الرأي

كيف ننقذ جيلا لم يُمنح فرصة السؤال؟

لماذا ينساق بعض الشباب نحو ما يُسمّى “التطرف”؟ ولماذا يختارون في النقاشات طريق التوتر والحدة، كأنّ الحوار ساحة مواجهة وليست مساحة إنسانية للبحث عن احتمال صغير بأن الحقيقة تتّسع للجميع؟ إنّ هذه الأسئلة التي تتكرر في كل مجلس ومناسبة، ليست أسئلة بسيطة كما تبدو، وإنما أسئلة تتقاطع فيها التربية والذاكرة الجمعية وبنية المجتمع ورأسماله الرمزي، بما يشبه ما تحدّث عنه بيار بورديو حين شرح كيف أنّ الأفراد يعتقدون أنّ ما يحملونه من أفكار هو نتاج قناعتهم، بينما هي غالبا نتاج البنية التي أنتجتهم.

إنّ الشاب المتطرِّف فكريًّا يشبه ذلك الفتى الذي ورث مهنة والده في الفلاحة، فوجد نفسه يعمل في الأرض من دون أن يُمنح يوما فرصة التفكير في أنّ الحياة تمتدُّ خارج الحقل، وأن العالم لا يُرى عبر تراب الأرض فقط. إنه يشبه وصف إميل دوركايم للتنشئة باعتبارها عملية تشكيل لا يساهم فيها الفرد إلا قليلا، فيصبح ما تعلمه قيدا من ذهب يمنعه من اكتشاف مساحات أخرى من ذاته. هذا الفتى يظن أن الفلاحة أفضل المهن وأنها أكثرها نبلا، ليس لأنها كذلك موضوعيًّا، وإنما لأنه لم يتذوق طعم مهنة أخرى ولم يعبر مسافة الاختيار الحر الذي يجعل الفرد يمتلك تجربته.

ولو أتيح له أن يجرّب التجارة أو الصناعة أو الوظائف الحديثة التي تمنح الإنسان حسّ الحرية وإمكانية التغيير، ربما اكتشف أنّ الفلاحة ليست قدرا، وأنّ المهنة ليست امتدادا طبيعيا للنَّسَب. وهكذا فإنّ شباب التطرُّف لو أتيح لهم عبور حدود الموروث الفكري الضيق، فربما فهموا أنّ الأفكار ليست أملاكا شخصية، وأن الحقيقة لا تُورَّث، وأنّ العقل لا ينمو إلا حين يتعرض لاختبار الشكّ الذي مدحه ديكارت، ولا يستقيم إلا حين يواجه المرآة التأويلية التي تحدّث عنها بول ريكور، تلك المرآة التي تجعل الإنسان يتساءل: هل هذه الفكرة التي أدافع عنها من اختياري، أم أنها دخلت ذهني من دون استئذان؟.

إنّ هؤلاء الشباب يعيشون حالة تشبه “السجن الرمزي” الذي تحدّث عنه فلاسفة مدرسة فرانكفورت، إذ يصبح الفرد أسيرا لأفكار ورثها من بيئته، ويظن أنها الحق المطلق لأنها جاءت من أشخاص يحبُّهم أو يثق بهم. لقد تلقوا في طفولتهم أدبيات جاهزة، وحملوا في شبابهم يقينات مغلقة، وتعلموا منذ الصغر أن العالم ينقسم إلى حق وباطل، وأنّهم في جانب الحق دائما، وأن المختلِف عنهم يقف في الضفة الأخرى من الإنسانية. وهكذا يصبح التطرف امتدادا طبيعيا لتلك البذور الصغيرة التي زُرعت مبكرا في العقول من دون فحص أو مراجعة.

والخطأ هنا مزدوج؛ خطأ أول يرتكبه الشاب حين يكبر فلا يعود ليناقش نفسه، فلا يختبر قناعاته اختبارا حقيقيا، كأنه يخشى أن ينهار العالم إن اكتشف أن الفكرة التي عاش معها طويلا ليست قوية كما يظن. إنهم لم يقرأوا للآخر، ولم يختبروا مخالفة الذات، ولم يمارسوا سلوك البحث كما دعا إليه القرآن حين وجّه الإنسان إلى النظر في الكتاب المسطور والكتاب المنظور، ولم يتعرّضوا لما يسميه كارل بوبر “قابلية الدحض” التي تجعل الفكرة قابلة للمساءلة لا مقدَّسة.

