يوم في المزاح واللغو.
دقات قلب المرء قائلة له * إن الحياة دقـــــائق وثوان
فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها * فالذكر للإنسان عمر ثان.
يتبع…

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!