ساحر جزائري ينقذ المونديال ..!!
تجذب الرياضة، خاصة كرة القَدم، الجميع، سواء كانوا سياسيين أو مثقفين أو كُتابا بينما- وهذه مفارقة-، لا تجذب الثقافة الجميع خاصة أهل الرياضة. يشاهد المثقفون والكتّاب والسياسيون التلفاز لمتابعة كرة القدم، وربما يحضرون إلى الملعب لمشاهدة مبارة ما، بينما لا يذهب لاعب واحد من المرموقين إلى معارض الكِتاب أو إلى الندوات أو إلى أي نشاط ثقافي. تفسير أن الأغلبية تشاهد، تتحمس، تتابع وتصرخ مع كرة القدم، مع الاهداف والفِرق الوطنية وتحب التنافس والتصادم يرجع، بالدرجة الأولى، إلى غريزة كامنة في النفس البشرية وهي غريزة التنافس والفوز وحب التفوق وربما حب العنف.
كأس العالم الحالية في الولايات المتحدة، كندا والمكسيك تبدو-في تقديري-مملة أو ميتة وبلا روح رغم الهالة التي أُحيطت لها، ورغم كثرة الفِرق المشاركة فيها ورغم إجراء جزء كبير منها في ملعب ترامب. أول ملاحظة أن توقيت المباريات كان سيئا جدا، ويبدو أنه قد ضُبط على ساعة ترامب، وبسبب هذا الضبط غير المُوفق، عانت اوروبا وأفريقيا ونصف أسيا من السهر لتشاهد المباريات التي تجري فجرا.
الغريب إن مباريات كأس العالم التي جرت في الولايات المتحدة الأمريكية نفسها سنة 1998م كان توقيتها مناسبا للقارات التي ذكرنا، والفَرق بين النسختين أن ترامب لم يكن رئيسا في النسخة الأولى. لقد خلق هذا التوقيت السيء اضطرابا في برامج أغلبية دول العالم وربما خلق ارتباكا في أدمغة الناس واجنداتهم اليومية. الملاحظة الثانية التي جعلت هذه النسخة باهتة هو غياب الكاميرون، نيجيريا وايطاليا عنها، وتهديد السينغال، ساحل العاج وجنوب إفريقيا وغانا بالإقصاء بسبب ضعف النتائج في الدور الأول.
مونديال اللاعبين الكهول سيرة أسطورة كرة القدم، بيليه، تقول أنه توقّفَ عن اللعب الدولي مع فريق البرازيل الوطني وهو في عمر ثلاثين سنة، وحين سألوه لماذا توقف وهو لازال قادرا على العطاء والجري في الملعب وتسجيل الأهداف، قال “إن كأس العالم لكرة القدم هي للشبان، وأنا أريد أن اترك تقليدا للأجيال القادمة من اللاعبين ليقتدوا به وهو أن يتوقفوا في سن الثلاثين”. توقف، أيضا، مارادونا عن اللعب الدولي وهو في عمر الثلاثة والثلاثين.
في كأس العالم في قطر سنة 2022م شارك لاعب واحد عمره اربعين عاما، هو المكسيكي الفريدو طالافيرا. في هذه الكأس، وجريا وراء خلود كروي لا معنى له، كسّر الكثير من اللاعبين القاعدة التي سنّها بيليه، وهي التوقف عن اللعب الدولي في سن الثلاثين. الآن، في هذا المونديال يكثر الكهول- إذا اعتبرنا أن سن الكهولة يبدأ من سن الأربعين.
إذا حسبنا عدد الذين تجاوزت أعمارهم سن الأربعين ولعبوا هذا المونديال نجد إنهم ثمانية لاعبين يتقدمهم ورونالدو، وهؤلاء متبوعون بلائحة طويلة يتجاوز أصحابها سن ال38، يقودها ميسي الذي عمره 39 سنة. على ما يبدو ميسي ورونالدو يريدان اللعب حتى يموتان في الملعب وهما يطاردان الكرة.
شارك الاثنان في ستة كؤوس عالمية وهو ما لم يفعله بيليه ولا مارادونا. ملّ الناس منهما ومن ظهورهما وحضورهما القسري الذي أصبح باهتا رغم الاستعراض وتسجيل الاهداف. لا أحد يعرف سر تشبث هذان اللاعبان بالمشاركة، وهل له علاقة بالعناد أم بصراع بينهما حول الأرقام القياسية؟ لقد شبعا لعبا، ربحا الجوائز وحصدا الالقاب وجمعا الأموال ومع ذلك لازالا يطاردان الكرة مع شبان اعمارهم مثل أعمار أولادهم. لا بد أن تسن الفيفا قانونا يضع حدا لهذه المهزلة لإنه إذا استمرت موضة مشاركة لاعبين اعمارهم فوق الأربعين في المونديال فلا تتعجبوا أن يلعب في النسخة القادمة شيوخ، أو أن يخرج بيليه من قبره ليجلد الجميع أو ليقول لهم أنا أيضا سألعب.
