المخدرات في العصر الرقمي… تهديد يتسلل عبر الهواتف الذكية
في الوقت الذي أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي جزءا أساسيا من الحياة اليومية، خاصة لدى فئة الشباب والمراهقين، الذين يستخدمونها للتواصل وتبادل المعلومات والترفيه، جعل آخرون من هذه المنصات فضاء لاصطياد ضحايا المخدرات، ففي السنوات الأخيرة استغل مروجو هذه السموم الانتشار الواسع لـ”فايسبوك” و”تيك توك” للوصول إلى أكبر عدد ممكن من الشباب.
وفي هذا الإطار، حثت السلطات في الجزائر على ضرورة تفعيل المنظومة القانونية وتكييفها مع مستجدات الجريمة المنظمة المرتبطة بالمخدرات، مع تعزيز الإطار القانوني وتكثيف جهود الوقاية والعلاج لمواجهة هذه الظاهرة.
الدكتورة سامية قطوش: محتويات رقمية تغلف الانحراف في صور تبهر الشباب
وقال مشاركون في ندوة علمية وطنية تحت عنوان “خطر المخدرات وأثرها على مستقبل الأمّة” نظمها المجلس الإسلامي الأعلى، بالتعاون مع الديوان الوطني لمكافحة المخدرات وإدمانها، إن ازدياد خطورة انتشار المخدرات مرتبط أيضا بتأثر المراهقين بالمؤثرين أو المشاهير الذين يروج بعضهم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة لسلوكيات منحرفة، فيقلدهم الشباب دون إدراك للعواقب، إذ أصبحت بعض الحسابات تنشر محتويات تظهر الانحراف على أنه سلوك عادي أو وسيلة للترفيه والهروب من الضغوط النفسية، مستخدمة صورا ومقاطع فيديو جذابة تستهدف الفئات الهشة، وخاصة تلك المحتويات الأجنبية التي باتت متاحة للجزائريين.
المخدرات في العصر الرقمي… حرب خفية تدور خلف الشاشات
وأكد هؤلاء أن مخاطر المخدرات في زمن التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد قضية صحية، بل أصبحت تحديا أمنيا وتربويا وأخلاقيا يهدد مستقبل الأجيال، وعلى هذا الأساس تعتبر التوعية المستمرة، والرقابة الواعية، والتعاون بين الأسرة والمدرسة والدولة، من أهم الوسائل لحماية الشباب وبناء مجتمع سليم وآمن.
وأوضحت الدكتورة سامية قطوش، عضو المجلس الإسلامي الأعلى، مختصة في علم الاجتماع، أن المخدرات في العصر الرقمي تشكل تحديا قويا، خاصة أن الهواتف الذكية باتت جزءا من الحياة اليومية، إذ لم تعد المخدرات تباع فقط في الأزقة والأماكن المشبوهة، بل انتقلت إلى العالم الرقمي، أين تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي والتطبيقات الحديثة للترويج لهذه السموم بطرق خفية وخطيرة.
وقالت قطوش، إن أمام هذا الواقع، يزداد قلق العائلات الجزائرية والمجتمع ككل من تأثير هذه الظاهرة على فئة الشباب خاصة، مشيرة، إلى أن التطور التكنولوجي ساهم في تسهيل التواصل بين الناس، لكنه في المقابل منح مروجي المخدرات وسائل جديدة للوصول إلى ضحاياهم، فبضغطة زر يمكن للشباب التعرض لإعلانات مشفرة أو رسائل سرية تدعو إلى تجربة أنواع مختلفة من المخدرات.
الخطر في استهداف فضول المراهقين
كما تستعمل، بحسب ذات المتحدثة، تطبيقات المراسلة والإنترنت المظلم لإتمام عمليات البيع بعيدا عن أعين الرقابة، إذ ترى أن أخطر ما في القضية هو استهداف المراهقين، خاصة مع استغلال فضولهم ورغبتهم في التجربة، قائلة إن بعض الأفلام والمحتويات الرقمية خاصة الأجنبية تظهر الانحراف بصورة عادية أو جذابة، مما يؤثر سلبا على سلوك الشباب ويجعل البعض يعتقد أنها وسيلة للهروب من الضغوط أو لتحقيق المتعة المؤقتة.
