“أشري اليوم وخلّص غدوة” عادة اجتماعية تحوّلت إلى كابوس تجاري
لم تعد عبارة: “اكتبها لي في الكارني ونخلصك كي تجي الشهرية”، مجرد طلب عابر يسمعه أصحاب المحلات التجارية، بل تحوّلت في عدد من المدن والبلديات، بالشرق الجزائري، إلى ظاهرة اجتماعية وتجارية أثقلت كاهل أصحاب المحلات، وأدخلت الكثير منهم في دوامة من الديون، التي يصعب تحصيلها، بعدما أصبحت بعض دفاتر الكريدي، تضم مبالغ معتبرة تراكمت على مدار أشهر وحتى سنوات.
ومن خنشلة وصولا إلى عنابة وغيرها من ولايات الشرق على سبيل المثال، يجد عدد من التجار أنفسهم أمام معادلة صعبة، هل يرفضون طلب زبون يعرفونه منذ سنوات، ويحافظون على أموال تجارتهم، أم يمنحونه فرصة الشراء بالدين حفاظا على العلاقة والثقة، ففي الكثير من المحلات، تبدأ القصة بمبلغ بسيط، زبون يقتني مواد غذائية أو ملابس أو جهازا إلكترونيا، أو بعض المستلزمات، ثم يطلب من صاحب المحل دفع نصف القيمة، وتأجيل الباقي إلى نهاية الشهر، أو إلى حين حصوله على راتبه، وفي حالات أخرى، لا يدفع الزبون شيئا، خصوصا عندما تكون العلاقة قديمة، ويكون صاحب المحل قد اعتاد على منحه حاجياته بالدَين، اعتمادا على الثقة والمعرفة الشخصية، حيث تزداد هذه الممارسات خلال فترات تعرف فيها العائلات مصاريف استثنائية، على غرار شهر رمضان، الأعياد، الدخول المدرسي، ومناسبات الزواج، أو عند حدوث مصاريف طارئة، فيجد المواطن نفسه مضطرا لطلب «الكريدي» لتغطية احتياجاته اليومية، فالمشكلة، حسب التجار، لا تكمن دائما في منح الدين، وإنما في ما يحدث بعد ذلك، فقد يدخل راتب الزبون، لكنه لا يأتي لتسديد ما عليه، أو يسدد جزءا بسيطا ثم يطلب كريدي جديدا، لتتحول المبالغ الصغيرة تدريجيا إلى ديون متراكمة يصعب على صاحب المحل استرجاعها.
حين يدخل الراتب… ولا يدخل “الكريدي”
أكثر ما يثير غضب التجار، بحسب شهادات متداولة بينهم، وعلى لسان عمي لخضر أقدم بائع ملابس، بالشارع الرئيسي لممرات خنشلة، هو أن بعض الزبائن الذين كانوا يطلبون الدَين بحجة الظروف الاجتماعية، يغيرون سلوكهم بمجرد تحسن وضعهم المالي أو دخول رواتبهم، ويقول السيد علي نواري من عين البيضاء تاجر خردوات، إنهم يتفاجؤون أحيانا برؤية الزبون نفسه يقتني حاجياته من محل آخر نقدا، في الوقت الذي لا يزال فيه صاحب المحل الأول ينتظر تسديد دين قديم، وهنا تصبح المسألة، في نظره، أكبر من مجرد مبلغ مالي، لأنها تمس الثقة التي بنيت بين الطرفين على مدار سنوات، فالتاجر الذي كان يقول لزبونه، خذ حاجتك وخلص كي تقدر، يجد نفسه لاحقا مضطرا إلى ملاحقته من أجل مبلغ كان في الأصل قد منحه له من باب الثقة وحسن الجوار، وهنا لا تقتصر الظاهرة على محلات المواد الغذائية أو ما يعرف بـالسوبيرات، بل تمتد إلى مختلف الأنشطة التجارية، ففي محلات الملابس، قد يقتني أحدهم كسوة كاملة لأطفاله بمبلغ يدفع جزءا منه ويؤجل الباقي، وفي محلات الأجهزة الإلكترونية، قد يشتري زبون هاتفا أو جهازا منزليا أو قطعة إلكترونية، ويدفع جزءا من ثمنها، على أن يستكمل المبلغ لاحقا، أما في بعض المحلات التي تبيع المستلزمات اليومية، فقد يتراكم الدَين نتيجة عمليات شراء صغيرة ومتكررة، حتى يصبح صاحب المحل نفسه غير قادر على تحديد موعد فعلي لاسترجاع أمواله، وهكذا تتحول عبارة “غير هاذ المرة”، إلى سلسلة من العمليات، ويصبح دفتر الكريدي، سجلا لمبالغ متفرقة، لكنها في مجموعها قد تصل إلى أرقام ثقيلة.
