-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
1962. اليوم نفسه

الخامس من جويلية

لعلى بشطولة
  • 36
  • 0
الخامس من جويلية

في صباحٍ من صباحات جوان 1845، لم يكن هناك ما يُسمع.

كانت قبيلة كاملة — نساءً وأطفالا وشيوخا — قد اُحرقت وهي حيّة داخل كهفٍ بجبال الظهرة، لأنها لجأت إليه هربا من كتيبة فرنسية، فأشعل الجنود النار عند مدخله وأبقوها مشتعلة طوال الليل. هذا ليس مطلع رواية. هذا سطرٌ من سجل ضابط فرنسي، دوّنه بيده دون أن ترتجف.

اقرأ، وتمهّل. فما ستقرؤه ليس تاريخا يُروى، بل دَينا يُطالَب به.

كثيرٌ من الجزائريين، وأكثر منهم من العرب، يعرفون أن الجزائر احتُلَّت عام 1830 واستقلت عام 1962. لكن قِلّة تعرف أن هذين التاريخين يومٌ واحدٌ بعينه، بفارق مائة واثنين وثلاثين عاما لا أكثر ولا أقل. وقلةٌ أقل تعرف الثمن: مليونٌ ونصف مليون شهيد، مدنٌ مُحيت من الخريطة قبل أن تُمحى من الذاكرة، قبائل أُبيدت داخل كهوفها، أطفالٌ قُذفوا في نهرٍ بعيد لم يكن يعرف اسم الجزائر، وصحراء حُوّلت مختبرا للموت الذرّي.

فاسمع، يا ابن هذه الأمة، عربيا كنتَ أم جزائريا: هذه لم تكن حرب هزيمة. كانت مقاومة متصلة مائة واثنين وثلاثين عاما، لم تنطفئ جذوتها يوما، ولم يركع أهلها قط. وحين انتصرت أخيرا، اختارت — بمحض إرادتها، لا بمصادفة التقويم — أن تردّ الصفعة في اليوم ذاته الذي تلقّتها فيه، لتقول للتاريخ: ما أخذتَه في صباحٍ، سيُرَدُّ إليك في صباح.

الخامس من جويلية ليس عيدا. إنه دَينٌ. وهذا سجلّه، صباحا صباحا، من الأول إلى الأخير.

1830–1857: السقوط، وأول من ثار

في الخامس من جويلية 1830، سقطت مدينة الجزائر. وقّع الداي حسين استسلامه، ودخلت فرنسا أرضا زعمت أنها ستحكمها ألف عام، فلم تحكمها في الحقيقة سوى مائة واثنين وثلاثين. لكن المقاومة وُلدت في الأسبوع نفسه، ووُلدت في كل مكان دفعة واحدة، لأن الجزائر لم تكن يوما بلدا واحدا، بل فسيفساء من الأوطان المتحدة.

في الغرب، بمعسكر، رُفع على الأعناق شابٌّ من علماء الطريقة القادرية لم يتجاوز الرابعة والعشرين من عمره، وبُويع في نوفمبر 1832 “أميرا للمؤمنين”. فعل الأمير عبد القادر بن محيي الدين ما لم يفعله أحد قبله: أسّس، في خضم الحرب نفسها، دولة حقيقية بجيش وخزينة ومدارس وقانون يجمع المسلم والمسيحي واليهودي على قدم المساواة. طوال خمسة عشر عاما، أوقف زحف واحد من أقوى جيوش أوروبا. يُعدّ اليوم مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة، وبعد عقود، في دمشق، خاطر بحياته ليحمي آلاف المسيحيين من مجزرة طائفية.. دليلٌ حيّ على تلك “الحضارة” التي زعم مستعمروه أنهم يحملونها إليه، في حين لم يكونوا هم أنفسهم يمتلكونها.

في الظهرة، هبّ شابٌّ صوفي عُرف باسم “بومعزة” وأشعل وادي الشلف بأكمله عام 1845، وصمد عامين كاملين في وجه الحملات الفرنسية. وفي ظل هذه المقاومة نفسها، في جوان من ذلك العام، كشفت الحملة الاستعمارية عن وجهها الحقيقي؛ حاصرت كتيبة فرنسية قبيلة “أولاد رياح” بأكملها، نحو خمسمائة نسمة بأطفالهم ومواشيهم، داخل كهوف الظهرة طلبا للمأوى. أشعل الجنود النار عند مداخل الكهوف وأبقوها مشتعلة طوال الليل. عند الفجر لم يعد هناك ما يُسمع. أطلق الفرنسيون على هذا الفعل اسم “التدخين” (Enfumade)، العبارة التي يستخدمها الفلاح لتطهير جحر من الهوام. بعد أسابيع، أعاد ضابط آخر، سانت أرنو، الفعل نفسه مع قبيلة أخرى، ودوّنه في رسائله دون أن يتردد قلمه.

