-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

عودة إلى المربع الأول ½

التهامي مجوري
  • 127
  • 0
عودة إلى المربع الأول ½

ما فهمتُه من البيان الهام الذي أعلن عنه الأخ الدكتور علي حليتيم، بمقاله الطويل المنشور على جدار صفحته في الفايسبوك، لما فيه من “روعة” نجاح الإسلاميين عندما يتمسكون بإسلامهم الأصيل، بعيدا عن المذهبية المفرِّقة المتعلقة بأهداب الدين لا بأصوله الناظمة للحياة، وعن تعلقهم بإسلامهم الذي نزل بلا مذاهب، كما يقرر الدكتور مصطفى الشكعة رحمه الله في كتابه: “إسلام بلا مذاهب”، وعن “ضبابية” وفاء الحداثيين لمنظومتهم الوضعية الفكرية والمعرفية، وتعلقهم بها، التي لا تعترف بدين، ولا بدُنيا لها علاقة بالدين…، وكأني بالأخ علي قد أعادنا إلى المربع الأول الذي انطلقت منه الأمة قبل أكثر من قرنين من الزمان، بحثا عن سبل الخروج من الهم الذي نحن فيه، تلمسا للمناهج والوسائل والغايات، وتفتيشا عن طرق العيش الكريم والمآل العزيز، فيما أثير يومها من الجدل، وكان بين عصب العلمانيين والمحافظين، وبين القوميين والإسلاميين، وغيرهم من المذاهب الفكرية والأدبية، خلال هذا الكم الهائل من السنين.

والمربع الأول هذا -لشبابنا اليوم خاصة- كان قبل أكثر من قرنين، عندما فرض التاريخ على الأمة خوض معترك “سؤال النهضة”، في ظل حركة استعمارية واسعة النطاق، وضعف وتآكل وتمزق داخلي، يعترف به الجميع، بمن في ذلك قيادات الأمة السياسية والعلمية والاجتماعية، عندما دُقَّ ناقوس الخطر يومها، تحذيرا من المخاطر التي تهدد الأمة، على يد الكثير من دعاتها ومفكريها ومصلحيها، أمثال جمال الدين الأفغاني، وعبد الرحمن الكواكبي، وخير الدين التونسي، ومحمد عبده… ولكن بحكم أن الضعف هو سيد الموقف، فإن ما أسفرت عنه تلك النداءات، أن الحكم الأول والأخير لواقع الأمة المهزوز، لم تنتج فيه تلك التحذيرات إلا مجرد شعور بالمصيبة التي وقعت فيها الأمة، وهي مطالَبة بتجاوزها مهما كانت الظروف، فانطلق الناس بتوجهين اثنين، مع اتفاق مسبق غير مصرح به فيما بينهم: أننا في أزمة، ولا بد من الخروج منها.

أحدهما قال: للخروج من المأزق الذي نحن فيه، لا بد من مسايرة الغرب وتتبُّعه فيما اهتدى إليه من سبل النهضة؛ لأنه خاض تجربة مهمة، وأفضل طريق للنهوض هو الانطلاق منها، باعتبارها تجربة أثبتت الأيام جدارتها.

والآخر قال: ينبغي أن لا نقلّد غيرنا في شأن خاص بنا؛ لأن الخصوصيات الثقافية والحضارية تمنعنا من الذوبان في تجارب غيرنا، ولذلك لا بد من الانطلاق من رصيدنا وتراثنا وخبرتنا التاريخية… فكانت الاجتهادات من الطرفين تشتغل على القضايا التي قدَّرت أنها هي الكبرى، وهي قضية الاستقلال الوطني عن الاستعمار، واهتمام أقل بالجانب الثقافي المعرفي، بحكم هيمنة الواقع الاستعماري على الحياة، الذي لا يسمح بالاستقلال الثقافي والاجتماعي عن المؤسسات التي تحكمه، والتي كانت غربية بطبيعة الحال.

