أطفال يتقنون المالطية والبرتغالية.. والهدف ذهاب بلا عودة
يسميها البعض دشرة القلعة، ويسميها آخرون دشرة الأربعاء، وهي في حقيقتها ليست قلعة ولا أي يوم من أيام العمر، تبعد عن بلدية أم الطوب بحوالي 44 كلم وتبعد 65 كلم عن عاصمة الولاية سكيكدة، يقطنها حوالي 3800 نسمة، قرية معزولة، أهلها فقراء يأكلون وينامون فقط، ولا حلم لهم ولا تخطيط لهم سوى كيف يهاجرون إلى الضفة الأخرى، حتى الذين نزحوا منها إلى العاصمة وخاصة إلى قسنطينة، يحملون كروموزومات لا تلبث أن تندلع، ليبحروا بالزوارق وحتى عبر الطائرات كما قالها عمي يوسف، أحد كبار القرية للشروق اليومي الذي مازال برغم ثقل السنوات يمنّي نفسه رحلة بلا عودة، ويشرح سبب ذلك: في هذه المنطقة لا يصلح أي شيء، يستحيل فيها تربية الماشية، لأنها لا تتحمل قسوة الطبيعة، الجبلية، فهي تقع على ارتفاع 600 متر، ويختصر عمي يوسف حياة أهل القرية، نقتات على القليل مما تجود به الأرض والبقية نتركه ليوم الهجرة.
الحرڤة مرض وراثي موجود في “الكروموزومات“
إبان الاستعمار الفرنسي، كانت الدشرة من أرقى الأحياء على مستوى الوطن لتوفرها، على ضروريات وكماليات العيش، وكانت تدعى “باريس الصغرى” آنذاك، عاش فيها أرستراقطيو مالطا وإيطاليا وطبعا فرنسا، ثم تم هدمها باعتبارها من مخلفات الاستعمار، ولا أحد فكّر في إعادة بنائها، فبقيت قرية معزولة وأهلها متخلفون .
كما اتخذها الإرهابيون أيضا معقلا لهم، فلم يحتمل أهلها تدهور الحياة وبدأوا يسرّعون في برامج الهجرة، فبنوا أكواخا من الديس والطين، ليحموا بها أنفسهم من قساوة الطبيعة صيفا وشتاء، وينتظرون الفرصة الملائمة للحرڤة، فهاجر أكثر من مائة شاب في دفعة أولى إلى مالطا، الأمر الذي شجّع الباقي على المجازفة، وراحوا يجرّبون حظهم هم أيضا، فبدأوا يلتحقون بالسابقين من ذويهم واحدا تلو الآخر، حتى بلغ عددهم 365 حراڤا عبر البحر فقط، وعندما تقترب من الأطفال دون العاشرة من العمر في هاته القرية العجيبة، يخبروك بأنهم هم أيضا سيهاجرون، عندما يكبرون، ويدهشوك في إتقانهم اللغة المالطية القريبة من العربية وحتى اليونانية والبرتغالية.
“الحرڤة” فعلا قدر الأهالي، إذ لا توجد عائلة في القلعة من دون أن ينتسب لها حراڤ، وهناك بعض العائلات فيها أربعة “حراڤة“، بل هناك من انقرضت نهائيا بعد أن صبغ كل أفرادها ألوانهم ووثائقهم، يتوارثون الحرڤة إبنا عن أب عن جدّ، ولا يجد الأب في هذه المنطقة من حرج عندما يقول لك بأن ابنه “مشروع حراڤ“، المعروف أن الأولياء يحلمون بأن يتحوّل أبناؤهم إلى وزراء أو نجوم كرة القدم، لكن أهل القرية لا حلم لهم سوى أن يحرڤ أبناؤهم، بعض العائلات تجمع مال العمر كله لتمنحه لابنها حتى يتمكن من الانتقال إلى الضفة الأخرى، ولا يهمّ البلد الذي يقصدوه.. المهم أن ينتقل من هنا إلى هناك.
