أضواء على كتب السنة 1/2
كتب السنة أو كتب الحديث النبوي، هي الكتب التي تضمنت ما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم من أوامر ونواهي وتقريرات ومواقف، وهي تجمع بين نصوص الأحكام والفضائل والتأريخ للسيرة النبوية والتطبيقات القرآنية لمجتمع النبي صلى الله عليه وسلم، وعدد هذه الكتب حوالي 1400 كتاب، موزعة على الكثير من الأصناف الحديثية تعرف عند أهل الإختصاص بالصحاح كالصحيحن وغيرهما.
والسنن، مثل الكتب الستة المعروفة وسنن الدارقطني والبيهقي، والمسانيد يقصد بها مسانيد الصحابة فيقال مسند عبد الله بن عمر ومسند ابن عباس ومسند عائشة ومسند أبو هريرة؛ أصحابها صنفوها مرتبة على روايات الصحابة، فاشترهت باسمهم، كمسند الإمام أحمد ومسند الشافعي..، والأجزاء، وهي “المصنفات المشتملة على الأحاديث المتعلقة في جانب من جوانب الدين الإسلامي، أو باب من أبوابه، أو المصنفات التي اختصت في جمع الأحاديث المروية من طريق واحد، أو بجمع الأحاديث المتعلقة بموضوع واحد”. وغير ذلك من أسماء الكتب والأجزاء، المتنوعة في تخصصات مختلفة، ولكن أصول هذه الكتب كلها مدارها على 13 كتابا + كتاب المختارة للمقدسي، ومنها الكتب التسعة التي هي السنن الست + موطأ الإمام مالك، ومسند الإمام أحمد، وسنن الدارمي، أما السنن الستة المعروفة فهي الصحيحين والسنن الأربعة، وهي البخاري ومسلم وسنن أبو داوود وسنن الترمذي وسنن النسائي وسنن ابن ماجة، وعدد الأحاديث الإجمالي للكتب الـ.13+ المختارة للمقدسي، هو: 108546 حديثا [مقتبس من دراسة منشورة في http://blogs.aljazeera.net/ blogs/2017/7/3].
قد يتساءل متسائل عن هذا الكم الهائل من الأحاديث؟ نرجئ الكلام عن ذلك إلى ما بعد الكلام عن طرائف هامة خاصة بتصنيف بعض كتاب السنة؛ لأن لكل كتاب في الحديث ومنها الكتب الستة قثة ومبرر لتصنيفه، ونحن وإن كنا لا نعلم قصة كل كتاب كيف ألف ولماذا؟ فإن ما سنذكره من نماذج يكفي للكشف عن أن القوم لم يعبثون فيما يكتبون، وإنما يبحثون دائما الإضافة، وظيفيون في كل ما يقومون به في هذا الشأن وفي غيره.
فأول كتاب صنف في الحديث، هو موطأ الإمام مالك، بأمر من الخليفة أبي جعفر المنصور، بقصد الحفاظ على وحدة الأمة، ولكن الإمام مالك استجاب فألف الكتاب ولكنه لفت انتباه الخليفة إلى تفرق الصحابة في الآفاق، وذلك يفرض الإختلاف ويوجبهـ فقال رحمه الله “ولعل الناس اختلفوا”، ثم كان صحيح البخاري الكتاب رقم واحد في الكتب المصنفة، الذي قال عنه صاحبه إنه انتقاه من آلاف الأحاديث وفق منهجية متفردة، حيث نظر البخاري خلال رحلاته في طلب الحديث في شيوخه فاختار أفضلهم وأهمهم في الرواية عدالة وضبطا وما إلى ما هنالك من شروط قبول الرواية، ثم نظر في شيوخهم وطبق نفس القاعدة,,,، وهكذا في جميع طبقات الرواة إلى الصحابة رضي الله عنهم الذين هم عدول كلهم بدون استثناء، واشترط في كل طبقة من الرواة أن تتم بينهم المقابلة، أي أن يتقابل الراوي والمروي عنه، فجمع وروى كل ما جاء عن هذه الطرق التي وضعها في منهجيته في الرواية، وانتقى منها كتابه الصحيح، والباقي ضمنها كتبه الأخرى، كالأدب المفرد والتاريخ الكبير…إلخ، والتي لم يشترط فيها ما اشترط في الصحيح.