ثم، خلال الممارسة داخل كل من الفريقين، كانت اجتهادات أخرى؛ فالمقلدون للغرب اختلفوا في التوجه: أيكون لليسار أم لليمين؟ ولكل طروحاته، ونتجت عن ذلك توجهاتٌ ليبرالية ويسارية وشيوعية في عالمنا العربي والإسلامي.

أما الرافضون لتقليد الغرب، فانقسموا هم أيضا إلى فرق؛ فمنهم من قال إن عملية التطوير والنهضة والإصلاح تبدأ من الإصلاح السياسي، ومرجع هؤلاء طروحات جمال الدين الأفغاني والكواكبي، وهي أن المجتمعات لا يمكن أن تتطور في ظل الاستعمار والاستبداد، وآخرون رأوا ألا يتحقق ذلك إلا عبر التربية والتثقيف والبناء الفكري، وانبثق عن هذه التوجهات ما لا نهاية له من الفروع، التي فرَّخت هي الأخرى قناعات مجهرية، بسبب ما بين هذه الفرق كلها من تنافر، أو كانت بينهم لقاءات، ولكنها قليلة جدا.

ولكن المفاجئ أن هذين التيارين الرئيسيين تولَّد عنهما نافذتان قويتان لهما امتداداتهما في الواقع، يمكن اختزالهما في مبدأين اثنين هما: “الفكرة القاتلة” و”الفكرة الميتة”، كما يقول مالك بن نبي. أما الفكرة القاتلة فهي الفكرة المستورَدة من خارج محيطنا الحضاري، وهي كالشجرة التي تُقتلع من أرضها وتُنقل إلى أرض أخرى، قد لا تساعدها التربة والمناخ والماء، فتموت بعد حين.

وأما الفكرة الميتة، ففكرة مستنسَخة من التاريخ، ويتوهم أهلها أنها صالحة لزماننا، لكونها كانت صالحة في زمن سابق، فتُفرض على الناس فرضا، بصيغة معينة من الصيغ الثقافية والاجتماعية، فتكون فتنة للذين آمنوا والذين لم يؤمنوا على حد سواء.

ولكن ما أثار انتباهي في مقال الأخ سي علي حليتيم، ذكره للقفزات النوعية التي قفزها إسلاميو سوريا وتركيا، في مجالات الممارسة السياسية وعالم التنمية والاهتمام بالتكنولوجيا والتقنيات الحديثة، كآلية من آليات النهضة والبناء المجتمعي، وهي لفتةٌ جديرة بالاهتمام، وبالوقوف عندها كمكسب يقتضي التثمين والتفاعل معه بما يجب على الأمة.

وهنا أجدني مضطرا إلى اجترار التاريخ، ومكاسب الأمة خلال ذينك القرنين، واسترجاع الفتوحات الإلهية المعتبرة على الأمة: السياسية والثقافية والاجتماعية، التي تحققت في حراك الأمة الكبير في هذه السنوات الطوال.

ومثلما نثمّن اليوم ما تقوم به تركيا وسوريا، وقامت به ماليزيا وإيران من قبل، فقد ثمنّا الكثير من الأعمال التي قامت بها الأمة؛ لقد ثمنّا ما أحدثته الثورة الإيرانية سنة 1979 في العالم الإسلامي من اهتزازات، إذ استرجعت الأمة “المجتمع الإيراني” إلى وسطه الإسلامي الطبيعي، كما ثمنّا مكاسب الحركة الإسلامية التي قارعت الاستعمار الغربي في أفغانستان، حيث كانت التعبئة شاملة، والاستجابة الشعبية عريضة، دفاعا عن شبر من أرض الأمة قد استُعمِر، وتحررت أفغانستان من الروس، كما تحررت إيران من الهيمنة الأمريكية عليها بالذات، كما لا يمكن نسيان ما حققته الحركة الإسلامية في العالم بخطابها الإسلامي، ببساطة جماعة التبليغ، وعفوية التيار السلفي، وتضحيات الإخوان، وتنوير التيار الحضاري… إلخ.

