أطفال السكري في الجزائر… بين هاجس المرض وتحديات التمدرس!
مع اقتراب الموسم الدراسي الجديد، يعيش أولياء مئات الأطفال الجزائريين المصابين بداء السكري هواجس مضاعفة، فهؤلاء الصغار يقضون يوميات مختلفة عن أقرانهم بسبب هذا المرض المزمن الذي يفرض عليهم مراقبة دقيقة لمستوى السكر في الدم والالتزام بحقن الأنسولين بشكل منتظم، غير أن معاناتهم تتضاعف خلال فترة التمدرس، حيث يزداد الضغط النفسي والجسدي مع متطلبات التمدرس خاصة بالنسبة لتلاميذ الطور الابتدائي الذين يحتاجون إلى مرافقة دقيقة داخل المدرسة وخارجها، حتى لا يشعروا بالعزلة أو النقص مقارنة بزملائهم، ومع الارتفاع الملحوظ في عدد الحالات المسجلة خلال السنوات الأخيرة، أصبح من الضروري النظر في مدى جاهزية المنظومتين الصحية والتربوية لضمان حق هؤلاء التلاميذ في التمدرس العادي دون أن تتحول إصابتهم إلى عائق يحول دون تحصيلهم العلمي أو اندماجهم الاجتماعي.
ضياء الدين بواب: المصابون يحتاجون إلى مرافقة دقيقة داخل المدرسة وخارجها
ويرى المختصون في مجال الصحة والتربية أن ارتفاع الإصابات بداء السكري عند الأطفال المتمدرسين سنويا، يفرض على المؤسسات التربوية أن تقوم بدورها في مرافقتهم وتسهيل اندماجهم داخل القسم، ويؤكد هؤلاء أن الأمر لا يقتصر على الجانب العلاجي أو متابعة الأطباء، بل يتعداه إلى محيط المدرسة، حيث يصبح من الضروري تكوين المعلمين وتمكينهم من مهارات أساسية حول كيفية التصرف مع التلاميذ المصابين، سواء عند حدوث انخفاض مفاجئ في نسبة السكر أم عند شعور الطفل باضطراب صحي داخل القسم، فغياب هذه الثقافة لدى بعض المربين قد يضاعف من المخاطر الصحية، في حين إن وعي المعلم ومعرفته بالإسعافات الأولية المرتبطة بالمرض يمكن أن تنقذ حياة التلميذ وتمنحه الشعور بالأمان.
بن عودة: ضرورة تكوين الأساتذة وكل من له علاقة مباشرة بالتلميذ
وفي الموضوع قال الدكتور ضياء الدين بواب، مختص في أمراض الغدد الصماء والسكري، في حديثه للشروق إن داء السكري عند الأطفال يختلف عن النوع الثاني الذي يصيب عادة البالغين، وأوضح المتحدث أن الجزائر تسجل في السنوات الأخيرة ازدياد في حالات الإصابة بداء السكري عند الأطفال، وهو ما جعل الجزائر تصنف ضمن العشر دول الأوائل في العالم من حيث عدد الإصابات مقارنة بعدد السكان، مضيفا أن هذه الأرقام قدمتها الفيدرالية الدولية لمرض السكري في آخر تقاريرها، سواء عند الأطفال أم المراهقين.
وبخصوص الأسباب، أكد الدكتور بواب أنها لا تزال محل دراسات معمقة، مشيرا إلى أنها قد تعود لعدة عوامل منها العوامل البيئية، والوراثية الخاصة، إضافة إلى أمراض المناعة الذاتية، وأضاف أن المختصين يعملون على حصر الحالات والعمل على ضمان التكفل الأمثل والأحسن بالمرضى، وما يتطلبه هذا المرض من إمكانيات معرفية وطبية، وأيضا اجتماعية ومالية وغيرها.
