“لابد من الوطن”
تابعتُ في يوم الأحد الماضي 28/6/2026 بفرح كبير ورجاء كثير ما وقع في القُطب العلمي والتكنولوجي، “الشهيد عبد الحفيظ إحدّادن”، في مدينة سيدي عبد الله.
هذا الأمرُ الذي وقع، إن أخِذ بقوّة، وسُهر عليه من عبث العابثين وتخريب المخرّبين، ليكوننّ من أهمّ المنجزات، ولتجنينّ الجزائرُ ثماره الطيّبة.. هذا الأمر هو “اجتماع تأسيسي للمجلس الأعلى للجالية العلمية بالخارج”، الذي أعتبرُ تأسيسه مكسبا هاما وإن تأخّر هذا التأسيسُ بسبب بعض العوامل الداخلية الموضوعية وغير الموضوعية، خاصة من أعداء الجزائر من “أبنائها” العاقّين أو من غيرهم.
وأبادر فأشكر شكرا جزيلا من فكّر في هذا المجلس، ومن دعا إليه، ومن حضّر له، ومن حضره… وأدعو الله -العليّ العليم- أن يتمّ هذا المجلسَ فيبارك فيه حتى يستوي على سوقه.
مَهمّةُ هذا المجلس هو العمل على تجميع طاقات الجزائر العلمية الموجودين في جميع أنحاء العالم لتقديم خبراتهم العلمية المشهود لها عالميا، التي يستفيد منها من لا يودُّ للجزائر خيرا، وفي المقدّمة فرنسا التي سفّه هؤلاء العلماءُ الجزائريون مقولتَها العنصرية الحاقدة الدنيئة وهي أننا “عِرقٌ غير قابل للتهذيب والتمدين”. (ابن باديس: الشهاب. جانفي 1938. 429).
ويعلم اللهُ، ويشهد الناسُ أنّه ما منعنا من ذلك إلا فرنسا المجرمة نفسُها، والدليلُ هو أنّ فرنسا نفسَها الآن قائمةٌ على عقول كثير من الجزائريين في جميع الميادين.
ذكر الإمامُ محمد لخضر حسين، الجزائريُّ الأصل، التونسي المولد، المصري الوفاة، شيخ الجامع “الأزهر” الأسبق، ذكر أنّ القاسم بن محمد ابن سيار الأندلسي أخذ ما أخذه من العلوم في الأندلس ثم تطلّعت نفسُه إلى الرحلة في طلب العلم، فرحل في المشرق، وطاف على حِلق العلوم المختلفة في عدّة أقطار، فلمّا امتلأ وِطابُه عزم على العودة إلى وطنه الأندلس، فعلم أشياخُه وخلّانُه بما عزم عليه فنصحوا له بالبقاء في المشرق، ورغّبوه وزيّنوا له الأمر، فأجابهم بكلمة صغيرة في مبناها كبيرة في معناها، وهي “لابدّ من الوطن”. (موسوعة الإمام محمد الأخضر حسين. المجلّد الرابع. ص: 1791). وعاد على وطنه لأنه علِم أنّ لوطنه عليه حقًّا، ومن واجبه أداء هذا الحقّ.
إنّ أكبر جريمة ارتكبتها فرنسا المجرمة ضدّ الإنسانية هي عملها آناء الليل وأطراف النهار، طيلة قرن وثُلثه على “محو عبقرية الشعب الجزائري”. (مالك ابن نبي. شروط النهضة. دار العروبة. ص: 199).
لقد كان لكم أيها العلماء الجزائريون في الإمامين ابن باديس والإبراهيمي أسوة حسنة بعودتهما إلى الجزائر وهي يومئذ في سَموم وحميم لا بارد ولا كريم تحت أبشع وأشنع وأنذل نظام، وهو النظامُ الفرنسي، وذلك ليوقظا الجزائريين من نومهم، ويقيلوهم من عثرتهم، وليبعثوهم من مرقدهم، ويعلّموهم كيف يُحيون الجزائر ويَحيون فيها، بعد استخلاصها من بين أنياب فرنسا السامة، شعارهما الذي تعاهدا عليه في المسجد النبوي هو: “نحن قومٌ لا نهاجر”، معتبرين الهجرة فرارا من الزحف، فلا تفرّوا من الجزائر، بل فرّوا إليها.