لم يكن هذا جنون رجل واحد؛ كان سياسة مكتوبة بالحبر الأسود. فقد سبق للمقدم لوسيان دي مونتانياك أن كتب لصديق له عام 1843 يشرح المنهج: قتل كل عربي تجاوز الخامسة عشر، وترحيل النساء والأطفال، حتى لا يبقى شيء لا يزحف تحت الأقدام الفرنسية كـ”الكلاب”. والجملة التي ينبغي أن تُقرأ بصوت عالٍ في كل كلية للفلسفة السياسية في العالم لا تنتمي إلى ضابط متوحش على الحدود، بل إلى أشهر عقل ليبرالي في القرن التاسع عشر بأكمله. فقد عاد أليكسيس دو توكفيل، منظّر الديمقراطية الغربية نفسه، من الجزائر عام 1841 ليكتب أن حرق المحاصيل وأسر النساء والأطفال العُزّل ليس سوى “ضرورة مؤسفة” لحرب خاضتها فرنسا عن سابق تصميم. كان صادقا في أمر واحد على الأقل: اعترف بأن فرنسا خاضت حربا أكثر همجية من “العرب” أنفسهم. احفظوا هذا المشهد، مشهد الكهوف، فسيعود في نهاية هذا السرد.

في زعاطشة، بواحة بسكرة، صمد الشيخ بوزيان في حصار دام خمسة أشهر عام 1849، كلّف الجيش الفرنسي ثمنا باهظا حتى إنه، عند سقوط المدينة، قطع رأسه وطاف به في الولاية عبرة لكل واحة تحلم بالمِثل. وقبالة مدينة كان الفرنسية، في جزيرة سانت مارغريت الصغيرة، حوّل التاج الفرنسي القلعة التي احتضنت يوما أسطورة “الرجل ذو القناع الحديدي” إلى سجن لنوع آخر من الأسرى: بين 1841 و1884، اعتُقل هناك أكثر من ثلاثة آلاف جزائري دون محاكمة، رهائن يُستخدمون ورقة ضغط ضد من ظلوا يقاتلون في أرض الجزائر. من بينهم خمسمائة فرد من عائلة الأمير عبد القادر نفسه.

ثم جاء دور لقواط — مدينتي. في شتاء 1852، ضرب الجنرال إيمي بيليسيي حصاره على المدينة، بينما كان أحد قادة الأمير، الناصر بن شهرة، الذي سيقاوم ثلاثا وثلاثين سنة متواصلة دون أن يلين —أطول مقاومة فردية في تاريخ الغزو بأكمله— قد أمضى ذلك الصيف يحصّن أطراف المدينة استعدادا لما هو آتٍ. في الرابع من ديسمبر، سقطت المدينة، وتحوّل الاقتحام فورا إلى أيام من المجزرة. من أصل أربعة إلى ستة آلاف نسمة داخل الأسوار، قُتل قرابة اثنين من كل ثلاثة، رجالا ونساءً وأطفالا، فيما يعدّه كثير من المؤرخين أحد أوائل استخدامات السلاح الكيميائي ضد سكان مدنيين في التاريخ الحديث. لا يزال أهل لقواط يسمّون تلك السنة “عام الخلاء”، وأيضا “عام الغرارة”، نِسبة إلى الرجال والصبية الذين خِيطوا أحياءً داخل أكياس الخيش وأُلقوا في الخنادق.

