الرأي

أغلقتم 20 مسجداً للترميم.. فمتى تُفتح؟

الشروق أونلاين
  • 1916
  • 0

تكاد “تظاهرة قسنطينة عاصمة الثقافة العربية” تشرف على نهايتها، والجدير بالذكر أن فعالياتها ستمتدّ على مدار سنة كاملة، بأيامها وأسابيعها وأشهرها الطويلة.

وبقطع النظر عن الكثير مما قيل ووجد طريقه إلى الصحافة، من تراشق بالاتهامات الثقيلة بين بعض أعضاء التظاهرة البارزين، ونِسبة البعض منهم لبعض آخر اختلاسات وتلاعبات وتحويلات للمال العام، وهو شيء مقزز ومثير للحيرة والتساؤل.. وبقطع النظر أيضا عن كل ما يمكن أن يُقال بالنسبة لتلك الأنشطة والفعاليات وفوائدها الحقيقية للثقافة والفكر والفن والإنسان، خاصة أبناء وبنات المدن الصغيرة والقرى والمداشر الذين من حقّهم كمواطنين ومواطنات أن ينالوا نصيبهم من الثقافة والفكر والأدب والفن.. بقطع النظر عن ذلك، وهو جدير بالبحث والمدارسة في تقييم هذه التظاهرة التي رُصدت لها أموال ضخمة، وضخّت لها ميزانيات كبيرة في مجالات عدة.. 

بقطع النظر عن كل ذلك، إلى حين، فإن هناك تساؤلات مشروعة عن قضية تمسّ الرأي العام في قسنطينة، كما في الوطن كله، وهي تلك المتعلقة بإغلاق نحو عشرين مسجدا ومصلّى بمناسبة هذه التظاهرة “الثقافية”، والتي كانت ضمن برامج التظاهرة، وجُدولت على أساس ترميمها وتأهيلها بشكل أفضل لتكون ضمن التراث الروحي والفني الهندسي العمراني الذي تُباهي به قسنطينة كثيرا من العواصم العربية الأخرى، خاصة وأنها مدينة عريقة، ومدينة علم ودين وثقافة وجهاد فكري وإصلاحي. وأن تلك الفضاءات التي كان يُفترض ترميمها وأحياؤها وإعادة بعثها وتجديدها، تمثل القلب من جسد قسنطينة الثقافي والتاريخي والفكري. فإذا أغلق القلب أي مات.. فماذا بقي من الجسد؟

كيف يُعقل أن تبقى هذه المساجد غائبة في التظاهرة كلها وقد أغلقت مؤقتا للترميم والإصلاح وإعادة التأهيل، إن صدّقنا الروايات التي رُويت؟ وكيف يُعقل أن تبقى مغلقة على مدار أشهر طويلات؟ 

إن المدينة، بل إن التظاهرة ذاتها، بدلا من أن تضاء ويتطاول نورها وضياؤها، بإنارة وفتح تلك المراكز الإيمانية والدينية، بعد إعادة تأهيلها وجعلها في متناول الزائرين والمقيمين على حد سواء، بقيت مغلقة، على امتداد الشهور التي تلت افتتاح التظاهرة وانطلاق أشغالها وفعالياتها المتعددة، وهو أمر مهما كانت المبررات والأسباب وراءه فإنه يبقى غير مقبول، ويشير إلى لامبالاة وعدم تحكّم وسوء تسيير، وربما ما هو أكثر من ذلك بكثير، وهو حديث الناس في المدينة، وبعضهم يذهب حتى إلى القول: إنه أمر مقصود.. أي غلق المساجد، وليس الأمر محيّرا، بل المحيّر هو بقاؤها مغلقة هذه المدة كلها؟!