ومن المكاسب أيضا ما حقَّقته الحركة الوطنية في هذه الربوع، فلا أظن أحدا في العالم يجهل قيمة الثورة الجزائرية وانعكاساتها على الكثير من شعوب العالم، في إطار حركات التحرر التي ساهمت في وضع حدٍّ لحركة الاستعمار، وثورة العشرين في العراق، وثورة 1952 في مصر… كما لا يمكن نسيان ما قام به رجالات الحركة الإسلامية، من الذين هاجروا إلى الغرب هروبا من بطش الطواغيت في عالمنا العربي والإسلامي، أمثال: اللبناني شكيب أرسلان، والمصري سعيد رمضان (أبو طارق)، والجزائريين: الفضيل الورتلاني ومحمود بوزوزو، والسوري عصام العطار… وغير هؤلاء كثيرٌ من الذين أسسوا للعمل الإسلامي في الغرب، بمعونة آخرين في أمريكا وكندا وأستراليا، وإلى جانب كل ذلك الحركة الفكرية العلمية التي قادها رجال فكر ومعرفة، أمثال محمد عبد الله دراز، ومالك بن نبي، وإسماعيل راجي الفاروقي، وعلي عزت بيغوفيتش… وغيرهم كثير أيضا، وساهمت فيها أيضا بعض المؤسسات العلمية التي تشرف عليها الأنظمة الرسمية في العالم الإسلامي، مثل الجامع الأزهر، وكلية الشريعة بجامعة دمشق، والجامعة الإسلامية في المدينة المنورة… أما التنظيمات الإسلامية، فلكلٍّ فضلها الكبير في ترسيخ معاني الإسلام في نفوس الناس، ابتداء من التصفية والتربية، و”الإسلام هو الحل”، إلى ترغيب الناس في شعيرة الصلاة، وإقامة المساجد والمراكز الإسلامية في الغرب والشرق، كلها تيارات تصبُّ في مصب واحد.

لا شك في أن لكل واحد منا رأيًا في تفاصيل ما ذكرت، ولكن التركيز على المنعرجات الكبرى يقف عند الكليات والمكاسب المحصَّلة، التي يرجع فيها الفضل إلى من قام بهذه الجزئية أو تلك.

في سنة 2001 كتبتُ كتابا بعنوان “السنة النبوية نصا ومنهجا”، عرضت فيه لمفهوم السنة، في تقديري، وهو المنهج لا المسائل الجزئية؛ لأن المسائل الجزئية مقصودة بالتبع لا بالأصل، فالذي يحافظ على المنهج يحافظ بالضرورة على الجزء، بينما من يهمل المنهج، فسوف يكون سببا في ضياع السنة ومقاصدها، وضياع صاحب الشأن نفسه. وبعد خمسة وعشرين سنة، التقيت شابا في الجنوب، وذكر لي الكتاب، وكيف كان له الفضل في إخراجه من مأزق عاش فيه لسنوات.

المفاجئ أن هذين التيارين الرئيسيين تولَّد عنهما نافذتان قويتان لهما امتداداتهما في الواقع، يمكن اختزالهما في مبدأين اثنين هما: “الفكرة القاتلة” و”الفكرة الميتة”، كما يقول مالك بن نبي. أما الفكرة القاتلة فهي الفكرة المستورَدة من خارج محيطنا الحضاري، وهي كالشجرة التي تُقتلع من أرضها وتُنقل إلى أرض أخرى، قد لا تساعدها التربة والمناخ والماء، فتموت بعد حين.

وأما الفكرة الميتة، ففكرة مستنسَخة من التاريخ، ويتوهم أهلها أنها صالحة لزماننا، لكونها كانت صالحة في زمن سابق، فتُفرض على الناس فرضا، بصيغة معينة من الصيغ الثقافية والاجتماعية، فتكون فتنة للذين آمنوا والذين لم يؤمنوا على حد سواء.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!