وبعد البخاري يأتي في المرتبة الثانية بعده الإمام مسلم وهو تلميذه فرأى أن الشروط التي وضعها البخاري هي أعلى مراتب الدقة فلا يمكن أن يرتقي إليها، فأسقط شرط اللقاء بين الرواة واكتفى بشرط المعاصرة؛ لأن المفترض في هؤلاء الأئمة أنهم يروون ما سمعوا، ولو لم يصرحوا بأنهم التقوا مع بعضهم البعض، وعَوَّض إسقاط هذا الشرط بإضافة مهمة في صحيحه وهي أنه لم يكتف برواية واحدة للحديث وإنما يرويه بأكثر من طريق وعن أكثر من صحابي، ولذلك قيل عن الصحيحين إنهما أصح الكتب بعد كتاب الله، ومن ثم عرفا بالصحيحين فتلقتهما الأمة بالقبول.
ثم بعد الإمامين البخاري ومسلم، صنف الإمام أبو داود سننه، ولكن بمحاولة استدراكية على الصحيحين في المضامين، وليس في مستوى الصحة والدقة، ليتميز عن الصحيحن وإن كان دونهما في المرتبة؛ لأنه من ناحية الصحة لا يمكن أن يضيف عن الصحيحين شيئا، فحاول وضع كتابه خاصا بالفضائل وتفاصيل القضايا، باعتبار أن الصحيحين اهتما بالعقائد والأحكام، فكانت الفضائل بمثابة المادة المكملة للصحيحين، ولذلك يوجد في سنن أبي داود من التفاصيل لا سيما في العبادات ما لا يوجد في غيره، أما الترمذي فقد كانت إضافته في وضع المصطلحات الحديثية الجديدة؛ لأن الحكم على الحديث قبله لم يعرف إلا مصطلحين إثنين “صحيح وضعيف”، فأضاف مصطلحات أخرى كالحسن والغريب والشاذ، وأضاف كذلك الجمع بين الصفتين، حسن غريب، وصحيح غريب…، حيث كان يعقب على مروياته بالحكم عليها، فيقول هذا صحيح، أو حسن أو غريب، أو حسن غريب من هذا الوجه…إلخ.
وهكذا فكل من صنف في الحديث توجد له إضافة مهمة، تذلل لمن بعده مهمة البحث والدراسة، وتسهل على أهل العلم الوصول إلى غاياتهم مهما اختلفت تخصصاتهم، وذلك من أجل الوصول إلى الغايات المرجوة بأيس السبل، فلكل إمام إضافته ولا أستطيع الإتيان على طرقهم كلها، وإنما نكتفي بهذه النماذج التي ذكرنا ونظيف إليها نموذجا آخر لطرافته..، وهو أن الإمام ابن حبان وهو من جيل أهل التدوين عندما تجاوزه أئمة الحديث بفضائل التدوين ولم يجد ما يضيف عليهم، وتوقع أن عملية التسهيل التي انتهجها علماء الحديث، ستصرف الناس عن الاهتمام بحفظ الحديث، وضع كتابه الصحيح “صحيح ابن حبان”، بلا تبويب وقال تعمدت تصنيف الكتاب بهذا الشكل حتى إذا أراد الناس البحث عن حديث في كتابي، يبدؤون قراءته من البداية، ولكن الإمام الهيثمي أفسد عنه هذه الرغبة، حيث وضع له فهارس كما قال الدكتور نور الدين عتر.
ثم جاءت مرحلة أخرى بعد المائة الثالثة للهجرة وقد دونت كل المرويات اتجه الإهتمام إلى التصنيف وفق التبوين، فكانت كتب الحديث الخاصة بالأحكام، وأخرى خاصة بالعقائد، وأخرى خاصة بالفضائل، وأخرى خاصة بالرقائق وكذلك الأربعينات-، كالأربعين النووية وغيرها…إلخ، ومنها أيضا الأصناف التي ذكرناها في مطلع هذا المقال، وهناك أمور أخرى فنية وهي دقيقة جدا، مثل الثلاثيات، وهي الأحاديث التي يوجد فيها ثلاثة رواة بين الراوي والنبي صلى الله عليه وسلم، مثل ثلاثيات الإمام أحمد المستخرجة من مسنده برواية ابنه عبد الله. مثل قال الإمام أحمد حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَنَسٍ قَالَ :خرجنا مع رسول الله. فالثلاثة هم : عبد العلى + يحيى + انس.
وهذا هو السبب في تضخم عدد كتب الحديث وارتفاعها إلى 1400 كتاب، وكذلك عددها، فهي كتب مستخرجة من الكتب الأصول الستة أو التسعة ألأربعة عشر.
نعود إلى عدد الأحاديث المذكورة آنفا وهي 108546 حديثا في 13 كتابا، لنصل إلى تضخمها سببه تعدد المصنفات المستخرجة من الكتب الأصول، وفي نفس الوقت تعدد الروايات في الحديث الواحد، سواء بتعدد رواته من الصحابة، أو تعدد الرواة فيمن دون الصحابة,
والأهم من كل ذلك هل هذه الأحاديث تصح نسبتها إلى الرسول وهي ومقبولة؟
يتبع