أمهاتٌ، حرصا على أرواح صغار أبنائهنّ، ألبسنهم ثياب الفتيات وثقبن إحدى آذانهم بحلقة واحدة، علامة لا يزال بعض صبيان لقواط يحملونها حتى اليوم دون أن يعرفوا أنها وُلدت من رعب أمّ. أما بيليسيي، ففي تقريره الرسمي، أثنى على مدفعيته لأنها “احتفلت بيوم القديسة باربارا بكرامة”. استخدم كلمة “الكرامة” لمدفعيته، في اليوم نفسه الذي أفرغ فيه مدينة بأكملها من أهلها. لم تكن تلك الكرامة كرامته يوما؛ كانت كرامة المدينة التي رفضت أن تركع. وأسمّي هذا هنا بلا مواربة، كما يسمّيه المؤرخون اليوم وكما يسمّيه شعبُنا: إبادة جماعية.

بعد خمس سنوات، في القبائل، كانت شابة رفضت زواجا قسريا تقود خمسة آلاف مقاتل. هزمت لالة فاطمة نسومر جيشا فرنسيا قوامه ثمانية آلاف جندي في معركة تازروك عام 1854، وصمدت في جرجرة حتى أسرها عام 1857. أطلق عليها الفرنسيون، بحثا عن مقارنة تليق بها، لقب “جان دارك جرجرة”. ماتت بعد ست سنوات، في زنزانتها، عن عمر لم يتجاوز الثالثة والثلاثين.

1864–1904: المنفى والمقاومة الطويلة

حين كانت المقاومة تفشل، كان الرد يأتي بالنفي عبر البحار، وهذا أيضا جزءٌ من الدَّين، وإن كانت الجزائر نفسها قد نسيته إلى حدٍّ كبير. بين 1864 و1921، رُحّل أكثر من ألفي جزائري، من بينهم من تبعوا الشيخ المقراني في ثورة القبائل الكبرى عام 1871، مقيّدين بالسلاسل إلى منفى كاليدونيا الجديدة، في رحلة استغرقت خمسة أشهر كان يُلقى فيها بالموتى في البحر دون أن يُحصوا. حُرم أصحاب الأحكام الأطول من العودة حتى بعد انتهاء مدة عقوبتهم؛ تُرك بين ثلاثة وخمسة آلاف طفل في الجزائر، أيتاما لآباء يقضون عقوبتهم على بُعد 22 ألف كيلومتر من الوطن. لا يزال أحفادهم، خمسة عشر ألفا اليوم، يعيشون هناك، ولم يبدأوا سوى الآن باستعادة تاريخ كانت عائلاتُهم تخفيه خجلا وحزنا.

وفي الجنوب الغربي، بعد جيل، بنى الشيخ بوعمامة في مغرار قلعة محصّنة بإثنتين وثلاثين برجا للمراقبة، وخاض من 1881 إلى 1904 واحدة من أعنف المقاومات في القرن التاسع عشر بأكمله. الوهراني، الظهرة، الزيبان، القبائل، الصحراء، الجنوب الغربي: لم تكن هناك منطقة واحدة في هذا الوطن لم يضطر الاستعمار لمحاربتها مرتين، ولا منطقة واحدة لم ترفضه، كل بلسانها وجبالها.

1945: سطيف وقالمة وخراطة

هدأت البنادق تدريجيا بعد بوعمامة، لكن الحرب لم تنته؛ تغيّر شكلها فقط. ما تلا الغزوَ لم يكن سلما، بل نزعا منظما للمِلكية أُقِرّ بموجب القانون: صودرت الأراضي، حُشرت القبائل، وكُتب عدم المساواة في “قانون الأهالي” الذي جعل من الجزائري رعية بلا مواطنة على أرض أجداده. يقدّر المؤرخون اليوم أن ما بين خمسمائة ألف ومليون جزائري قضوا خلال الغزو و”التهدئة” التي تلته، ويسمّي عدد متزايد من الباحثين هذا كله بما هو عليه فعلا: الإبادة الجماعية الجزائرية.

وكل جيل كان يُوعَد بأن فرنسا جاءت لتبقى ألف عام. وحين خرجت الحشود، في الثامن من ماي 1945 — يوم تحرر أوروبا نفسها من النازية — في سطيف وقالمة وخراطة، للمطالبة بالكرامة التي وُعدوا بها مقابل الدم الذي سفكه أبناؤهم ضد الفاشية ذاتها، جاء الرد مجزرة استمرت أسابيع وخلّفت آلاف القتلى. ذلك الشهر دفن آخر وهم بالإصلاح. مقاتلو نوفمبر سيكونون أبناء سطيف.

