الرأي

أستاذ واحد أم أستاذان؟ من يقود مدرسة الغد؟

يشهد التعليم الابتدائي اليوم تحولات عميقة فرضتها الثورة المعرفية والتكنولوجية، فلم تعد المدرسة فضاء لتلقين المهارات الأساسية فحسب بل أصبحت في هذا العصر مطالَبة باستهداف الكفاءات الفكرية والعلمية لدى التلميذ منذ السنوات الأولى. وفي هذا السياق برز من جديد النقاش حول جدوى الانتقال من نظام “الأستاذ الواحد” إلى نظام “الأستاذين” باعتباره أحد الخيارات الإصلاحية الممكنة.
ومن الأهمية بمكان أن نشير إلى أنه لا ينبغي النظر إلى هذا التحوّل بوصفه صراعًا بين المواد أو بين التخصصات العلمية: إنه محاولة لتحسين جودة التعلم ورفع فعالية المدرسة الابتدائية نتيجة تعقّد المناهج الحديثة واتساع رقعة المعارف. لقد أدى الوضع الحالي إلى صعوبة إحاطة أستاذ واحد بكل المجالات والمعارف المطلوبة بنفس الدرجة من الكفاءة. كما أن المدرسة المعاصرة تحتاج إلى قدر أكبر من التخصص والتجديد البيداغوجي لمواجهة تحديات التقدم العلمي وضرورة مواكبة المدرسة لسرعة تطوره. ومن ثمّ فإن اعتماد “نظام الأستاذين” يشكل خطوة نحو تعليم أكثر توازنا ونجاعة وإنصافا للتلميذ والأستاذ معًا.

تحولات المدرسة الحديثة

من الواضح أن الانتقال إلى نظام “الأستاذين” في التعليم الابتدائي، خاصة في السنوات الأخيرة (بدءا من السنة الثالثة مثلا)، يمثل استجابة طبيعية للتحولات التي عرفتها المدرسة الحديثة، وليس مجرد تغيير تنظيمي بسيط. فالمناهج الحالية أصبحت أكثر كثافة وتعقيدا، وتشمل مجالات معرفية متنوعة مثل الحساب والهندسة، والعلوم الطبيعية، واللغات، والتكنولوجيات، والتفكير المنطقي، وهي مواد تحتاج كلها إلى تكوين متخصص وتجديد مستمر. ومن غير الواقعي مطالبة أستاذ واحد بإتقان هذه المجالات مجتمعة بنفس المستوى من الكفاءة والعمق.
كما أن التخصص يسمح بتحسين جودة التعليم لأن التلميذ يستفيد أكثر عندما يتلقى المادة من أستاذ متمكن منها وقادر على تبسيطها وبناء التعلمات الأساسية فيها بطريقة سليمة. وفضلا عن ذلك، يساهم هذا النظام في تخفيف العبء المهني عن الأستاذ لأنه يصبح بذلك أكثر قدرة على التحضير الجيد والتقويم والمتابعة البيداغوجية بدل التشتت بين عدد كبير من المواد. ومن جهة أخرى، يحدّ “نظام الأستاذين” من تأثير ضعف الأستاذ في مادة معينة على المسار الدراسي للتلميذ، ويضمن قدرا أكبر من التوازن في تكوينه العلمي واللغوي. لذلك يمكن اعتبار هذا الخيار خطوة إصلاحية تهدف إلى بناء مدرسة ابتدائية أكثر جودة وفعالية وانسجاما مع متطلبات القرن الحادي والعشرين.
أما المقاربة المؤيدة للإبقاء على نظام “الأستاذ الواحد” فتستند غالبًا إلى فكرة أن الطفل في المرحلة الابتدائية يحتاج إلى مرجع تربوي واحد يرافقه نفسيا وتربويا طوال السنة الدراسية، وأن تعدد الأساتذة قد يربك التلميذ ويضعف العلاقة الإنسانية داخل القسم. غير أن هذا الطرح، رغم وجاهته العاطفية، لم يعد كافيًا في ظل التحولات العميقة التي عرفتها المدرسة الحديثة. فالعلاقة التربوية لا تتوقف على عدد الأساتذة بل تتوقف على جودة التنسيق بينهم وقدرتهم على توفير بيئة تعليمية مستقرة ومحفزة. كما أن عديد التجارب في العالم أثبتت أن الطفل قادر على التكيّف مع أكثر من أستاذ دون أن يؤثر ذلك سلبا على توازنه النفسي أو تحصيله الدراسي.
ومن المعلوم أنه يتم استعمال مبرر “شمولية تكوين المعلم” للدفاع عن فكرة “الأستاذ الواحد”، لكن الواقع يكشف أن الإحاطة المتقنة بجميع المواد أصبحت شبه مستحيلة مع تضخم المعارف وتطور المناهج، كما أسلفنا. فغالبا ما يؤدي هذا النظام إلى تفاوت كبير في جودة التعليم بين مادة وأخرى حسب ميول الأستاذ وتكوينه الأصلي. أما القول إن “نظام الأستاذين” يرفع التكاليف ويعقد التنظيم، فنقول بخصوصه إنه اعتراض إداري أكثر منه بيداغوجي لأن الغاية الأساسية من أي إصلاح تربوي ينبغي أن تكون تحسين تعلم التلميذ وجودة المدرسة … وليس الحفاظ على الصيغ التقليدية المريحة للإدارة.