فريق إفريقي يلعب باسم فرنسا
منذ تنظيم أول مونديال 1930م، وفرنسا تلعب وتخسر ولا تفوز ولا تصل إلى النهائي. في البداية، كانت تطبق العنصرية وتلعب بديوكها البِيض المحليين وتستبعد السُّمر، لكن حين لم تستطيع التتويج انتهجت سياسة تكوين فريق من المجنسين الأفارقة السُّمر الذين يجيدون اللعب والابهار والمهارة ويتمتعون بالقوة البدنية.
مثلا، في مونديال سنة 1998م، كان في الفريق الفرنسي أكثر من عشرة لاعبين أساسيين مجنسين من أصل افريقي، وبفضلهم فازت فرنسا بأول كأس. بعد ذلك الفوز غيّرت فرنسا سياستها تماما، وحوّلت فريقها الوطني إلى فريق من أصل إفريقي أو إلى فريق من يراه يجزم أنه فريق إفريقي. في مونديال 2018م، كان عدد اللاعبين الافارقة في الفريق الفرنسي خمسة عشر لاعبا وفازت بالكاس فعلا.
في مونديال 2026م الحالي، كان عدد اللاعبين الأفارقة ستة عشر لاعبا من أصل إفريقي. هذا الاستقواء بأبناء القارة للفوز فوق المستطيل الأخضر جعل المتهكمين يقولون أنه إذا نزع لاعبو ” المنتخب” الفرنسي القميص الأزرق ولبسوا قميصا اخضرا تحسبهم فريق نيجيريا.
الساحر الجزائري الصغير الذي انقذ المونديال
هذا المونديال الجامد لا جديد فيه إطلاقا، وتنقصه شحنة تنافسية شديدة، وزاده كآبة إعادة تدوير الكثير من اللاعبين الكبار في السن. في كرة القدم يبحث الناس عادة عن الابهار، عن الجديد في الملعب وفي الشاشة، ورغم وجود ميسي ورونالدو إلا أن حضورهما أصبح بلا إثارة ولا فن ولا متعة ولم يثيرا أي تفاعل.
منذ ست مونديالات وهما يشاركان، لكن الناس أصبحوا يرونهما يكرران ذواتهما بنفس الحركات، ونفس المراوغات القديمة الكلاسيكية ويدوران حول نفسيهما وكل منهما يراوغ ظله فقط.
لكن حين بدأ المتذوقون لفن كرة القدم يسأمون من متابعة مشاهدة هذا المونديال البطيء، ظهر فجأة ساحر مُبهر من الجزائر اسمه مازا. حسب صحفيين من امريكا اللاتينية- وهم قوم ذواقة لكرة القدم- يحمل مازا ملامح ” niño optimista” ، (“طفل متفائل”)، لكنه يلعب بأرجل وذهن لاعب عملاق واثق من نفسه.
هذا اللاعب-مازة- الذي يسميه البعض الخياط والبعض الرسام والبعض الساحر والبعض اللاعب الزئبقي، هو الذي أنقذ المونديال من الملل والسأم، وكان هو عقدة الفرق التي لعبت ضد الجزائر في الدور الأول. الذي لم ينته إليه الناس أن هذا اللاعب كان مُرَاقَبا دائما بلاعبين إثنين في كل المباريات التي خاضها الفريق الجزائري، وحتى فريق الارجنتين وميسي وضع له حسابا وخصص لاعبَين اثنين لمراقبته.
ولم يكن مازا مُمررا حاسما ومراوغا بارعا فوق المستطيل الأخضر فقط، لكن مراوغاته وبصماته السحرية وتمريراته أصبحت موضة في وسائل التواصل الاجتماعي وفي التيكتوك وفي سناب شات ورييلس وفيس بوك وصفحة ايكس. حتى في اليابان تم توزيع مراوغات مازا مرفقة بعبارات قصيرة يابانية تعني إن هذا اللاعب هو ياباني.
إذا أردنا الانصاف، مازة هو أحسن لاعب، بكل المقاييس، في هذه الدورة، وهو الذي أنقذ هذا المونديال من الملل والتكرار والاحباط. لقد فرض هذا اللاعب الظاهرة نفسه على العالم وعلى الملاعب وأصبح هو حديث الجميع. يحتل الترتيب الأول في المراوغات والتمريرات الحاسمة وفي التفاؤل، وتفوق على ميسي على مبابي وعلى يامال وعلى الجميع، ولو لا العنصرية الكامنة في نفوس وصدور الغرب سيكون هو أحسن لاعب في هذه الدورة.