1954–1957: أول نوفمبر وحربٌ صارت قضية العالم

في الفاتح من نوفمبر 1954، قررت حفنة من الرجال أن الانتظار طال بما فيه الكفاية. ما أشعلوه كان أكبر حرب تحرير في قرنها، خاضها شعب أعزل ومحاصَر ضد واحد من أعظم جيوش الأرض. لا بد من ذكر الأسماء، لأن ذكرها يمنعها من الموت مرتين: مصطفى بن بولعيد، الذي كان يصنع أسلحته بيديه في الأوراس؛ ديدوش مراد، الذي سقط عن عمر ثمانية وعشرين عاما؛ العربي بن مهيدي، الذي عُذّب واغتيل، ولا يزال هدوؤه أمام جلاديه درسا لكل شعب أُهين على وجه الأرض؛ أحمد زبانة، أول من صعد المقصلة؛ زيغود يوسف؛ العقيد عميروش؛ عبان رمضان، مهندس مؤتمر الصومام الذي منح الثورة، في أوت 1956، هيكلها التنظيمي.

هذه الثورة لم تقاتل وحدها يوما، وكانت فرنسا تعلم ذلك جيدا، ولهذا ارتكبت، في الثاني والعشرين من أكتوبر 1956 عملية قرصنة صريحة ضد قادتها في الخارج. صعد خمسة من مؤسسي الثورة: أحمد بن بلة، محمد بوضياف، حسين آيت أحمد، محمد خيضر، مصطفى الأشرف على متن طائرة مدنية مغربية من الرباط متجهين إلى قمة في تونس، تحت رعاية سلطان المغرب والرئيس بورقيبة. أمرت المراقبة الجوية الفرنسية الطائرة بالتحوُّل إلى الجزائر العاصمة. اعتُقل الخمسة وسُجنوا في فرنسا حتى نهاية الحرب،اختُطفوا فعليا من المجال الجوي السيادي لدولة حليفة، في عملية أثارت فضيحة حتى داخل الحكومة الفرنسية نفسها.

لكن هذا العمل ارتدّ على صاحبه: أثبت للعالم ما كانت فرنسا تنكره؛ أن هذه القضية لم تعد جزائرية وحدها. دربت مصر مئات الكوادر الجزائرية ومنحت القضية أعلى صوت إذاعي في العالم العربي عبر “صوت العرب”. قدمت تونس والمغرب، المستقلتان حديثا آنذاك، ملاذا لجيش التحرير الوطني بثمن حقيقي. موّلت العراق والكويت والسعودية أكثر من نصف التكلفة المادية للحرب بحلول 1959. في سبتمبر 1958، أُعلنت الحكومة الجزائرية المؤقتة في القاهرة وتونس والرباط في وقت واحد، واعترفت بها في اليوم نفسه العراق وليبيا والمغرب وتونس، ثم الصين الشيوعية خلال أسابيع، ثم الاتحاد السوفيتي في أكتوبر 1960، الذي أرسل سفن مستشفيات لعلاج جرحى حرب الحدود المقبلة. منذ مؤتمر باندونغ عام 1955، جلست الجزائر — قبل أن تصبح دولة حتى — بين أمم العالم المتحرر من الاستعمار كنِدٍّ، أول منبر عجزت فرنسا عن إسكاته. حتى واشنطن، خشية دفع الجزائر نحو موسكو، امتنعت لأول مرة عن دعم فرنسا كاملا في الأمم المتحدة. حرب خاضها شعب فقير أعزل جعلتها مستحيلة التجاهل أمام العالم بأسره.

داخل الجزائر، وصلت الحرب إلى العاصمة نفسها. خلال 1956 و1957، خاض المظليون الفرنسيون وشبكات جيش التحرير الوطني الحضرية معركة الجزائر، شارعا شارعا وقبوا قبوا، عبر القصبة. هناك، مدفونين أحياء تحت الأنقاض بدل الاستسلام، سقط علي لابوانت، والصغير عمر، وحسيبة بن بوعلي، عن عشرين عاما، التي اختارت أن تموت واقفة.

