الرأي

أضواء على وهن المصالح السرية الفرنسية

نسيم بلهول
  • 927
  • 1

في 16 جوان 1992م، تلقت مديرية الاستخبارات العسكرية الفرنسية، التي كان يرأسها آنذاك هاينريش، قراراً بتوليها مهمة تنشيط وتنسيق وتنفيذ التوجيهات المرتبطة بمسائل الاستخبارات ذات الأهمية العسكرية. لتحقيق هذه الغاية، استعانت تلك المديرية بجميع المنظمات المساهمة في المجتمع الإستخباراتي الفرنسي ذات الأهمية العسكرية، خاصة تلك تنضوي تحت قيادة الدرك الوطني الفرنسي والمفوضية العامة للتسليح.
تعدّ تلك المنظمات بمثابة مركز عمليات الاستخبارات العسكرية الفرنسية، والمكتب الثاني لجيوشها الثلاثة، ووحدات التدريب، ناهيك عن وحدة التصوير في الاستخبارات. لكن الأهم من كل ذلك، أنه منذ جويلية 1995م، أنشِئ مركز الأقمار الصناعية هيليوس- فرانس. لم يكن ذلك من قبيل الصدفة، إذ أسِّس قبل ثمانية أيام من إنشاء قيادة العمليات الخاصة (COS).
لم يرُق هذا التشكيلُ المزدوج المديريةَ العامة للأمن الخارجي، ولا حتى هيئة الأركان العامة للجيوش الفرنسية الثلاثة. وقد أعادت هذه الأخيرة إنشاء مكاتب ثانية جديدة تسمى “مراكز الاستخبارات” –أي مركز استغلال الاستخبارات البرية، مركز الاستخبارات الجوية، ومركز استخبارات القوات البحرية- مكلفة بمعالجة المعلومات واستغلالها. في الواقع، عمليات إعادة التشكيل تلك سمحت للمخابرات العسكرية الفرنسية بتكليف الجيوش بمهام في العمق، حالت القيود المالية والبشرية دون أن تنفذها بنفسها.
بطبيعة الحال، كان هناك خطر متأصل في رؤية الجيوش تعيد بناء قدراتها على أساس استغلال الاستخبارات. وإذا ما قُدِّر هذا الخطر على أنه منخفض من جانب إدارة الاستخبارات العسكرية، نظراً لقيود القوى العاملة التي عانت منها الجيوش الثلاثة، والتي حالت دون انتشارها في جميع الاتجاهات، فإنَّ الخطر الحقيقي كان غالبا ما يتجسَّد أثناء العديد من العمليات الخارجية التي شاركت فيها القوات الفرنسية (يوغوسلافيا سابقا، غرب ووسط إفريقيا، لبنان، آسيا الوسطى، ليبيا والصومال…). والأكثر من ذلك، أنَّ الجيش الفرنسي حصل من السلطة السياسية سنة 1993م ترخيصا بإنشاء لواء استخبارات في ميتز، حيث يجمع موارده الفوجية الخاصة في تلك المنطقة.

… لخّص العقيد فيدل ذلك كالآتي: “لا شيء يمنع العقول الكئيبة أو الناقدة من التأكيد على أن إصدار مرسوم تحت ضغط الأحداث أسهل من تخصيص الوسائل اللازمة في الوقت المناسب. إن امتلاك الآلات المتطورة وأجهزة الكمبيوتر وأقمار المراقبة، ووجود شبكات نقل آمنة ومنتشرة، وفوق كل ذلك السحر الذي تمارسه مثل هذه الأنظمة لا يمكن أن يكون كافياً من دون صفات الوكلاء المقدَّر لهم أن يأمروا باستخدامها ويعجّلوا ذلك مع ضمان عملها.”