تدريب الأساتذة على المهارات الأساسية حول كيفية التصرف مع التلاميذ المصابين
وفي سياق متصل، شدد الدكتور بواب على أن تكوين المعلمين في موجهة داء السكري عند الأطفال مسألة ضرورية، إذ يجب أن تكون لديهم معارف طبية وصحية حول هذا المرض فالتكوين حسبه، لا يقتصر فقط على الجانب التعليمي، ولابد من أن يشمل التوعية الصحية والتكفل النفسي والاجتماعي، واستشهد المختص بحادثة واقعية قائلا إنه في بداية السنة الدراسية الماضية بإحدى المدارس في قرية جبلية، اتجهت أم تلميذ مصاب بداء السكري إلى مدير المدرسة، وأعلمته بحالة ابنها، المدير بدوره استدعى المعلمة التي ستدرس الطفل، وأخبرها بوضعه وأنه يحتاج إلى عناية خاصة، خلال فترة الاستراحة وتابع بأسف، عند دخول القسم، وبدل أن تتعامل المعلمة مع الأمر بسرية ووعي، سألت التلاميذ أمام الجميع، من منكم مصاب بداء السكري، فاضطر الطفل إلى أن يرفع يده وهو في حالة خجل وخوف، لتتوجه أنظار القسم كله نحوه، وأصبح في وضع وموقف محرج جدا، وتسبب له في عزلة وانطواء وتدهور في مستواه الدراسي…
وأضاف أنه من خلال هذه التجارب الواقعية بالمدارس من الضروري ألا يقتصر التكفل بمرضى السكري على الجانب الطبي فقط، لأن المحيط بكامله يجب أن يكون جزءا من الرعاية بداية من المدير إلى المعلّم، وحتى الزملاء والأطباء النفسانيون، لتجنب المضاعفات النفسية التي يخلفها الوضع الصحي للتلميذ، مع مراعاة تكوين المعلمين حول كيفية التصرف مع التلاميذ المصابين، سواء عند حدوث انخفاض مفاجئ في نسبة السكر أم عند شعور الطفل باضطراب صحي داخل القسم.
الاهتمام بالتلاميذ ذوي الأمراض المزمنة أولوية قصوى بالمدارس
من جهته، أكد الخبير التربوي عومر بن عودة للشروق أن المدرسة الجزائرية تعرف في الوقت الراهن ارتفاعا ملحوظا في عدد التلاميذ المصابين بأمراض مزمنة خاصة مرضى السكري إلى جانب حالات خاصة متعددة وفئة ذوي الهمم، الأمر الذي يفرض – حسبه – على المنظومة التربوية تعزيز آليات التكفل بهذه الفئات الهشة من المتمدرسين.
وأوضح بن عودة أن وزارة التربية الوطنية، ومن أجل تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص بين جميع التلاميذ، عملت على إصدار عدة مناشير وتعليمات تنظيمية، من أجل الاهتمام بهذه الفئة واعتبارها أولوية قصوى، حتى يتم تمدرسها في ظروف ملائمة تراعي مختلف الجوانب الصحية والنفسية والبيداغوجية، مؤكدا على أن تكوين الأساتذة وكل من له علاقة مباشرة بالتلميذ في آليات التكفل النفسي والبيداغوجي يعد خطوة أساسية، لأنه _ بحسبه_ يسهل التعامل الميداني معهم بشكل سليم، ويضمن توفير بيئة تعليمية دامجة تتيح الفرصة لكل التلاميذ دون استثناء.
وأشار المتحدث إلى أن المؤسسة التربوية لابد أن تسهر على تهيئة بيئة مدرسية مناسبة لمزاولة الدراسة، من خلال إبلاغ الأساتذة بقوائم التلاميذ المعنيين بمختلف الأمراض المزمنة، قصد التعامل معهم بطريقة خاصة، لاسيما عند طلب الخروج من القاعة أو خلال فترات الفروض والاختبارات، وأضاف أن بعض هؤلاء يحتاجون إلى تناول أدوية في أوقات الدراسة، الأمر الذي يستدعي – كما قال – إيلاء أهمية قصوى لهذا الجانب.
ولفت بن عودة إلى أن دور الأولياء لا يقل أهمية عن المدرسة، إذ يقع على عاتقهم التواصل المستمر مع إدارات المؤسسات التي يدرس بها أبناؤهم، قصد التنسيق في الرعاية النفسية والصحية، وإطلاع الطاقم التربوي على أي طارئ أو مستجد يخص أبناءهم.
ودعا إلى تحسين التكفل البيداغوجي بهذه الفئة داخل المؤسسات التربوية، لضمان مسار تعلم مستمر دون عوائق، مشددا على ضرورة توسيع المرافقة المدرسية خاصة لفائدة الأطفال المصابين بالسكري والمصابين باضطراب التوحد، لتمتد إلى الفروض والاختبارات، عبر شرح الأسئلة وتوضيح التعليمات وتبسيط المطلوب منهم.