1957–1960: السياج والنار والصحراء

منذ 1957، أغلقت فرنسا حدود الجزائر خلف خطي موريس وشال، أربعمائة وستون كيلومترا مكهربا نحو تونس بقوة خمسة آلاف فولط، وسبعمائة أخرى نحو المغرب، محاطة من الجانبين بحقول ألغام عمقها خمسة وأربعون مترا. بين جانفي وماي 1958، حاول جيش التحرير الوطني اختراق هذا السياج فيما عُرف بمعركة الحدود؛ سقط فيها آلاف من مقاتليه على الأسلاك في غضون أسابيع قليلة. في الثامن من فيفري 1958، أثناء ملاحقة وحدة عبرت الحدود التونسية، قصفت الطائرات الفرنسية بلدة ساقية سيدي يوسف في يوم سوقها الأسبوعي، مصيبةً مدرسة في الطريق: أكثر من مائتي قتيل، أحد عشر منهم أطفال، قرية لم تكن حتى جزائرية، عوقبت على حرب رفضت الجزائر أن تخسرها.

داخل السياج، كان سلاح آخر يقوم بعمله الصامت. سقط النابالم على الغابات التي احتمى بها المجاهدون، وعلى القرى الواقعة تحتها، بينما كانت باريس تنكر رسميا استخدامه في الجزائر طوال الحرب. في غابة بومهني، بمنطقة القبائل، في أوت 1960، أُصيب مجاهد يُدعى صالح أوزرورو بحروق النابالم إلى جانب رفيقين له؛ ظل شهرا كاملا عاجزا عن خفض ذراعيه المحترقتين دون ألم لا يُطاق. في ديسمبر 1957، دُمّرت قرية آيت وعبان بالكامل وطُرد سكانها تحت القصف.

وتعلمت أرياف الجزائر أن تخشى شكلا محددا في السماء أكثر من أي شيء آخر: طائرة صغيرة غير مسلحة، مطلية بلون أصفر فاقع، تحوم قرب سفوح الجبال لترصد الهدف الذي ستقصفه القاذفات بعد قليل. تذكّر أحد مقاتلي جيش التحرير أن هذه الطائرات كانت “تقفز من قمة إلى أخرى كالجراد”. أينما حامت “الطائرة الصفراء”، لم تتأخر النار في السقوط، وتعلّم جيلٌ كامل من أبناء الأرياف الجزائرية أن يقرأ ذلك السماء كما يقرأ آخرون الغيوم إنذارا بالمطر، إلا أن هذا السماء لم يكن يَعِد إلا بالحريق.

بلغت الحرب حتى أقصى جنوب الجزائر. في سبتمبر 1960، قرب الغيشة، اشتبك المجاهدون مع العدو فيما يُعرف اليوم بمعركة الشوابير الكبرى: أكثر من ثلاثمائة وألف (1300) جندي معادٍ قُتلوا، وخمسة وعشرون جزائريا، أحد عشر منهم مدنيون عُزّل، سقطوا شهداء، معركة قلّ من سمع باسمها خارج منطقتي، وهي تستحق أن تُذكر.

في العام نفسه، في عمق الصحراء، سقطت نار من نوع آخر، لا من طائرة هذه المرة، بل من السماء ذاتها. في الثالث عشر من فيفري 1960، في خضمّ الحرب نفسها، فجّرت فرنسا أول قنبلة نووية في تاريخها كله، وأطلقت عليها اسما غريبا يكاد يكون سخرية: “اليربوع الأزرق”، تيمّنا بحيوان صحراوي صغير أليف.. كأن تسمية قنبلة بحجم ثلاثة أضعاف قنبلة ناغازاكي باسم قارض وديع كانت وحدها إهانة إضافية لصحراء زعمت القيادة الفرنسية أنها خالية، بينما كان آلاف الأشخاص يعيشون في نطاق الانفجار. تلتها ثلاث تجارب جوية أخرى خلال عام واحد، ثم ثلاث عشرة تجربة تحت الأرض حتى 1966، أربع سنوات بعد الاستقلال، بموجب بند في اتفاقيات إيفيان سمح لفرنسا بمواصلة تجاربها على الأرض الجزائرية حتى بعد أن أصبحت الجزائر حرة. تتبّع العلماء آثار الإشعاع حتى السنغال والسودان وليبيا. لم تقدِّم فرنسا تعويضا، ولو جزئيا، إلا عام 2009.

1961–1962: نهر السين والتشنج الأخير

لم تقع كل مجازر هذه الحرب على أرض الجزائر. بعضها وقع في عاصمة المستعمِر نفسه، أمام أعين مواطنيه، وأُنكِر لعقود.

