-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

إذا كنت محاورا فكن مقتدرا 

إذا كنت محاورا فكن مقتدرا 

ينبغي أن لا يتصدى للحوار مع الآخر من لا يجد من نفسه قدرة على الحوار لأنه لا يمتلك المعرفة والحكمة والحنكة التي تمكِّنه من إيصال رسالته وإقناع خصمه إن عدم امتلاك ذلك سيكون له تأثيرٌ على المحاور نفسه وعلى أتباعه الذين يقتدون به ويسيرون في ركابه، هذا في حالة كان الحوار بين الشخص وبين من يحاوره وفي قضايا لا صلة لها بالجانب العقدي، فإذا تعدى الحوار إلى هذه القضايا وكان المحاور بحالة الضعف وعدم القدرة التي أشرت إليهما فهي المصيبة  الكبرى لأن ذلك سينسحب  في تقدير وتأويل خصمه على الدين الذي يدافع عنه فيسمه بالضعف وعدم الصمود أمام النقد.

للأسف، هذه الحالة منتشرة في الوقت الراهن، بل تكاد تكون ظاهرة مقلقة حينما نرى أشباه علماء ليس لهم من فقه الأديان شيء، وليس لهم فقهٌ بالنصوص القرآنية ولا بالنصوص الكتابية يتصدرون مجالس الحوار مع الآخر المتمكِّن دينيا ومعرفيا فيجهز عليهم وللوهلة الأولى ثم يتردد صدى ذلك في العالم كله وينظر إليه خصوم الإسلام على أنه ليس هزيمة للمحاور وحسب، بل هزيمة للدين والأمة اللتين ينتمي إليهما. لقد رأينا وسمعنا متحدثين عن الإسلام لا يملك أحدهم فقها يذكر في مجال الحوار والمناظرة علاوة على أن يملك علما بالنص القرآني والديني ومع ذلك يرشح نفسه أو يرشحه أتباعه للحوار مع الآخر فيطفق يتعتع ويجعجع ويلجأ حينما تخونه الحكمة والحجة إلى الشتيمة التي تنزل به إلى دركات التعصُّب التي هي من نواقض الحوار، وهذا ما يقع فيه كثيرٌ من المحاورين غير المقتدرين والمعاندين في آن واحد الذين لا يريد أغلبهم الإقرار بضعفهم وترك الساحة لغيرهم وإعطاء القوس باريها.

إن الحوار مع الآخر يحتاج إلى محاورين يستجيبون لجملة من الشروط، أولها أن يكون للمحاور فقهٌ بالنصوص والأحكام، ولا يكفي هنا أن يكون حافظا للنصوص عن ظهر قلب وحسب، بل يجب أن يقترن الحفظ بالقدرة على تحليل هذه النصوص وإسقاطها على موضوع الحوار.

وثانيها أن يكون هدفه من الحوار الإقناع الذي يفضي إلى إفحام الخصم في النهاية، فإذا انعدم الإقناع انعدم الإفحام وهذا يصب في صالح خصمه الذي لا يجد بعد ذلك صعوبة في هزيمته ولو ببضاعة مزجّاة.

وثالثها أن يتحلى بالأناة وضبط النفس وأن يبتعد عن التهريج والانفعال، فهذه من السلوكيات القاتلة التي تُضعف المحاور وتقلله في عين الخصم وترسم صورة سلبية عنه وعن الفكرة التي يرافع من أجلها، وللأسف أن كثيرا من المحاورين يكونون ضحايا لحالتهم النفسية المتوترة التي يستثمر فيها الخصم ويوظفها لصالحه.

ورابعها أن لا يستجيب المحاور للاستفزازات التي يحاول من خلالها الخصم التأثير عليه نفسيا وإقحامه في حوار متشنج متهيج يفقد قيمته الحوارية من البداية ويتحول إلى ما يشبه الانتقام للنفس بدلا من الدفاع عن الفكرة التي جاء من أجلها.

وخامسها أن يكون للمحاور دراية بفقه الردود فيقدِّم ما يعتقد أنه أدعى لإقناع وإفحام خصمه فلا يسترسل معه في السياق الذي يريده الذي يكون له فيه شبهة أو شية من الحقيقة فيما يغلب على ظنه وأن ينقله بطريقته إلى سياقات ومجالات أخرى لا يملك معها إلا الإذعان أو رفع الراية كما يقولون والإقرار بالحقيقة الصادمة التي لا يمكنه القفز عليها أو إنكارها ولو أراد.

وسادسها أن يحدد المحاور غاية ينتهي إليها فلا يكون حواره من أجل الحوار بل من أجل غاية محددة، وللأسف أن كثيرا من حواراتنا مع الآخر تنتهي كما تبدأ من غير غاية.

وسابعها أن يسعى المحاور بعد كل جولة من الحوار مع الآخر إلى تقييم تجربته الحوارية ورصد الإيجابيات لتدعيمها وتعزيزها والسلبيات لاجتنابها في الحوارات المقبلة فإن عدم القيام بهذه التقييم من شأنه أن يؤدي إلى اتساع دائرة السلبيات وفي هذا تأثيرٌ سلبي على المحاور.

