الرأي

أفسدتم علينا دنيانا.. أفسد الله عليكم أخراكم

الحجاج بن يوسف الثقفي يُقال عنه إنه أحد دُهاة العرب، ولست أدري ماذا يقصد واصفوه بذلك، فإن كان الدهاء الذي يهدي صاحبه إلى الخير فنعمّا هو، وإن كان “الدهاء” الذي يرد صاحبه “أسفل سافلين” فبئس الدهاء هو، وما أظن دهاء الحجاج إلا من النوع الثاني، الذي يجعل صاحبه أذنا صاغية لـ”قرينه”، ويدا باطشة له، ورجلا ساعية في المنكرات، يسارع في الشر، ولا يصبر عليه، بل يتفوّق على إبليس ويصيّره من أتباعه، ألم يقل أحدُهم مفتخرا بأنه فاق إبليس:

وكنت فتى من إبليس فانتهى       بي الحال حتى صار إبليس من جندي

وسيأتي يوم الفصل الذي سيتبرّأ فيه إبليس من تلميذه، ويقول لعلام الغيوب: “ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد”. (سورة ق. آية 27).

لقد مسّ الحجاج بن يوسف كثيرا من الناس بنصب وعذاب، وأذاقهم العذاب النُّكر من أجل الدنيا ومتاعها وشهواتها، حتى صوّر له قرينه أن رؤوس الناس ثمارٌ أينعت وحان قطافُها كما قال في إحدى خطبه.

ومن الناس الذين أصابهم ما أصابهم على يد الحجاج بن يوسف وزبانيته الصحابي الجليل عبد الله ابن الصحابي العظيم الزبير بن العوام والصحابية العظيمة أسماء بنت الصديق، رضي الله عنهم أجمعين.. كان معاوية بن أبي سفيان – رضي الله عنهما – قد أوقع في الأمة فتنة صدق من وصفها بـ”الكبرى” ولم تخرج الأمة إلى يومنا هذا من هذه الفتنة..

وزاد الطين بلة، والداء علة فرض ابنه يزيد الطالح سلطانا، ولا أقول “خليفة” على الأمة، ولم يكن أهلا لكي يكون سلطانا، ثم فرض هو من جاء بعده، وما يزال المسلمون إلى اليوم يُفرض عليهم من يحكمهم،

ضاربين عرض الحائط بأمر الله – عز وجل– إلى الرسول الأكرم وإلى من يطمح أن يقود المسلمين “وشاورهم في الأمر”.

الشاهد في كل هذا هو أن الأمة الإسلامية تعاني اليوم من حكام، كثير منهم سفهاء، فأفسدوا على الأمة دنياها، فهي تعيش في ذِلّة مزدوجة، ذِلة القريب والغريب، وتعاني المعيشة الضنك، وهي الآن في محل الشماتة من أعدائها.. ولسان حالهم يقول: ألم نكن أرحم بكم من هؤلاء الحكام، صغار العقول والنفوس، كبار البطون بليدي الرؤوس؟

كان عبد الله بن الزبير – رضي الله عنهما– ممن رأوا في فرض يزيد ومن جاء بعده من الأمويين، منكرا من الفعل، ورأى أن تغيير هذا المنكر يكون بيده، لأن السلطان الذي يُفترض فيه أن يغيّر هذا المنكر –وهو عبد الملك بن مروان- هو المنكر مجسّما، وأنه لا يصلح لا للعادة ولا للعبادة، فلا هو ذو علم، ولا هو ذو تُقى… فخرج على هذا السلطان الفاسد، والتفّت حوله طائفة من الأمة، فنصرته وآزرته، خاصة أن له من نسبه الطيني وحسبه مما عملته يداه ما يجعله أهلا لأن يكون في المقام الذي تطلّع إليه.. فجدُّه لأمه هو أبو بكر الصديق، وأبوه هو الزبير بن العوام، وأمه هي “ذات النطاقين” أسماء بنت الصديق، وخالته هي “أم المؤمنين” عائشة، رضي الله عنهم أجمعين… رمى عبدُ الملك بن مروان عبدَ الله بن الزبير بالحجّاج بن يوسف، فعمل ما عمل إلى درجة الجرأة على “أول بيت وُضع للناس”، ورماه بالمنجنيق، وتمكّن من عبد الله بن الزبير فقتله، وعلقه ليراه الناس في غدوّهم ورواحهم، شماتة به، وترهيبا لغيره ممن تحدّثه نفسه أن يخرج عن السلطان..

والتقت أمّه “أسماء” مع قتلة ابنها، فسألوها عن المصير الذي آل إليه، فأجابت جواب المرأة الحصينة التي ترى مالا يرون، ولم تضعف، وقالت لأولئك الزبانية: “لقد أفسدتم عليه دنياه، وأفسد عليكم آخرتكم”، وذهب قولها مثلا سائرا في الناس.

الشاهد في كل هذا هو أن الأمة الإسلامية تعاني اليوم من حكام، كثير منهم سفهاء، فأفسدوا على الأمة دنياها، فهي تعيش في ذِلّة مزدوجة، ذِلة القريب والغريب، وتعاني المعيشة الضنك، وهي الآن في محل الشماتة من أعدائها.. ولسان حالهم يقول: ألم نكن أرحم بكم من هؤلاء الحكام، صغار العقول والنفوس، كبار البطون بليدي الرؤوس؟

لم يبق لنا إلا أن نقول لله – عز وجل– يوم نجتمع عنده: “ربنا هؤلاء أضلّونا فآتهم عذابا ضعفا من النار”، ونخشى أن يرد – سبحانه وتعالى- علينا بقوله: “لكل ضعف”، لأننا:

كيف هُنّا فقادنا أغبياء   ولصوص متوّجون أكارم

وصغار مؤنّثون وغيد  غاليات الحلى رخاص المباسم.

فاللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.

مقالات ذات صلة