في السابع عشر من أكتوبر 1961، خرج بين عشرين وثلاثين ألف جزائري مقيم بباريس في مسيرة سلمية احتجاجا على حظر تجول لم يُفرض إلا عليهم وحدهم. بأمر من محافظ الشرطة موريس بابون، واجههم سبعة آلاف شرطي بعنف لم تشهد له أوروبا ما بعد الحرب العالمية مثيلًا. ضُرب متظاهرون حتى الموت قبل أن يصلوا حتى إلى مركز شرطة؛ وعلى جسور نهر السين، كان الشرطة يدفعون المتظاهرين نحو الحاجز ويلقون بهم في النهر، بعضهم كان قد فارق الحياة بالفعل، وبعضهم مقيّد اليدين، وبعضهم فاقد الوعي فقط من شدة الضرب. لأيام تالية، طفت جثث على سطح النهر باتجاه المصبّ.

الحصيلة الرسمية المعترف بها آنذاك كانت ثلاثة قتلى. يقدِّر المؤرخون اليوم العدد الحقيقي، غير المحسوم وربما إلى الأبد، بين مئتين وثلاثمائة قتيل. لم تعترف الدولة الفرنسية بأربعين قتيلا إلا عام 1998، ولم يصف رئيسٌ فرنسي هذه الأحداث بـ”جرائم لا تُغتفر بحق الجمهورية” إلا عام 2021. لم يكن نهر السين يجري في الجزائر. لكنه حمل موتى الجزائر رغم ذلك.

سيكون ظلما، في هذا السرد، أن نبكي موتانا وحدهم. فقد كان للجزائر أصدقاء: رجال ونساء وُلدوا في صف المستعمِر، فمالوا بمحض قناعتهم إلى صف العدالة، ودفعوا الثمن أرواحهم. فرنان إيفتون، الذي أُعدم بالمقصلة عام 1957 رغم أنه لم يقتل أحدا. هنري ماي، الذي فرّ من صفوف الجيش الفرنسي ليحمل السلاح إلى الثورة. “حاملو الحقائب”، وإلى جانبهم مناضلو فيدرالية جبهة التحرير الوطني بفرنسا، جزائريو المهجر الذين حملوا الثورة إلى قلب العاصمة الفرنسية نفسها.. وكان والدي واحدا منهم، رجلا مجهولا بين آلاف، كانت كل خطوة سرية له تقرّب صباح الخامس من جويلية قليلا. موريس أودان، الرياضياتي الشاب الذي عُذّب حتى الموت عام 1957، حقيقة استغرقت فرنسا واحدا وستين عاما للاعتراف بها. وفرانز فانون، الذي منح الثورة، في كتابه “معذبو الأرض”، صوت كل الشعوب المستعمَرة على وجه الأرض، ويرقد، كما أراد، في تراب الجزائر.

لكن لم يختر كل مستوطن هذا الطريق. في الأشهر الأخيرة من الحرب، انخرطت “منظمة الجيش السري” (OAS)، المُصرّة على أن تبقى الجزائر فرنسية مهما كان الثمن، في حملة هدفها جعل الاستقلال أمرا لا يمكن العيش معه. بين 1961 و1962، قتلت هذه المنظمة نحو ألفي شخص، أغلبهم مدنيون جزائريون: سيارة مفخخة في وهران، في الثامن والعشرين من فيفري 1962، قتلت خمسة وعشرين شخصا؛ وأخرى في الجزائر العاصمة، في الثاني من ماي، قتلت اثنين وستين. في السابع من جوان، قبل أيام من الاستقلال، أحرقت مفارزها مكتبة جامعة الجزائر.. ستون ألف كتاب تحوّلت إلى رماد، وكأنّ شعبا على أعتاب الحرية ينبغي أن لا يُترك له حتى كتبه.

الخامس من جويلية 1962: تنغلق الدائرة

ثمة تواريخ تتقابل عبر الزمن كمرآتين. في الخامس من جويلية 1830، سقطت الجزائر العاصمة. وفي الخامس من جويلية 1962 —اليوم نفسه، بفارق السنوات وحدها— نهضت الجزائر العاصمة من جديد. لم يكن هذا التطابق صدفة: شعبٌ استعاد سيادته اختار التاريخ ذاته لهزيمته ليجعله تاريخ بعثه. ما أخذته المدفعية في صباح من صباحات جويلية، ردّه الدم في صباح آخر من صباحات جويلية.