أطفال القلعة يرحّبون بالغرباء بلغات أخرى، غير السلام وصباح الخير وأهلا، حتى الفرنسية لا مكان لها هناك، وبعد ظهور الإعلام الآلي، صار كل بيت عبارة عن مدرسة لتعليم اللغات الأجنبية من برتغالية ويونانية وإيطالية وإسبانية، فقناعة الجميع في القلعة أن المستقبل لا يمكن أن يكون بالعربية أو بالفرنسية مادامت “الحرڤة” هي الشهادة التي سيتحصل عليها الابن الذي بمجرد أن يولد حتى يرسله والده إلى مدينة كبيرة ليشتغل من أجل اقتناء تذكرة سفر إلى تركيا، ليبحر بعد ذلك إلى أي بلد تابع للاتحاد الأوروبي، وعندما تكون الحياة مبنية على الخارج، فإنك تعلم بمجرد أن تدخل القرية بأن أهلها في شبه محطة انتظار، خاصة الصغار منهم، في انتظار قطار الهجرة السرّية، هم يمضون وقتا مملا قد يصل إلى عشرين عاما، في انتظار الأحسن الذي لا يرون له لونا إلا خارج البلاد، لو تمنحهم دول الخليج العربي أو شرق آسيا أو أي مدينة كبيرة في الجزائر أو حتى الدول الاسكندنافية، يرفضونها، فهم يريدون التوجه إلى جنوب أوروبا وأيضا إلى بلجيكا.
ويبقى التعليم أو حتى التفكير في أي أمر آخر معطل في هاته القرية، التي قيل لنا بأن لا وال زارها منذ الاستقلال، ولا رئيس حزب، أما أن يمرّ عليها وزير فذاك من المستحيلات السبعة، بل إن رئيس بلدية سابق سألناه عنها، فأكد بأنه لم يسمع باسم قرية القلعة في حياته، لن تجد طالبا جامعيا ولا طبيبا ولا مهندسا ولا محاميا، في هاته القرية.. فكلهم باستثناء بناتهم ونسائهم مجرد مشاريع لحراڤة يبحرون أو يطيرون ولا يعودون إليها أبدا.
هكذا باع بحار يوناني ثلاثة أصدقاء للصهاينة
بعد سبع سنوات كاملة من حادثة وقوع ثلاثة شباب بين أيدي الصهاينة وهم عبد العزيز ولباني وفؤاد بوفاروك وعادل شريط، الذين باعهم بحار يوناني للصهاينة الذين حوّلوهم إلى سجن تل أبيب، عادت “الشروق اليومي” أول أمس للقرية، لتسأل عن الشباب الذي وُعدوا بعد أن فكّ أسرهم بأن يجدوا في قريتهم ما يريدون من طيب الحياة، بعد حادثة أواخر 2008، ولكن المفاجأة التي صدمتنا هي أن لا شيء تغير في حياة هؤلاء المعتقلين سابقا، لدى إسرائيل، بل أكثر من ذلك، فقد نجح هذه المرة الشاب عادل شريط في الحرڤة، وهو حاليا في بلجيكا، “الشروق اليومي” سألت خال عبد العزيز ولباني، فقال بأن ابن أخته ذي 33 ربيعا، هاجر إلى الجزائر العاصمة عن عمر 23 سنة، عمل بها كصانع للحلويات عند أحد الخواص، ليجمع المال من أجل تحقيق حلمه ومستقبله، بمشروع الحرڤة الذي ورثه عن أهل القرية، وعندما بلغ 27 سنة، التقى مع رفقائه بالدراسة وقرروا الهجرة إلى مالطا، مرورا بتركيا، ثم اليونان.
عبد العزيز انطلق من العاصمة إلى اسطنبول جوا، ثم التقى برفيقيه فؤاد وعادل الذي لم يكن قد تجاوز الثامنة عشرة من العمر، ومنها إلى اليونان، فقد كانوا يرمون وثائقهم ويزعمون بأنهم فلسطينيون حتى يتعاطف معهم الأتراك، ولكن بحارا يونانيا، ظن بأنه تمكّن من صيد سمين فأركبهم باخرة إسرائيلية وأخذ الثمن، فوجدوا أنفسهم بين يدي الصهاينة وكما قالها “عبد العزيز“، الجزائريون يتقبلون العيش مع وحوش العالم إلا مع الصهاينة، الذين وجدوا أنفسهم أمام حالة غريبة بوجود جزائريين بين قبضتهم، ستة أشهر كاملة قضاها الحراڤة الجزائريون هناك بين الخوف والإغراء، إقترح عليهم الإسرائيليون عملا ومرتبا بـ6000 أورو من دون أن يشترطوا عليهم أي شيء واضح، حسب عبد العزيز الذي يشتغل حاليا في العاصمة رفقة فؤاد، ولكنهم رفضوا ذلك، وكان همهم العودة إلى أهلهم. الصهاينة كانوا يقدّمون لهم أشهى وأطيب المأكولات ويلبسونهم أحسن الثياب، وفي كل مرة يأتيهم أخصائيون نفسانيون يتحدثون اللغة العربية، في محاولة لإقناعهم بالعيش في تل أبيب، وتتكفل بهم دويلتهم كليا، لتستعملهم بعد ذلك حسب أهوائها، ولولا تدخل عائلة من أم الطوب تقطن في بلجيكا، التي أرسلت كل الوثائق للصهاينة، والهلال والصليب الأحمرين لبقوا في تل أبيب.