وتحت غطاء حركة واسعة النطاق لتطوير وتحسين أداء المكون القاعدي للاستخبارات، أنشأ الجيش الفرنسي سنة 2002م مركزًا لتعليم ودراسة الاستخبارات (CEERAT). بدا الأمر وكأن الجيش الفرنسي يستجيب من خلال ردّ فعل جنوني ومنيع، يدفعه نحو إعادة تنظيم موارده حتى لا يفقدها، أو ما هو أسوأ من ذلك. وبما أن كل جيش ظل مسيطرًا على موارده البشرية، فقد سمحت هذه الهياكل الجديدة بنقل أفضل العناصر داخليًّا وليس بين المصالح، باستثناء المناصب المرموقة التابعة للأركان والتي كانت تشارك في تخطيط وإدارة العمليات، وهي تعدّ بمثابة نقاط انطلاق بين المصالح إلى رتب الجنرالات.
لم يكن بوسع مدير الاستخبارات العسكرية آنذاك، الجنرال ميشيل ماسون، إلا أن يشعر باليأس إزاء حقيقة مفادها أن التاريخ العسكري الفرنسي أثبت أن الاستخبارات كانت في فرنسا مهمَلة على الدوام، بالمقارنة مع القوة العسكرية التي كانت تحظى باهتمام كبير كعامل من عوامل القوة. بين عامي 2005م و2006م، سمح بروتوكول مشترك بين إدارة الموارد البشرية والجيش بنقل الدعم تدريجياً من مدرسة الدراسات الاستخباراتية واللغوية المشتركة (EIREL) إلى مركز دراسات الاستخبارات واللغة الأوروبية، وذلك من أجل الحصول على المناصب التنظيمية لإدارة الموارد البشرية. وهو الإجراء الذي كان جزءاً من خطة صعود مديرية الاستخبارات العسكرية. في حين، ركزت مدرسة ستراسبورغ -التي أصبحت بتاريخ 1 جويلية 2006م تحت مسمى “مركز تدريب الاستخبارات المشترك CFIAR- على التدريب المشترك واللغات التشغيلية فقط، أي اللغات المفيدة والمستعمَلة في سياق العمليات الخارجية.
أما جهاز إدارة الموارد الطبيعية، فقد عاني بدوره من النقائص ذاتها على مستوى الموارد البشرية والمالية التي عانى منها في وقت سابق جهازُ إدارة الأمن الخارجي. وقد لخّص العقيد فيدل ذلك كالآتي:
“لا شيء يمنع العقول الكئيبة أو الناقدة من التأكيد على أن إصدار مرسوم تحت ضغط الأحداث أسهل من تخصيص الوسائل اللازمة في الوقت المناسب. إن امتلاك الآلات المتطورة وأجهزة الكمبيوتر وأقمار المراقبة، ووجود شبكات نقل آمنة ومنتشرة، وفوق كل ذلك السحر الذي تمارسه مثل هذه الأنظمة لا يمكن أن يكون كافياً من دون صفات الوكلاء المقدَّر لهم أن يأمروا باستخدامها ويعجّلوا ذلك مع ضمان عملها”.

كانت هناك حالات كثيرة على غرار: بوب دينار في جزر القمر في نوفمبر1989م، أو الرئيس اللبناني ميشال عون الذي كان محاصَرا في قصره في بعبدا في أوت 1991م، أو الجنرال مناف طلاس، الرجل الثالث في الحرس الجمهوري السوري، والذي انشقّ في جويلية 2012م، أمثلة نموذجية على ذلك. وفي إحدى الحالات، كانت عملية تهريب سرية، وهي مهمة مثالية بالنسبة لإدارة العمليات الخاصة. وفي الحالتين الأخريين، كانت الأمر مجرد عملية إعادة توطين.