من المهم أن أسوق في هذا الصدد أنموذجا رائعا للحوار من محاجة إبراهيم عليه السلام للنمرود بن كنعان، الذي ينبغي أن يستلهم منه الدعاة المسلمون وبخاصة المشتغلون في مجال الحوار مع  الآخر الدروس والعبر التي تعينهم على أداء دورهم الحواري والرسالي في آن واحد على أكمل وجه. لا يهمنا هنا في أي مظهر من مظاهر الحوار تندرج محاجة  إبراهيم عليه السلام للنمرود، هل هو حِجاجٌ أم مناظرة أم حوار؟ لا تهمنا في هذا المقام هذه الأسماء والمصطلحات التي نستخدمها كمتخصصين في تعاطينا مع المظاهر المختلفة للحوار ومع فئة مخصوصة ومتخصصة. إن حديثنا هنا عن محاجة إبراهيم عليه السلام  للنمرود كمظهر من مظاهر الحوار بعيدا عن هذه الأسماء والتقسيمات، لأن المهم هو معرفة القوة الحجاجية التي وهبها الله سبحانه وتعالى إبراهيم لإفحام عدوّ الله وعدوه وعدو المسلمين النمرود  الذي تمرد على الخالق وادعى الربوبية وسخر من إبراهيم وممن اتبعوه ليجد نفسه بعد المحاجة أكثر مهانة. يقول الله تعالى: “ألم تر إلى الذي حاجَّ إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإنَّ الله يأتي بالشمس من المشرق فأتِ بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين” (البقرة:258). كان موضوع الحوار في البداية قضية الإحياء والإماتة إذ ادعى النمرود أنه يحيي ويميت بقتل شخص والعفو عن آخر وهذا ردا على قول إبراهيم عليه السلام: “ربي الذي يحيي ويميت”. ومع أن قضية الإحياء والإماتة ليست بالسذاجة والأمر الهين الذي اعتقده النمرود  إلا أن إبراهيم عليه السلام انتقل من  قضية الإحياء والإماتة إلى قضية أخرى تتعلق بمظهر آخر من مظاهر القدرة الإلهية يراها النمرود رأي العين وفي الرؤية ما يدعم الحقيقة ويفحم الخصم، إذ سأله إبراهيم عليه السلام: “فإنّ الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب” فكانت الصدمة الكبيرة لأن النمرود ومن في الأرض جميعا ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا لا يمكنهم مهما أوتوا من العلم أن يحوِّلوا الشمس عن مسارها أو يتحكموا في شروقها وغروبها  كما قال تعالى: “والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم” (يس 38). هنا أفحم النمرود وبُهت، وهذا التعبير القرآني يدل على أن هذا السؤال قد أفقده البوصلة وجعله تائها شاردا أمام أتباعه لا يملك جوابا كما يقول القرآن الكريم: “فبُهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين” (البقرة 258). ما يجب أن نستخلصه من هذا المحاجّة هو أن المحاور يجب أن يختار من الردود على خصمه أحدَّها وأقواها والتي لا يملك معها إلا الإذعان والإقرار بالهزيمة أو الانسحاب والاستسلام.

وبمناسبة الحديث عن الحوار، ينبغي تذكير المشتغلين بهذا الفن بمسألتين اثنتين: المسألة الأولى وهي أن الإسلام دينٌ يقوم على محاورة الآخر وليس في هذا الحوار ما يضير الإسلام أو يتنافى مع أصوله ومقاصده، وهنا يجب التصدي للذين يريدون أن يجعلوا من الإسلام دينا منغلقا على نفسه وعلى أتباعه الذين يعدّون كل دعوة إلى الحوار مع الآخر شكلا من أشكال الخروج عن الإسلام أو الموالاة للكفار. إن هذا الفهم السقيم لا يقول به عاقل وعارف بمقاصد الإسلام، فالإسلام دين حواري بامتياز بل الحوار شكلٌ من أشكال تعزيز اليقينيات الكونية التي أخبر عنها القرآن الكريم، فالحوار أضحى حتمية لا محيص عنها في عصر كثُرت فيه الشبهات وكثر فيه الملبسون والمدلّسون الذين يحاولون تشكيك المسلمين في دينهم أو ردّهم عن دينهم إن استطاعوا.  والمسألة الثانية وهي أن الحوار له أهله وينبغي أن لا يقوم به إلا من اجتمعت له الشروط والمواصفات التي أشرت إليها في ثنايا هذا المقال وألا يسمح للجاهلين باقتحام هذا الميدان، ففاقدُ الشيء لا يعطيه.

للأسف، هذه الحالة منتشرة في الوقت الراهن، بل تكاد تكون ظاهرة مقلقة حينما نرى أشباه علماء ليس لهم من فقه الأديان شيء، وليس لهم فقهٌ بالنصوص القرآنية ولا بالنصوص الكتابية يتصدرون مجالس الحوار مع الآخر المتمكِّن دينيا ومعرفيا فيجهز عليهم وللوهلة الأولى ثم يتردد صدى ذلك في العالم كله وينظر إليه خصوم الإسلام على أنه ليس هزيمة للمحاور وحسب، بل هزيمة للدين والأمة اللتين ينتمي إليهما.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!