ويمكن الإشارة إلى تلك المساجد والزوايا، وفي طليعتها المسجد الكبير الذي يتوسط قلب المدينة، وهو فعلا مسجدٌ كبير، كان يؤدي أدوارا مهمة في التوجيه والإرشاد والتعليم، ثم مسجد حسن باي، في الساحة المعروفة بنفس الاسم (ساحة حسن باي) المحاذي لقصر الباي الذي احتضن العديد من المعارض الفنية وغير الفنية ولا يزال، ثم مسجد الكتانية المعلم الكبير المعروف أيضا والذي يحتوي على دار الإمام في قسنطينة، وصار الآن في رحابه معهد تكوين الأئمة والدعاة وهو المسجد المحاذي لـ”سوق العصر”، ثم مساجد وزوايا: الرحمانية، سيدي لخضر، الأربعين شريف، سيدي عبد المومن، سيدي جليس، سيدي ميمون، القروي وسيدي مغرف، فضلا عن مصليات صغيرة كزاوية حفصة.

وينبغي أن يُعرف أن هذه الأماكن كلها في وسط قسنطينة، وعندما أقول وسط قسنطينة هنا، فأنا أعني قسنطينة القديمة التي هي في حد ذاتها ـ كأبنية وعمران ـ تحفة قديمة ونسيج عمراني جمالي ذو أبعاد تاريخية فنية حضارية كبيرة. فكيف يُعقل أن تبقى هذه المساجد غائبة في التظاهرة كلها وقد أغلقت مؤقتا للترميم والإصلاح وإعادة التأهيل، إن صدّقنا الروايات التي رُويت؟ وكيف يُعقل أن تبقى مغلقة على مدار أشهر طويلات؟ مهما كانت الأسباب التي دفعت إلى إغلاقها، فإن إعادة فتحها ضرورة أكيدة. 

قد لا يعرف الكثيرون ومنهم وزيرا الثقافة ووزير الشؤون الدينية أن تلك المساجد والمصليات كانت الرئة التي يتنفس منها القسنطينيون، والعابرون (المسافرون) يوميا وهم كثر في أداء الصلوات المكتوبات، ومن ثمّ فإن كان إغلاقها مقبول مؤقتا للضرورة وهي التأهيل، على أن يكون ذلك ضمن مدى زمني مقبول. لكن أن يطول هذا المدى الزمني ويمتدّ ويكبر، وأن تبقى كل تلك المساجد والمصليات والزوايا مغلقة منذ ذلك الوقت إلى الآن.. فذلك ما يستوجب أكثر من تدخل وأكثر من سؤال ويثير أكثر من إشكال.

ومرة أخرى نقول: إنه مهما كانت الأسباب، فإن المطلوب هو الإسراع في إعادة فتحها للمواطنين، وقد كثرت شكاواهم واحتدّ انتقادهم وطال صبرُهم…

إنني أوجه هذا الكلام هنا إلى مسؤولين مباشرين هما: وزير الشؤون الدينية، على اعتبار أن المساجد والمصليات تؤول في عملها واشتغالها إلى وصاية الشؤون الدينية، ومن الواجب القيام عليها والحرص على أدائها لواجباتها، وفتحها وتعهّدها وهو أقل الواجب. فما هو جوابه؟ وهل يمكن أن نطمع في تحرّك سريع لفتح هذه الفضاءات وإعادة عمّارها إليها؟ 

والمعني ّ الآخر هو وزير الثقافة، وهو المسؤول الأول عن تظاهرة قسنطينة عاصمة الثقافة العربية بكل ما فيها وما لها وما عليها، فيعنينا أن نعرف بالضبط: ما المشكلة؟ وكيف أمكن أن يطول الأمر كل هذا الوقت دون أي حركة في الأفق؟ وهل المشكلة بالفعل كما كتبت الصحافة مرات قليلة هو سوء تدبير وسوء تسيير، وأن الأمر عُهد به إلى غير أهله؟ وهل ينبغي أن يبقى المشكل مشكلا دون حل؟ وإلى متى؟ ولِمَ هذا الصنيع السيئ واستطالته خاصة وأنه يتعلق ببيوت الله؟ وما هو الحل ومتى؟

مقالات ذات صلة