الشعوب لا تختار دائما تاريخ هزيمتها. الأمم العظيمة هي التي تختار تاريخ ميلادها من جديد.

1992: الدَّين الذي لم يسقط

حمل رجلٌ واحد، بعد الاستقلال، عهد نوفمبر. محمد بوضياف —أحد الستة الذين أشعلوا فتيل الثورة عام 1954، وأحد الخمسة الذين اختُطفوا من تلك الطائرة المغربية عام 1956— قضى قرابة ثلاثين عاما في المنفى والصمت بعد الاستقلال. في 1992، استُدعي لإنقاذ أمة كانت تضل طريقها، فعاد شيخا نزيها لا تشوبه شائبة، حاملا عهد شبابه سليما كما كان. اغتيل على منصة عامة، على الهواء مباشرة، فوق الأرض ذاتها التي ساهم في تحريرها، على يد الفساد الذي عاد ليحاربه. الأمم لا تموت بفعل أعدائها؛ إنها تموت حين تنسى شهداءها.

كان مالك بن نبي يعلّم أن الاستعمار لا يقدر على شيء دون “القابلية للاستعمار” ذلك الاستعداد الداخلي لدى الشعوب المستعدّة للرضوخ. كان الخامس من جويلية الرد على تلك اللعنة: شعبٌ وصفه العالم بالاستسلام، استعاد أولى الحريات جميعا، حرية أن يقول “لا”. هذا هو الإرث، ليس نصبا تذكاريا، بل مطلبا حيا. لا يُسدَّد بالخطب. يُسدَّد بالعدل، وبالعمل، وبرفض ذلك الانقسام الذي لا يسفك قطرة دم واحدة، لكنه يبدد ما اشتراه الدم.

والآن، يا من بلغت هذا السطر، عد معي إلى كهوف الظهرة التي بدأنا منها هذا السرد.

لأكثر من قرن، حفظت تلك الكهوف صمتها: لا قبر يُزار، ولا اسمٌ يُذكر، ولا سطر في سجلّ. بقيت شوارع لقواط خاوية كما تركها القتلة. لا تزال جزرٌ في أقصى الأرض تخفي رفات منفيين لم تحضنهم أرضهم من جديد. لا يزال نهر السين يجري، باردا، فوق الجسور التي أُلقي منها شبابٌ لم يحملوا يومها سوى لافتة. ولا تزال صحراء رقان تتوهّج، خفيّا، بما دُفن في رمالها ولم يُدفن معه الألم.

قرنٌ ونصف من الإمبراطورية راهن على يقينٍ واحد لا غير: أن هذا الصمت سيُقال له إنه الكلمة الأخيرة.

فكذّبه الخامس من جويلية 1962.

في ذلك الصباح، لم يرفع شعبٌ إكليلا من الزهور. رفع صوته. صوته هو، لا صوت أحد سواه، حرّا بعد طول أسر، صاعدا من كل جبلٍ حمل شهيدا، ومن كل صحراءَ احتضنت مدينة أُبيدت، ومن كل كهفٍ ابتلع قبيلة، ومن كل سياجٍ شرب دما، ومن كل غابةٍ أكلتها النار، ومن كل جزيرةٍ نائية أنبتت قبورا بلا أسماء، ومن نهرٍ بعيد لم يكن يعرف اسم الجزائر فتعلّمه غرقا.

يا أبناء الجزائر، ويا كل عربي بلغته هذه السطور: هذا هو الثمن. هذا وحده، لا أكثر. لم نُبالغ في سطر واحد من هذا السرد، ولم نحتج يوما إلى ذلك، لأن الحقيقة، حين تُروى كاملة دون نقصان، أثقل على القلب من كل مبالغة يمكن أن تُضاف إليها.

الخامس من جويلية ليس عيدا. إنه دَينٌ. فلنسدّده، لا بإكليل، بل بجزائرَ تستحق كل قطرة من ذلك الدم.

المجد لشهدائنا، من كل ربوع هذا الوطن، من الشمال إلى الصحراء، ومن الشرق إلى الغرب. المجد للمنفيين الذين ماتوا بعيدا ولم يبكِ عليهم أحد. المجد لأصدقاء الجزائر، ولكل أمةٍ وقفت إلى جانبها يوم كان العالم كله يتفرّج صامتا. وتحيا الجزائر حرة أبدا لكي لا يذهب دمهم هباءً.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!