نحو نموذج أكثر فعالية

ومن أجل إنجاح أي انتقال نحو نظام “لأستاذين”، يبدو من الضروري إعادة النظر أيضًا في طبيعة تكوين الطلبة في المدارس العليا للأساتذة. فالتوازن بين التخصصات يقتضي، منذ مرحلة الانتقاء، اعتماد قدر من التكامل بين الخلفيات العلمية والأدبية. لذلك فمن المفيد أن تضم دفعات التكوين نسبة متوازنة من الحاصلين على البكالوريا العلمية ونسبة مماثلة من الحاصلين على البكالوريا الأدبية أو اللغوية.
فخريجو الشُعب العلمية يمتلكون تكوينًا أقوى في الرياضيات والمنطق والعلوم والتكنولوجيات، وهي مجالات أصبحت محورية في المدرسة الحديثة، بينما يتميّز خريجو الشعب الأدبية بقدرات أفضل في التعبير واللغة والتواصل والمواد الإنسانية. وهذا التنوع يسمح ببناء فرق تربوية أكثر تكاملا داخل المدرسة الابتدائية، بدل الاعتماد على نمط موحد من التكوين قد ينتج اختلالا في بعض المواد الأساسية. كما أن وجود هذا التوازن داخل مؤسسات التكوين يساهم في تأسيس لثقافة تعاون بين التخصصات منذ البداية، ويجعل كل فئة أكثر وعيًا بأهمية المجالات الأخرى. وفي مطلق الأحوال، نلاحظ أن المدرسة الابتدائية المعاصرة لا تحتاج فقط إلى أساتذة متعددي المهام، بل تحتاج أيضا إلى كفاءات متنوعة ومتعاونة قادرة على بناء شخصية التلميذ علميًا ولغويًا وإنسانيًا بصورة متوازنة.
ومن الزاوية الاجتماعية والمؤسساتية، يصبح من غير المقبول أن تتحوّل مسابقات الالتحاق بالمدارس العليا للأساتذة (الخاصة بالمرحلة الابتدائية) إلى آلية إقصاء ضمني لخريجي الشعب الأدبية أو اللغوية لصالح التوجه العلمي أو العكس. فالتعليم الابتدائي ليس مجالًا للرياضيات والعلوم وحدها أو مجالا لغيرها، بل هو فضاء واسع لتكوين الإنسان في أبعاده اللغوية والعلمية والقيمية والثقافية. وعليه فإقصاء حاملي البكالوريا الأدبية مثلا من هذه المسارات سيؤدي إلى خلل في التوازن البيداغوجي داخل المدرسة، ويُضعف حضور الكفاءات القادرة على تدريس اللغات والتعبير والتربية الإنسانية. كما أن المدرسة، بوصفها مؤسسة اجتماعية، يجب أن تعكس تنوع المجتمع ولا تختزل في مسار معرفي واحد.
لذلك فإن اعتماد مبدأ التوازن بين التخصصات داخل مسابقات التكوين لا يُعد خيارا تربويا فحسب بل هو أيضًا خيار عادل يضمن تكافؤ الفرص بين مختلف الشعب الدراسية. ومن شأن هذا التوازن أن يبعث أيضًا ديناميكية إيجابية داخل مؤسسات التكوين نفسها حيث يتعلم المكونون من بعضهم البعض ويكتسبون رؤية أشمل حول طبيعة التعليم الابتدائي.
في ضوء ما سبق من الاعتبارات البيداغوجية والمعرفية والاجتماعية، يتضح أن نظام “الأستاذين” بات ضروريا في المرحلة الابتدائية -سيما في طورها الثاني- لأنه يمثل الخيار الأكثر انسجامًا مع متطلبات المدرسة الحديثة من حيث جودة التعلمات وعمق التكوين.
مقالات ذات صلة