الجزائر
الضابط المتقاعد محمد شفيق مصباح لـ الشروق:

“أستبعد مشاركة وحدات عسكرية جزائرية في شمال مالي”

الشروق أونلاين
  • 9903
  • 28
ح/م
الضابط السابق في المخابرات، شفيق مصباح

استبعد الضابط السابق في المخابرات، شفيق مصباح، مشاركة وحدات من الجيش الجزائري، في التدخل العسكري المرتقب في شمال مالي، وأرجع شفيق مصباح، في حوار مع “الشروق”، الغموض الذي يكتنف الموقف الرسمي بشأن هذه القضية، إلى عدم حصول توافق بين أطراف نظام الحكم، ممثلة في الرئاسة والمؤسستين الأمنية والعسكرية. ولاحظ الخبير في علم الاستراتيجيات أن زيارة كاتبة الدولة الأمريكية للخارجية، هيلاري كلينتون، للجزائر، لم تأت في سياق تحوّل نوعي في العلاقات بين الجزائر وواشنطن، وإنما أملتها مصالح عاجلة خاصة بالطرف الأمريكي، وقدّر الضابط المتقاعد بأن المذهب العسكري والعقيدة الدبلوماسية للجزائر، بحاجة ماسة إلى مراجعة جذرية.

ما أهداف وخلفيات هذه الزيارة الثانية للجزائر، في ظرف سنة، لكاتبة الدولة الأمريكية هيلاري كلينتون؟

ليكن في علمكم أن السياسة الخارجية الأمريكية غير مرتبطة، أصلا، بتنقلات الرسميين الأمريكيين، بمن فيهم كاتبة الدولة. إذن، من السذاجة أن تعتقدوا أن هذه الزيارة قد تدل على تحول ما في السياسة الخارجية الأمريكية بالنسبة إلى الجزائر. كل ما في الأمر أن الولايات المتحدة الأمريكية تولي أهمية بالغة لمشاركة الجزائر في التدخل العسكري المبرمج للقضاء على الجماعات المسلحة في شمال مالي. وبما أن الجزائر أظهرت نوعا من التشدد في معارضة هذا الاحتمال، وتحفظا بالنسبة إلى الدور الرائد الذي تريد فرنسا أن تلعبه، فقد تولت الولايات المتحدة الأمريكية دور الوسيط لتقنع السلطات الجزائرية.

.

لماذا اقتصرت زيارة كاتبة الدولة الأمريكية على الجزائر دون غيرها من دول المغرب العربي خلافا لما جرت العادة؟

لأن السلطات الأمريكية تتعامل مع الواقع. هذه السلطات تعلم أن نظيراتها في الجزائر تهوى الإطراء، وذلك لا يكلف الجانب الأمريكي شيئا. للعلم، لولا عاصفة ساندي الأخيرة، لقضت كاتبة الدولة الأمريكية ليلتها في الجزائر، ولكان ذلك يحدث لأول مرة. وعليه، لا تركزوا كثيرا على الجوانب الشكلية التي يبقى تأثيرها ضئيلا.

.

كيف تنظرون إلى تطورات الموقف الرسمي الجزائري من الأزمة في مالي، علما أن الجزائر كانت في البداية مع الحل التفاوضي، ثم أصبحت لا تعارض الحل العسكري؟

شخصيا، لا أرى أن هناك تطورا حقيقيا في موقف الجزائر. أنا على يقين أن رئيس الجمهورية له خارطة طريق، سطرها منذ بداية الأزمة، وهو يعلم أن الجزائر لا يمكنها أن تتجاهل معطيات العولمة، وما تفرضه من حدود على السيادة الوطنية. كل ما في الأمر أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة يريد أن يحقق توافقا حول الموضوع بين أطراف نظام الحكم، سيما في المؤسستين العسكرية والأمنية. أضف إلى ذلك أنه بصدد التفاوض بشأن المقابل الذي يريد أن يحصل عليه من الغرب، في مقدمته الولايات المتحدة الأمريكية.

.

هل ترون أن الجزائر ستخضع، في نهاية الأمر، إلى ضغوط فرنسا والولايات المتحدة لجرها إلى المشاركة في التدخل العسكري في مالي؟ في هذه الحالة، ما هي أوجه المشاركة المنتظرة من الجزائر؟

أستبعد أن تقبل الجزائر بمشاركة وحدات من الجيش الوطني الشعبي في التدخل العسكري المزمع. كما أستبعد موافقة الجزائر على إقامة قواعد عسكرية بترابها، ولو بصورة مؤقتة. لابد أن ندرك أنه في ما يتعلق بمسائل الدفاع الوطني رئيس الجمهورية مضطر إلى التشاور مع القيادة العسكرية. ومادام التوافق لم يحصل بعد، يبقى الموقف الجزائري يكتنفه الغموض.

.

المذهب العسكري الجزائري يقوم على رفض أي تدخل عسكري خارج الحدود، هل تتصورن أن الجزائر في طريق التراجع على هذا المبدأ؟

لا شك أن المذهب العسكري والعقيدة الدبلوماسية في حاجة ماسة إلى تغيير في الجزائر. مع أن عهد الحرب الباردة قد ولى، ومعه حركة عدم الانحياز، ما زالت الجزائر عسكريا ودبلوماسيا، تتعامل مع الواقع وكأن العالم لم يقع فيه أي جديد. لكن هذا التغيير في المذهب العسكري والعقيدة الدبلوماسية لا يمكنه أن يحدث دون تشاور كثيف بين مؤسسات الدولة والنخب الوطنية كمرحلة أولى، قبل تحقيق الإجماع الوطني حول التصورات الجديدة التي سيتم التوصل إليها.