وقصة عائلة ولباني مع الهجرة السرية مثل الحبل السري، وعبد العزيز الذي عاش في كوخ مع والده أحسن البالغ من العمر55 سنة، ظل حلم حياته هو اللحاق بأشقائه في بلجيكا، توجه عبد العزيز إلى العمل في العاصمة من دون أن يخفي نواياه عن والده، فقد أخبره بأنه سيجمع المال ويسافر إلى أوروبا، فوافقه على ذلك، ودعّمه عندما استخرج جواز سفره، وانتقل إلى تركيا عبر العاصمة جوا في شهر نوفمبر من سنة 2008، وهناك التقى مع رفيقي عمره وفي سجن تل أبيب.
وفي سفرية ما بين تركيا واليونان كان لزاما عليهم إخفاء جنسياتهم لتفادي العقاب أو إرجاعهم إلى الجزائر، فاختاروا أن يزعموا بأنهم فلسطينيون وهو ما دفع ببارون تهريب يوناني ببيعهم للإسرائيليين، ثم اختفت أخبارهم نهائيا، وعاشت القرية الفاجعة عندما علموا بأن الأبناء الطيبين عبد العزيز وفؤاد وعادل بين أيدي الصهاينة، عبد العزيز تمكن من الاتصال من تل أبيب بعائلته وطلب منهم أن يرسلوا له عبر الفاكس وثيقة جنسية حتى يقتنع الإسرائيليون بأنه ليس فلسطينيا، كانت والدته تدخل في غيبوبة كلما تذكرت أن ابنها بين أيدي الإسرائيليين، ولولا عودة ابنها إلى أحضانها في جوان من عام 2009 لما استرجعت وعيها.
حتى سجن تل أبيب لم يوقفهم
الحرڤة لها بداية ولكن من دون نهاية
أما فؤاد بوفاروك فلم يكن وقوعه بين أيدي الإسرائيليين سوى مغامرة عادية، بدليل أنه مازال يفكر في إعادة الكرّة، ولا يتوقف عن التخطيط للرحيل، هو من مواليد 1982 ولأن مستواه التعليمي لم يتجاوز السابعة أساسي ووالده موظف وعائلته كثيرة العدد، فقد انقطع عن الدراسة مبكرا واختار العمل في البناء فجمع القليل من المال وظل يسلمه لشقيقه الأكبر إلى أن تمكن من الهجرة، وعندما حان وقت هجرته نحو أوروبا سقط بين أيدي الإسرائيليين..
كل عائلة بوفاروك تهاجر بطريقة غير سرية، حمزة مثلا دخل بطريقة غير شرعية إلى فرنسا ومكث هناك ثلاث سنوات وبعد طرده عاد إلى البطال، ثم قرر معاودة المحاولة، وعكس هؤلاء فإن عائلة شريط التي ينتمي لها المعتقل السابق في تل أبيب عادل هجرت القرية إلى بلدية صالح بوالشعور التي تبعد عن مدينة سكيكدة بـ23 كلم بحثا عن حياة أفضل رغم صعوبة المهمة، ولكن كروموزوم الحرڤة بقي معها..
وبمجرد أن جرفت البطالة أفراد العائلة الثمانية حتى اعتصرهم الحنين لتجريب حظهم ما وراء البحر، فقرروا مساعدة عادل لأجل الهجرة إلى أوروبا. كان عادل لا يترك أي عمل من بناء ورمل وصناعة خبز، ولكن مرض الحساسية أقعده فقرّر التوجه إلى العاصمة، لم تسحره العاصمة كما تفعل مع بقية القرويين القادمين من مختلف الجبال والمداشر، كانت بالنسبة له محطة لأجل المغادرة على الضفة الأخرى أو حصالة لجمع المال، لم يكن يفكر سوى في المغادرة والتقى برفاقه “الحراڤة” في اليونان وكان هدفهم الانتقال إلى ايطاليا ليجد نفسه بين أيدي الصهاينة في عملية البيع الشهيرة التي قام بها أحد أنذال البحر اليونانيين، ولكنه مؤخرا نجح في الوصول إلى بلجيكا، حيث يعيش هناك حاليا، في الأسود الذي سيتلوّن بالأبيض طال الزمن أم قصر.
هل انتهت القصة؟ وأنت تخرج من القلعة يبتسم في وجهك شاب ويقول لك الوداع، ولن يقول لك إلى اللقاء، لأنك في المرة القادمة لن تجدني، أما الأطفال الصغار فيمطروك بكلمات لا يمكن أن تفهمها، لأنها لغة مالطية أو يونانية أو برتغالية أو إيطالية أو حتى قبرصية.