“ممنوع الكريدي” شعار على الباب وواقع مختلف داخله
المفارقة أن عددا متزايدا من التجار، أصبح يعلق على واجهة محله عبارات من قبيل، ممنوع الكريدي، الكريدي يفسد المحبة، أو الدفع نقدا فقط، لكن الواقع، كما يروي بعض أصحاب المحلات، أكثر تعقيدا من اللافتة المعلقة على الباب، فالتاجر قد يقرر صباحا عدم البيع بالدين، لكنه يجد نفسه مساء أمام زبون يعرفه جيدا، أو جار، أو قريب، أو عائلة اعتاد التعامل معها، فيجد حرجا في رفض طلبه، وبين الحفاظ على أمواله والحفاظ على علاقته بزبائنه، يجد صاحب المحل نفسه فعلا بين المطرقة والسندان، ومن أكثر القصص التي أعادت النقاش حول الظاهرة إلى الواجهة، تداول منشور على مواقع التواصل الاجتماعي يتحدث عن صاحب محل مواد غذائية، من ولاية تبسة، أقدم على حرق دفتر الكريدي، بعدما بلغت الديون المسجلة فيه، بحسب ما جاء في المنشور، نحو 80 مليون سنتيم، وبعيدا عن تفاصيل الحالة ومدى دقة المبلغ، فإن تداول مثل هذه القصص يعكس حجم الإحباط الذي يشعر به بعض التجار عندما تتراكم الديون ويستحيل تحصيلها، فدفتر الكريدي، الذي كان في الأصل رمزا للثقة، قد يتحول مع مرور الوقت إلى مصدر ضغط نفسي ومالي على صاحبه، خصوصا عندما تكون الأموال المستحقة موزعة على عشرات الأشخاص، وبعض التجار، بعد استنفاد كل محاولات المطالبة، يختارون ببساطة شطب الديون أو تمزيق الدفاتر والتنازل عن أموالهم، مرددين عبارة وكلنا ربي.
وفي حالات أخرى، يلجأ أصحاب المحلات إلى مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة فيسبوك وإنستغرام، لنشر نداءات موجهة إلى الأشخاص الذين لم يسددوا ديونهم، بل إن بعضهم قد يلجأ إلى نشر أسماء أو صور المدينين للضغط عليهم من أجل تسديد ما عليهم، وهو سلوك يفتح بدوره نقاشا آخر حول الحدود الفاصلة بين المطالبة بالحق المالي، وبين التشهير بالأشخاص على شبكات التواصل، وما يمكن أن يترتب عن ذلك من مشاكل اجتماعية وقانونية، فالتاجر المتضرر يرى أنه لم يجد وسيلة أخرى لاسترجاع ماله، بينما قد يجد الطرف الآخر نفسه أمام إساءة إلى سمعته أو حياته الخاصة، وبين الطرفين، يبقى الحل الأكثر أمانا هو اللجوء إلى الطرق القانونية بدل تحويل الخلاف التجاري إلى حملة تشهير إلكترونية.
