-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الكيان وتحوُّل الميزان

عمار يزلي
  • 36
  • 0
الكيان وتحوُّل الميزان

حتى قبل سنة من اليوم، لم يكن هذا قابلا للتصوُّر ولا ممكنا نظريا وعمليا: نشطاء بالولايات المتحدة يبثون صور حرق علم الكيان الصهيوني بمناسبة ذكرى استقلال الولايات المتحدة الـ250، ويطالبون باستقلال الولايات المتحدة هذه المرة عن الكيان. شيءٌ ما كان ليصدِّقه عقل عاقل قبل سنة على الأكثر، والسبب هو انهيار سمعة الكيان عالميا، وبداية شعور الأمريكان، بكل أطيافهم: عرب ومسلمون وأفارقة وبيض من شباب وشيوخ وكهول، يفقؤون الدُّمل في عيد استقلال البلد منددين بسياسة الكيان في الشرق الأوسط والمتسبب في حرب إيران وتوريط الولايات المتحدة فيها “لحاجة في نفس بنيامين”.

الصور، وإن كانت رمزية، إلا أنها تعكس العد العكسي لانهيار صورة الكيان وتحطيم جدار الخوف والهيمنة التي ظلت تمارسها القوى الضاغطة في أمريكا والداعمة بلا شروط ولا حدود سياسة الكيان في الشرق الأوسط، واحتلالها وابتلاعها لمزيد من الأراضي الفلسطينية ولتدمير وإبادة غزة وشعبها الأعزل، ودخولها في حرب معلنة، دينية، وعرقية عنصرية ضد كل جيران القرب والبُعد. أكثر من ذلك، صار الكيان اليوم مكشوفا وبلا أدنى ورقة توت، أمام العالم ومنه عالم أمريكا الداخلي.

الاستطلاعات تشير وبشكل دوري ومتكرر، إلى تصاعد موجة العداء ضد سياسة الكيان بداية من حرب غزة والإبادة التي ألحقها بشعب محاصَر أصلا، وتوريط الولايات المتحدة فيها، وتحميل الأمريكان صعوبات لا حصر لها أساسها غلاء المعيشة وارتفاع سعر النفط. كما أنهم لامسوا عن قرب تأثير ممارسة الكيان لابتزاز أمريكا وجامعي ضرائبها من أجل حرب لا نهاية لها، حرب أضغاث أحلام نتنياهو وحكومة نازية إجرامية مطلوبة للعدالة الدولية.الأقربيال

هو تحوُّلٌ كبير لدى الجيل الجديد، أو جيل “زاد”، الجيل الأخير، الذي لم يعد يبلع طعم صيادي الشبكات الإعلامية الضخمة التي أسسها آل روتشيلد لدعم الكيان منذ النشأة الأولى إلى غاية النشأة الآخرة، وتمرَّدوا على خطابها الداعم للكيان وبلا حدود وبلا أسقف، بأن تحوَّلوا إلى خطاب المنصات والقنوات الافتراضية على كثرتها وتأثرها هي الأخرى بمال وضغوط وقواعد شركات “السيليكون فالي”، إلا أنه مع ذلك، لم تعد وسائل الإعلام التقليدية الضخمة هي المسيطرة. أكثر من نصف الشباب اليوم في الولايات المتحدة لا يصدِّقون السردية الأمريكية المتناغمة أصلا مع سردية الكيان بشأن حرب غزة ولبنان وإيران، ويرون فيها خير دليل على الانحياز الأعمى للكيان مهما حصل للولايات المتحدة. لهذا، فمطالبة الرافضين اليوم، وجزء كبير من هذه القاعدة الشعبية الشبابية المتنامية، هو متغيِّرٌ كبير في مسار التغير الذي ستعرفه الولايات المتحدة ومعها العالم كله بمن فيهم العالم الأوروبي الأقل تأثرا والأكثر استقلالية من السياسي الأمريكي في الدعم غير المتناهي للكيان، لاسيما في عدوانه الأخيرة في غزة ولبنان وإيران. تحوُّلٌ كبير، يصدر من صميم الداخل الأمريكي كما هي الحال في كل التحولات الكبرى التي شهدتها الحضارات والإمبراطوريات السابقة التي حكمت العالم القديم والحديث، من الحضارات الشرقية من الصين إلى إمبراطوريات وسط آسيا، وما بين النهرين، إلى حضارات الغرب الإغريقية ثم الرومانية، وانتهاء بمحاولات التمدُّد الصليبي ثم ترهُّل المد العثماني وبروز الغرب المتحد تحت راية الكنيسة من جديد، من أجل إنهاء التمدد الإسلامي في أوروبا والعالم.

اليوم، وبعد اليوم، لن يكون الواقع الجديد والمتجدد باستمرار هو نفسه كما كان قبل الأمس، فالحضارات، لم تسقط في يوم واحد بل على امتداد سنوات طويلة: تبدأ بالانكماش والضعف، لتصل إلى حالة المرض، ثم الانهيار ثم الموت، لتحلَّ محلها قوى جديدة أخرى.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!