.

ما مخاطر التدخل العسكري في مالي على الوضع في الجزائر، بدءا بوحدة التراب الوطني واستقرار البلاد؟

الخطر الأول هو انفلات الأمور عملياتيا، ومن ثمة استمرار الحرب إلى ما لا نهاية. في هذه الحالة، يصبح واردا أولا، امتداد الحرب القائمة إلى التراب الوطني، واحتمال المساس بالوحدة الترابية ثانيا، وقد تؤدي حرب الاستنزاف هذه إلى انعكاسات سلبية على الرأي العام الوطني، الذي قد يستنكر تردي الأوضاع على حدود البلاد مع احتمال احتجاجات شعبية ضد نظام الحكم.

.

كيف تتصورون، في هذا الخصوص، توقيت التدخل العسكري المزمع وسيره؟

كما هو معلوم، لا يمكن أن يكون هذا التدخل العسكري دون موافقة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة وبتكليف واضح. لقد وضع هذا المجلس، مؤخرا، شروطا صارمة قبل موافقته على التدخل. التحضيرات جارية حاليا. بالنظر إلى مناخ المنطقة وتضاريسها، يبدو أن التدخل لا يمكن أن يقع قبل فصل الربيع المقبل. ولو قارنا بين الجماعات المسلحة الخفيفة الحركة والقليلة العدد من جهة، وقوات التدخل الإفريقية الأكثر عددا وعدة، والتي تعمل وفق الجيوش النظامية من جهة أخرى، لتبينت لنا صعوبة حسم الأمر بالسرعة المرغوب فيها. هل الوسائل التكنولوجية الحديثة، بما في ذلك الطائرات من دون طيار، قادرة على قلب موازين القوى؟ السؤال يبقى مطروحا.

.

كيف تقيمون أداء الدبلوماسية الجزائرية بالنظر إلى الأزمة في مالي؟

مع الأسف، أرى أن الدبلوماسية الجزائرية قد أصابها الفشل منذ زمن، ليس بالنسبة إلى الأزمة في مالي فقط، بل أيضا في جل القضايا الدبلوماسية التي تشغل العالم حاليا. إن الجزائر غائبة في إفريقيا، في الشرق الأوسط، وكذلك في المحيط المتوسطي. يبدو وكأن الدبلوماسية الجزائرية أصبحت منكبّة على الجانب الأمني فقط، المتمثل في محاربة الإرهاب. من الواضح أن التحرك الدبلوماسي لا يمكن اختصاره في ذلك. لو كانت الدبلوماسية الجزائرية في أعز عهدها، لما حدث ما حدث في شمال مالي في غياب الجزائر. والغريب في الأمر أن هذا الغياب يقع رغم أن منطقة الساحل تعتبر حزاما أمنيا في سياسة الدفاع الوطنية.

.

هل تعتقدون أن فرنسا والولايات الأمريكية في حالة سباق في مالي خصوصا، ومنطقة الساحل عموما؟

من السذاجة الاعتبار أن هناك خلافا جوهريا بين الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا في معالجة الأوضاع في شمال مالي. إن المصالح مشتركة بين البلدين، وما يبدو خلافا بينهما ما هو، في الواقع، ليس سوى تقاسم للأدوار. التنسيق بين القوتين يظل متواصلا وفي الأيام الأخيرة، مباشرة بعد جولة الحوار الاستراتيجي الذي جرى في واشنطن، انتقل إلى باريس السفير الأمريكي بالجزائر رفقة نائب كاتب الدولة المكلف بإفريقيا، حيث نسقا مع الطرف الفرنسي.

.

هل توافقون الرأي القائل إن المغرب يسعى إلى توريط الجزائر عسكريا في مالي؟

إذا تورطت الجزائر في مالي، فلابد وأن يكون ذلك على حساب القضية الصحراوية. كما تعلمون، الجزائر اتخذت إجراءات وقائية، بحيث نقلت إلى حدودها مع بلدان الساحل عددا معتبرا من قواتها العسكرية. بالإضافة إلى ذلك، قرب الحركة من أجل الوحدة والجهاد في غرب إفريقيا (MUJAO) من مصالح الاستعلام المغربية أصبح سرا معلوما لدى الجميع. الملفت للانتباه، في هذا الصدد، هو ذلك التواطؤ الحاصل بين فرنسا والمغرب، بحيث كان هذا الأخير ضمن الموقعين على مشروع اللائحة الذي تقدمت بها فرنسا لدى مجلس الأمن للأمم المتحدة بخصوص الأزمة في مالي.

.

هل ترون أن هناك علاقة بين تطور موقف الجزائر من التدخل العسكري في مالي، وسعيها إلى نيل الدعم الأمريكي لتجنب مخاطر الربيع العربي؟

مما لاشك فيه أن الولايات المتحدة الأمريكية تسعى إلى جر الجزائر إلى نظام أمني إقليمي تكون هي المتحكمة فيه بالطبع. من هذا الباب يبدو أن الموقف الجزائري غير المعارض للتدخل العسكري، خطوة أولى في ذلك الاتجاه. الحوار الاستراتيجي الجاري بين البلدين يندرج أصلا، ضمن السياق نفسه. لعل السلطات الجزائرية تفكر مقابل التزامها بالدخول في تحالف صريح مع أمريكا، في الحصول على دعم الولايات المتحدة الأمريكية، لتجنب ما يسمى بـ”الربيع العربي”.

مقالات ذات صلة