والخطأ الثاني يعود لأولئك الذين تولّوا التربية، فأعطوا أبناءهم صورة جامدة للعالم، وأخبروهم أن أفكار الأسرة أو الجماعة أو الشيخ أو الزعيم هي الحقيقة الكاملة، ما أنتج جيلا يرى نفسه حارسا للحقيقة، ويرى المختلِف خطرا يهدد توازنه الداخلي. إن هذا النوع من التربية ينتج ما تحدّث عنه يورغن هابرماس حين وصف غياب العقلانية التواصلية، لأن العقل حين لا يتعلم الحوار يفقد القدرة على الإصغاء، وحين لا يتعلم الإصغاء يظن أنّ الصراخ هو الطريق الأقصر لإثبات الصواب.

ولهذا نجدهم في النقاشات قساة، يردون بسرعة، ويرفعون أصواتهم، ويتهمون غيرهم في نيته قبل أفكاره، ثم يظنون أنّ هذه العصبية نوع من التمسك بالحق أو نوع من الالتزام الأخلاقي، مع أنّ الحقيقة أن هذا السلوك لا يحمل من القوة سوى صوت مرتفع يخفي هشاشة داخلية، كما يقول نيتشه الذي رأى أن الإنسان حين يخاف من انهيار يقيناته يختلق لنفسه ضجيجا يغطي صمته الداخلي.

ومن زاوية سوسيولوجية أعمق، يمكن القول إنّ هؤلاء الشباب هم نتاج بيئة لم تُعطهم أدوات التفكير الحرّ، ولم تفتح لهم مساحات السؤال الفلسفي، ولم تزرع فيهم تلك الدهشة التي اعتبرها أرسطو أصل كل حكمة؛ فهم يعيشون داخل مجتمعات تجعل السؤال تهديدا، وتجعل الشكّ ضعفا، وتجعل اليقين علامة على القوة، مع أنّ القوة الحقيقية تكمن في القدرة على الاعتراف بأنّ الفكرة التي نحملها قد تكون ناقصة أو قابلة للمراجعة.

إنّ خطورتهم لا تكمن في شخصياتهم بقدر ما تكمن في ما يمكن أن يفعله يقينٌ غير مفحوص حين يتحول إلى شعور بالرسالة، إذ يمكن لشاب منهم أن يضحي باستقرار مجتمع كامل، أو أن يهاجم المختلِف، أو أن يحلم بإسقاط دولة من أجل فكرة صغيرة لم تُمتحن أمام مقاييس العقل والنص والواقع. إنهم بهذا يشبهون ما تحدَّث عنه أحد المفكرين حين وصف كيف يمكن للمقدَّس الاجتماعي أن يتحول إلى قوة قادرة على توجيه السلوك خارج حدود المنطق.

العقل حين لا يتعلم الحوار يفقد القدرة على الإصغاء، وحين لا يتعلم الإصغاء يظن أنّ الصراخ هو الطريق الأقصر لإثبات الصواب. ولهذا نجدهم في النقاشات قساة، يردّون بسرعة، ويرفعون أصواتهم، ويتهمون غيرهم في نيته قبل أفكاره، ثم يظنون أنّ هذه العصبية نوع من التمسك بالحق، مع أنّ الحقيقة أن هذا السلوك لا يحمل من القوة سوى صوت مرتفع يخفي هشاشة داخلية.

إننا حين ننظر إليهم نرى كائنات تحتاج إلى التعاطف لأنها لم تتعلم المعرفة الحرة، ونرى فيهم خطرا لأنّ المعرفة حين تغيب تتحول الفكرة إلى سلاح، ويتحول الاختلاف إلى خصومة، ويتحول الخطأ الصغير إلى أزمة ضخمة. وهكذا يصبح واجب المجتمع أن يعيد فتح أبواب السؤال، وأن يتيح للجيل الجديد فرصة حمل أفكارهم بوعي لا بتلقين، وأن يمنحهم فرصة أن يتعلموا أنّ العالم أوسع من الموروث، وأن الحقيقة لا تكون ملكا لأحد.

مقالات ذات صلة