زبون يغلق دينا ويفتح آخر
ومن المفارقات التي يرويها التجار، وعلى لسان مروان صاحب محل تجاري للملابس الرياضية بباتنة، أن بعض الزبائن لا يتوقفون عن التعامل بالدَين حتى بعد تراكم ديونهم، فبدلا من العودة إلى صاحب المحل القديم وتسديد ما عليه، يتوجه الشخص إلى محل آخر، وقد يستعمل معه الأسلوب نفسه، اكتبها لي حتى نهاية الشهر، وبذلك يغلق دينا في محل، أو لا يغلقه أصلا، ويفتح دينا جديدا في محل آخر، لتستمر الدائرة، وهي الممارسات يقول مروان، لا تضر بمحل واحد فقط، وإنما تجعل ثقافة الكريدي، تتوسع تدريجيا، وتضعف في المقابل مبدأ التعامل النقدي الذي تقوم عليه التجارة، وهنا تتحول المفارقة الكبرى إلى أن الكريدي، كان في الأصل جزءا من ثقافة اجتماعية قائمة على التكافل والثقة بين أفراد الحي والقرية والمدينة، حيث كان صاحب الدكان يعرف عائلات الحي، ويعرف من يستطيع الدفع ومن يمر بظرف مؤقت، وكان الدين في كثير من الحالات وسيلة لمساعدة المحتاج إلى غاية تحسن وضعه، لكن اتساع المدن، وتغير العلاقات الاجتماعية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتزايد المصاريف، جعلت هذه العادة أكثر تعقيدا، فالتاجر اليوم ليس مؤسسة خيرية، بل لديه موردون وكراء وفواتير وأجور ومصاريف، وعليه أن يحافظ على رأس ماله حتى يتمكن من مواصلة نشاطه، ولهذا فإن الدين الذي لا يسترجع في موعده لا يبقى مجرد مبلغ صغير، بل يصبح جزءا من رأس المال المجمد.
“الكريدي” مساعدة مؤقتة أم عادة دائمة؟
المشكلة، بحسب متابعين للظاهرة، بيان عمر شباب صاحب مقهى ام درمان بخنشلة، ليست في المواطن الذي يمر بظرف استثنائي ويطلب مساعدة مؤقتة، وإنما في تحول الدين من حل استثنائي إلى نمط دائم من الاستهلاك، الذي يعجز فعلا عن دفع ثمن حاجياته الأساسية في فترة معينة يمكن تفهم وضعه، لكن من غير المقبول أن تتحول الثقة التي منحه إياها التاجر إلى التزام مؤجل بلا نهاية، خاصة عندما يتحسن الوضع المالي للمدين، وفي المقابل، يرى البعض أن على التجار أيضا وضع قواعد واضحة، وعدم فتح دفاتر الدين بلا حدود، وتحديد سقف مالي وفترة زمنية للتسديد، حتى لا تتحول العلاقة التجارية إلى التزام مفتوح، وفي النهاية، لا يتعلق الأمر بمجرد دفتر صغير مليء بالأسماء والأرقام، وإنما بظاهرة تكشف جانبا من التحولات التي يعرفها المجتمع، فالتاجر يخشى خسارة أمواله، والمواطن يواجه ارتفاع المصاريف وضغط الحياة اليومية، وبينهما تقف كلمة واحدة كانت لسنوات عنوانا للعلاقة التجارية في الأحياء الثقة، لكن عندما يشتري الزبون بالدين ثم يتجنب صاحب المحل رغم قدرته على الدفع، فإن الخسارة لا تكون مالية فقط، بل تكون خسارة للثقة أيضا، وربما لهذا السبب بدأ عدد متزايد من التجار يرفعون شعار ممنوع الكريدي، ليس كرها في زبائنهم، وإنما خوفا من أن يتحول الكرم إلى خسارة، والثقة إلى عبء، ودفتر صغير إلى عشرات الملايين من الديون التي لا يعرف صاحبها متى وكيف ستعود إلى خزينته، فبين تاجر يقول ما نزيدش نبيع بالكريدي، وزبون يرد غير هاذ المرة، تستمر حكاية دفاتر الديون في أحياء ومدن الشرق الجزائري، حكاية بدأت بالثقة، لكنها في بعض الحالات انتهت بقطيعة، أو بإغلاق محل، أو حتى بدفتر يحترق بعد أن عجز صاحبه عن استرجاع ما فيه.