أشخاص ينشرون السلبية خوفا من العين والحسد
قلت العلاقات الاجتماعية، وهفتت حرارة اللقاءات مذ سادتها الشكاوى والتذمر فقط، فلم يعد الناس يستمتعون بوقتهم كالسابق في تبادل الأحداث الإيجابية، والغالبية العظمى صارت تحتفظ بتطوراتها لنفسها، فيما تشارك الجميع الجانب السلبي من حياتها، خوفا من العين الحسد أو عادة اجتماعية تستفحل بين الناس أسبابها نفسية
محكومون بالعزلة.. التذمر يفصل في العلاقات الاجتماعية
إن المشابك التي تصل بين الخلايا العصبية تسهل مرور المعلومات من وإلى الدماغ، وهذا بدوره يسهل عملية تكرار هذا السلوك في المستقبل، حتى يصبح الشخص غير مدرك أنه يقوم بهذا السلوك، أي إن الأمر يصبح بمثابة العادة. وبحسب ما أظهرته الدراسات العلمية، فإن أغلب الناس يشتكون على الأقل لدقيقة واحدة خلال أي محادثة عادية، إذ يجعلهم التذمر يشعرون بالارتياح، ويفرغهم من الضغوط المتعلقة بأمر ما، لكن هذه العادة وكالكثير من مسببات السعادة المؤقتة الأخرى، تعد غير صحية، وهي مؤذية للشخص في حد ذاته ولمحيطه الذي يستمع له، ويتلقى طاقته السلبية، حيث إننا جميعا نرجو أن نلتقي أشخاصا إيجابيين يرفعون من معنوياتنا ويساعدوننا على التقدم، وليس العكس.. لهذا، عادة ما ينفر الناس من الشخص كثير الشكوى، ليجد نفسه محكوما بالعزلة مع مرور الوقت. تقول الأخصائية الاجتماعية مريم بركان: “مع أن الناس أصبحوا أنانيين ويستمتعون بالاستماع إلى مشاكل ومطبات الغير ليشعروا بالراحة حيال تأخرهم، إلا أن لهم حدودا يتحملون فيها شكايات الغير وتذمرهم من كل شيء، خاصة إذا تكرر الأمر مرارا.. وهذا، ربما ما يفسر انقطاع العديد من العلاقات الاجتماعية اليوم، حين أصبح التذمر سلوكا يوميا للكثير، أينما حلوا وارتحلوا”.
هذه الدوافع النفسية للاستمرار على الشكوى والتذمر
الفرد كثير الشكوى، المتذمر من كل شيء ولا يعجبه أي شيء، ليس بالضرورة شخصا يبتغي درء العين والحسد عن حياته، بل يمكن أن يكون مصابا باضطرابات نفسية، تجعله غير راض عن بيئته وعن إنجازاته، مهما اجتهد وبلغ من التقدم. وهو، بحسب الأخصائية النفسانية د.دبوب عقيلة: “الفراغ العاطفي، والصدمات النفسية المتكررة، التي تنتج عنها مراحل من الاكتئاب أو الوسواس، هي ما يجعل الفرد دائم الشكوى، كثير التذمر، يرتجي بذلك تحصيل الاهتمام النفسي من الآخرين، وجلب التعاطف معه، رغم كونه لا يستحقه في الكثير من الأحيان.. لكنه، يستمر في سلوكه، لأنه يخفف من حدة شعوره بالألم، وتكمن خطورة هذا الاضطراب في كون المصاب به يسعى إلى جلب انتباه واهتمام الأشخاص المنهارين مثله إلى قربه، حتى يشعر بالارتياح والاستقرار”.
الخوف من العين والحسد
لابد من الإشارة إلى أن التواجد في بيئة مليئة بالشكوى، وعدم الرضى سواء في البيت الذي يعيش فيه الفرد، أم في مكان عمله، حيث الأصدقاء والزملاء المتذمرون، يجعل منه شخصا مفرغا من الإيجابية، يسعى للتعبير عن مشاعره السلبية والتركيز عليها.. فهو يرى أن الحديث عن وقائعه المميزة، وإنجازاته وسط هذا المحيط قد يلحق به العين ويصيبه بالحسد، ما يتسبب في إفسادها، وبالتالي، بدلا من نشر طاقته، يستسلم لطاقة محيطه، ويندمج فيها، انطلاقا من أفكار وقناعات بالية، تصيبه مع الوقت بالعجز والتشاؤم، وإن الخبراء كثيرا ما ينصحون الأشخاص الذين لا يزالون يتمتعون بالإيجابية داخلهم، لكنهم مجبرون على إبداء تذمرهم للاندماج في المحيط، بتغيير بيئاتهم. تقول الأخصائية مريم بركان: “قد لا نقوى على تغيير أسرنا، لكن، علينا أن نقتنع بأننا مسؤولون عن تغيير سلوكهم السلبي، ولكننا قادرون على تغيير مقر عملنا أو جماعة الأصدقاء والزملاء الذين نشعر بأذية طاقتهم وانعكاسها على حياتنا”.