الرأي

أسباب طمس مفهوم “الشخص” في مجتمعنا؟

عمر أزراج
  • 1010
  • 0
ح. م

يتميز المشروع الفكري للمفكر الجزائري الراحل الدكتور محمد أركون بعدة خصائص وفي مقدمتها أنه يولي أهمية بالغة لمفهوم “الشخص” الذي لم يتبلور في الثقافة السائدة بكل مفاصلها الاجتماعية والسياسية في المجتمعات العربية والإسلامية. ففي كتابه الموسوم “الفكر الأصولي واستحالة التـأصيل: نحو تاريخ آخر للفكر الإسلامي” يدعو الدكتور أركون إلى تحليل الظروف الثقافية والتاريخية والاقتصادية التي لعبت أدوارا أساسية في طمس مفهوم الشخص، وأجّلت بروزه.

وبهذا الخصوص نجده يثير قضية أخرى تتعلق بمصطلح الحس العملي والذي يقصد بهطريقتنا في التصرف كل يوم: أي تقريبا دون تفكير، أو بشكل عفوي، أو كرد فعل على الأحداث الجارية“. وهكذا يرى أركون أنَ المنطلق الضروري للنظر فيالتصرفات والإكراهاتالتي تحول دون بناء الشخص المستقل والحر في مجتمعاتنا يتمثل في دراسة مضامين هذا الحس العملي من خلال التاريخ، أي أنه يجب تحليل كل أشكال السلطات والتقاليد، والأعراض التي أخّرت ولاتزال تؤخر مشروع تحرير الشخص في المجتمعات العربية والإسلامية.

ومما لا شك فيه هو أن عدم تحرر الفرد واستقلاليته في مجتمعاتنا من المحيط إلى الخليج بما في ذلك المجتمع الجزائري هو أحد الأسباب المركزية التي غيَبت ولاتزال تغيَب بروز ثقافة المواطنة وروح الانتماء إلى الوطن والتماهي مع مزاج وروح الشعب اللتين تكونهما الجوانب الأخلاقية والجمالية والثقافية والمصير الاجتماعي المشترك. إن الإخفاق المتواصل في بناء مفهوم الشخص فكريا وتحقيقه عمليا قد أنتج ظاهرة  تماهي الأفراد مع الطائفة أو مع الأقلية، أو مع العشيرة أو الشلة. وجراء هذا فإننا نشهد اليوم نتائج الفشل الذريع في تحقيق وتجسيد الشخص في تشظي العلاقات الاجتماعية، واندثار ما يدعى بالمزاج الوطني، وضمور وازع الوطنية. ففي كتابهالمسألة الطائفية ومشكلة الأقلياتيلاحظ الباحث السوري الدكتور برهان غليون أنهلم تطرح مسألة الأقليات في أية حقبة من حقب التاريخ العربي  الإسلامي بالحدة وبالخطورة التي تطرح بهما اليوم.

وإذا اكتفينا بالنظر إلى المظاهر الخارجية فإننا لا نلمح أي تغيير أيديولوجي هام في الحقبة الأخيرة يدفع بالإسلام الأغلبي، الذي تميَز حتى القرن الثامن عشر على الأقل بروحه السمحة والمتسامح ، إلى التخلص من ثقافة التعصب…” لاشك أن ظاهرة التعصب الذي يتحول في حياتنا إلى قوة عنف ويعيد بلداننا إلى العصور الحجرية الوحشية هي ظاهرة مركبة وبهذا الخصوص يقول الدكتور غليون بأنهيبدو واضحا أن مشكلة الفكر العربيالإسلامي تتمثل في كونه يتحرك الآن في مسارات العزل الثقافي والعزل الاجتماعي، ومن أفق العصبية الدينية إلى العصبية القومية، وهكذا فقد أصبحت الأقلية تستند إلى عصبية تخترعها اختراعا، وصارت الطائفة كذلك أيضا“.

في ظل هذا المناخ لم يعد للفرد مكانة متميزة، بل هو صدى لبرنامج الأقلية، أو الطائفة أو السلطة الاقتصادية، أو السلطة بكل أشكالها وفي صدارتها السلطة السياسية في تطرفها الدكتاتوري الصارخ حينا والمقنع بشتى الأقنعة حينا آخر. ويلاحظ الدكتور غليون أيضا أن التمترس داخل الأقلية أو الطائفة له تداعيات على مستوى الوعي. وهنا يتّخذ الوعي طابع البحث عن اليقين في هوية منعزلة وعازلة كالحنين إلى الفرعونية أو الفينيقية، أو الآشورية وغيرها.

وهكذا يصبح النكوص إلى الماضي هو الإيديولوجية السائدة. وفي هذا السياق تبدو ملاحظة الكاتب السوري “زكريا ثامر” ذكية وصائبة، إذ عبر قائلا بأن الغربيين يبدأون أفرادا وينتهون جماعة في حين نبدأ نحن جماعة وننتهي أفرادا في شكل موزاييك من الأقليات، والطوائف، والعصبيات المتشظية. لكي نخرج من هذه الدائرة المظلمة المغلقة فإنه ينبغي أن نشرع في بناء القواعد الفكرية والتربوية، والشروط السياسية والمجتمع المدني المتطور التي بدونها لن نستطيع أن ننجز رهان تأسيس الشخص المتفرد والحر في إطار مجتمع تكون فيه العلاقات مبنية على المبدأ الحواري التكاملي المتحضر.

مقالات ذات صلة