ودعت في مقابل ذلك، إلى ضرورة التوعية الرقمية، من خلال توسيع نشر حملات إعلامية توضح مخاطر المخدرات وأساليب الترويج الإلكتروني لها، مع تعزيز دور الأسرة والمدرسة كدور أساسي في مراقبة الأبناء وتوجيههم نحو الاستعمال الإيجابي للتكنولوجيا.
وأكدت أن المخدرات في العصر الرقمي أضحت حربا خفية تدور خلف الشاشات، ومواجهتها تتطلب وعيًا جماعيا وتعاونًا بين الأسرة والمؤسسات الأمنية والتربوية، لحماية الشباب الجزائري ولبناء مجتمع أكثر أمانا واستقرارا.
الطب المدرسي والتكفل النفسي بالتلميذ… منظومة حماية متكاملة
وتطرق من جانبه، الدكتور عبد الحق مرابطي، المدير العام للتعليم الثانوي والتكنولوجي بوزارة التربية الوطنية، إلى دور المؤسسة التربوية في بناء المناعة القانونية والوقائية، موضحا أن التوعية داخل المحيط المدرسي لا ينبغي أن تقتصر على جهود معزولة أو على خطاب التخويف فقط، داعيا إلى ضرورة إجراء مقاربة شاملة تعزز فهم التلميذ لمخاطر هذه الآفة وتعمل على بناء شخصيته وتنمية مهاراته، بما يمكنه من اتخاذ قرارات واعية.
وكما قال مرابطي، إن الوقاية بمعناها الحقيقي هي التي تقوم على بناء المعنى وتعزيز تقدير الذات وليس على التخويف وحده، خاصة أن التخويف أو الخوف الذي يعيشه التلميذ قد لا يصمد أمام ضغط رفاقه المنحرفين أو أمام فضول أو الهشاشة النفسية لهذا التلميذ.
وأكد أن أهمية تدريب التلميذ على قول “لا” بكل ثقة وثبات، هو الخطوة الصحيحة والفعالة، خاصة في ظل تفعيل آليات الحماية من خلال فهم العوامل النفسية والاجتماعية التي قد تقوده نحو الانحراف.
وقال مرابطي، إن دور الطب المدرسي في الكشف المبكر والتكفل النفسي والصحي، له أهمية قصوى ضمن منظومة حماية متكاملة تضم الأسرة والمؤسسات التربوية،والهيئات الاجتماعية والأمنية.
وفي كلمته الافتتاحية، أكد رئيس المجلس الإسلامي الأعلى الدكتور مبروك زيد الخير، أن محاربة المخدرات “واجب شرعي ووطني”، معتبرا أن هذه الآفة تمثل اعتداء صريحا على مقاصد الشريعة الإسلامية الكبرى وتهديدا مباشرا لكيان الدّولة ولحمتها الاجتماعية، مشددا على ضرورة تكاتف النخب العلمية والدينية لتعزيز الوعي وبناء الحصانة الفكرية للأجيال القادمة.
إطلاق منصات توعوية تفاعلية تخاطب الشباب
ومن جهته، تطرق المدير العام للديوان الوطني لمكافحة المخدرات وإدمانها الدكتور طارق كور، إلى المحاور العملياتية للإستراتيجية الوطنية للمكافحة، مع ثمين الجهود الميدانية لوحدات الجيش الوطني الشعبي والدرك الوطني والأمن الوطني ومصالح الجمارك في التصدي لمحاولات إغراق البلاد بالمخدّرات، مُستحضِرًا ما أفضت إليه الترسانة القانونية الجديدة المتجسّدة في القانون 23-05 من تعزيزٍ للمنظومة الردعية.
وقد خلصت ندوة المجلس الإسلامي الأعلى “خطر المخدرات وأثرها على مستقبل الأمة”، إلى بعض التوصيات العملية، التي تعلقت في شقها التشريعي بالدعوة إلى استحداث فهرس وطني إلكتروني للوصفات الطبية المتعلقة بالأدوية المخدرة، وتفعيل آليات التحري المالي للتضييق على شبكات التمويل الإجرامي.
وأما في الجانب الوقائي، فدعت التوصيات إلى إطلاق منصات توعوية تفاعلية تخاطب الشباب بلغتهم في الفضاء الرقمي، علاوة عن توسيع شبكة مراكز علاج الإدمان وإرساء برامج رعاية لاحقة للعلاج تكفل الإدماج المهني والاجتماعي للمتعافين، وذلك كله في إطار الإستراتيجية الوطنية 2025-2029.