خاصة في ظل تواجد منافسات حتمية، إن لم تكن ازدواجية، التي لم تكن مختلفة عن تلك التي كانت تحدث وبشكل دوري بين المديرية العامة للأمن الخارجي و”أبناء عمومتها” في الشرطة، فحتى المديرية العامّة للأمن الخارجي كانت في وضع حرج بسبب إنشاء إدارة العمليات الخاصة، إذ لم يقتصر الأمر على نزع خصوصيتها الأولية، والتي ورثتها منذ الحرب العالمية الثانية وتعززت منذ سنوات المارينز، بل لم يكن من السذاجة أن يخلف بين عامي 1982م و1989م ثلاثة عسكريين بعضهم البعض على رئاستها. فضلاً عن ذلك، أظهرت رغبة اللوبي العسكري الفرنسي في احتكار إدارة العمليات الخاصة لضمّها إلى إدارة العمليات الخاصة عدم فهمها وإدراكها لخصوصيات العمليات الخاصة التي استوردت عقيدتها من الولايات المتحدة الأمريكية “العمليات السرية”. ولقد كانت حالات كثيرة على غرار: بوب دينار في جزر القمر في نوفمبر1989م، أو الرئيس اللبناني ميشال عون الذي كان محاصَرا في قصره في بعبدا في أوت 1991م، أو الجنرال مناف طلاس، الرجل الثالث في الحرس الجمهوري السوري، والذي انشقّ في جويلية 2012م، أمثلة نموذجية على ذلك. وفي إحدى الحالات، كانت عملية تهريب سرية، وهي مهمة مثالية بالنسبة لإدارة العمليات الخاصة. وفي الحالتين الأخريين، كانت الأمر مجرد عملية إعادة توطين، نتيجة لاتّفاق رسمي بين الأطراف المعنية، والذي تعدّ فيه القوات الخاصة الفرنسية الوحيدة القادرة على تنفيذ مثل هذه المهمات النوعية.
غير أن هذه التفاصيل الإدارية والعملياتية لم تعد لها أهمية أمام زيادة وتيرة المهمات والعمليات (ملاحقة ما يزعم أنهم مجرمو الحرب، وتحرير الرهائن الفرنسيين) في مسارح عملياتية متنوعة، على غرار: يوغوسلافيا سابقا (منذ سنة 1995م)، وأفغانستان، والعراق، والصومال، ومنطقة الساحل الإفريقي (منذ سنة 2004م). خاصة وأن مسألة تجميع القوات أصبح من الأمور الضرورية بسبب تلك الوسائل المتواضعة المتاحة لكل من قيادة وقوة العمليات الخاصة، وذلك على الرغم من المنافسة الشديدة من جانب GIGN وDST، خاصة في المسرح العملياتي اليوغسلافي سابقا.
لقد أدى ظهور إدارة الموارد الرقمية إلى تضخيم التكرارات وأسباب الخلافات داخل مجتمع الاستخبارات الفرنسي، فقد شهدت المديرية العامة للأمن الخارجي “أبناء عمومتها” الجدد يعارضون استخدامها لموارد الاستخبارات التصويرية، الكهرومغناطيسية منها والفضائية. كان التدريب والتفسير والاستغلال تحت مسؤولية إدارة الموارد البشرية، وهو ما أدى إلى نشوء خلاف بين رؤساء الجهازين، الجنرالين هاينريش وإيلي، عن إدارة الموارد البشرية، والمديرين سيلبيرزان وديواتر، عن المديرية العامّة للأمن الخارجي. بعد فترة وجيزة من الزمن، اقتُرح إنشاء جهاز جديد، يكون في الوضعية ذاتها التي كانت عليها إدارة المخابرات العامّة في الستينيات، أي مستقلّ عن الجهازين الآخرين.
كانت المديرية العامة للأمن الخارجي تنوي وببساطة الإبقاء على سلطتها باعتبارها “زعيمة وطنية”، خاصة ما يتعلق منه بالمصالح الأجنبية الشريكة. وقبل ذلك، سعت إلى الحفاظ على قُدراتها المستقلة في مجال التفسير، خوفًا من أن توضع تلك القدرات تحت أوامر الجيش، وكان الخطر كبيراً في مجال التصوير، مع العلم أن جميع مترجميه تلقوا تدريباً عسكرياً من قبل إدارة الدفاع الصاروخي، في وقت فُرضت فيه القيود المالية اتجاها نحو “التآزر” والإندماجات التي غذّت مثل تلك المخاوف.
في نوفمبر1994م، صدر ما يسمى “ميثاق عدم الاعتداء”،و بموجبه يُسمح للمصلحتين التعاون فيما بينهما. ولتفادي أيّ مفاجآت غير سارة، أضفِي الطابع المؤسسي على مكتب خدمات التصوير الصاروخي، الذي كان يرأسه آنذاك العميد روندو. غير أن الأخير أظهر نفسه وفي كثير من الأحيان بأنه لا يتمتع بالصبر أو حريص على وضع المزيد من الحديد على النار، ما أدى إلى تأجيج المنافسة بين مختلف المصالح التابعة لوزارة الدفاع الفرنسية، بدلاً من المراهنة على تكاملها. فهل هذا الأمر دليل على سوء نية إدارية؟!.
أعيد فتح هذا السؤال في 31 جانفي 2013م، بمناسبة تقديم الكتاب الأبيض الجديد المستقبلي حول الدفاع والأمن الوطني، واقترح مركز الدراسات والإستراتيجية المستقبلية (وهو مركز أبحاث فرنسي مستقل أسِّس سنة 1985م، ويعمل على تحديد وتحليل ووضع العوامل الرئيسية المتحكمة والمساهِمة في تغيير العالم المعاصر في منظورها الصحيح) اقترح إنشاء وكالة استخبارات تقنية جديدة تكون محصلة لتجميع قدرات الجهازين السابقين. وهو ما رفضه وزير الدفاع السابق جان إيف لودريان بشكل رسمي، وذلك أثناء زيارته لمقر المديرية العامة للأمن الخارجي في 15 أكتوبر2012م.

هذه التفاصيل الإدارية والعملياتية لم تعد لها أهمية أمام زيادة وتيرة المهمات والعمليات (ملاحقة ما يزعم أنهم مجرمو الحرب، وتحرير الرهائن الفرنسيين) في مسارح عملياتية متنوعة، على غرار: يوغوسلافيا سابقا (منذ سنة 1995م)، وأفغانستان، والعراق، والصومال، ومنطقة الساحل الإفريقي (منذ سنة 2004م). خاصة وأن مسألة تجميع القوات أصبح من الأمور الضرورية بسبب تلك الوسائل المتواضعة المتاحة لكل من قيادة وقوة العمليات الخاصة.

في الواقع، منع الاتفاق بين إدارة الاستخبارات العسكرية والمديرية العامة للأمن الخارجي فرنسا من الانضمام في فيفري 2003م –وهو ما حدث في صائفة سنة 1990م- إلى التحالف الأمريكي ضد العراق، إذ أتاح، هذه المرة، استقلال التفسير والتحليل السياسي عبر الأقمار الإصطناعية لهذين الجهازين موازنة تسييس الاستخبارات الأمريكية. وعلى نحو مماثل، ومن ثمة سمحت استقلالية التقييم والقرار والتصرّف للدولة بشنّ عمليتي “هارمتان” ضد ليبيا (مارس- أكتوبر2011م)، وسرفال (منذ جانفي 2013م)، تحت مزاعم تحرير شمال مالي من القبضة الإرهابية.
كانت مسألة نطاق نشاط كل عضو ينتمي إلى المجتمع الاستخباراتي الفرنسي مسألة لقيت إصرارا مهما من طرف المديرية العامة للأمن الخارجي، لكونها لم تكن لديها أي روابط أو علاقات سياسية. من ثمة، أضفِيت الشرعية على إخفاقاتها التي ندد بها موشون في المديرية العامة للأمن الخارجي، التي بدت في الواقع وكأنها منظمة جديدة لإدارة الأمن الخارجي والسياسات الاقتصادية. ومنذ سنة 1981م، تعاقب تسعة مديرين عامّين على رئاستها، الأغلبية منهم أتوا في إطار تغييرات مفاجئة طالت المديرية (1986م، 1993م، 1997م). وعلى الرغم من شرعية تلك الاضطرابات التي أدت هي كذلك إلى ظهور خمسة “إصلاحات صغيرة” أثّرت على الهيكل التنظيمي للجهاز، من دون أي توضيح بخصوص طبيعة الهياكل والمهام، فإنه وتماشيا مع ما جرى القيام به في قطاعي الدفاع (1964م) والشؤون الخارجية (1973م)، استحوذت في جويلية 1981م الاستخبارات الخارجية على قسم “التخطيط والاستشراف والتقييم”، الذي تحوّل في أكتوبر 1989م إلى “مديرية الإستراتيجية”. كان الهدف من ذلك، في البداية، هو بناء رؤية للمصلحة طويلة المدى والمصلحة متوسطة المدى، لحماية نفسها من أيّ مفاجآت. وقد جعل منها “سيلبيرزان” –المدير الأسبق للمديرية العامة للأمن الخارجي- واجهة حقيقية بين صناع القرار والمديرية العامة للأمن الخارجي. كما كانت من جهة أخرى لدى الدبلوماسيين الذين جنِّدوا في مصالح المديرية العامة للأمن الخارجي، والناقلين للخصوصية الإفريقية لفرنسا، خبرة مهمة (أثناء أداء مهامهم تحت راية “الكي دورسي” أو في السفارات المتواجدة في دول القارة أو حتى في الإيليزي.
وجد سيلبرزان دعما كبيرا من طرف رئيس الوزراء الفرنسي آنذاك ميشيل روكار (1988م- 1990م)، مستغلاً في ذلك مرحلة قصيرة من الاستقرار السياسي الذي عرفته فرنسا آنذاك. وهو الأمر الذي لم يستفد منه خليفته “جاك ديواتر” إبان رئاسة “إدوارد بالادور” لمجلس الوزراء الفرنسي (1993م- 1995م)، الذي لم يكن مهتماً وبشكل خاص بالاستخبارات، إذ كان ممنوعاً بموجب قاعدة غير معلنة مع الرئاسة الفرنسية من التعامل مع الشؤون الخارجية.

مقالات ذات صلة