أفيخاي أدرعي والإسلام منزوع الدّسم!
دأب الناطق باسم الجيش الصهيوني للإعلام العربي، أفيخاي أدرعي، على نشر كلمات على صفحاته عبر مواقع التواصل، يقدّم من خلالها نصائح للمسلمين بأن يُقبلوا على الأعمال الصّالحة! ويحذروا الانجرار خلف التطرّف الذي تمثّله –بالنسبة لأدرعي- حركة المقاومة الإسلاميّة حماس في غزّة.. والعجيب في أمر الرّجل أنّه لا يكلّ ولا يملّ ولا يتأثّر بالكمّ الهائل من التعليقات التي تردّ عليه وتكشف خبثه وكذبه وتطفيفه في الميزان؛ ما يشي بأنّ العدوّ الصهيونيّ يولي اهتماما بالغا بحربه الإعلاميّة والثقافية على الإسلام ورجاله، تماما كما يولي الاهتمام بحرب السّلاح.
ما يلفت الانتباه في كلمات “أفيخاي” ونصائحه أنّه، كثيرا ما يستدلّ بنصوص من القرآن الكريم والسنّة النبويّة، بذات الطريقة التي يستدلّ بها بعض المسلمين السائرين في ركب “الإسلام العلمانيّ”، وهو يدرك جيّدا طبيعة مهمّته في الترويج للإسلام النّاعم، أو الإسلام منزوع الدّسم، على أنّه الإسلام الحقّ الذي حرفته حركات المقاومة! لذلك يستند في كثير من الأحيان إلى فتاوى وأقوال بعض العلماء الرسميين في مصر والسعودية، على اعتبار أنّها تمثّل إسلام الرّحمة، في مقابل فتاوى وأقوال علماء ودعاة يزعم أنّهم علماء فتنة وإرهاب!
هذا الخطاب الذي يتبنّاه أدرعي، هو خطاب مرفوض في الأوساط الإسلاميّة وبين جماهير المسلمين الذين يدركون بفطرتهم أنّه يوطّد لـ”إسلام” يراد له أن يكون بديلا للإسلام الحقّ، لكنّه مع كلّ أسف يتّفق كثيرا مع “الإسلام” الذي تدعو إليه بعض طوائف المسلمين ويروّج له كثير من المحسوبين على العلم والدّعوة، وهي ذاتها النّسخة التي أوصت مراكز الأبحاث الأمريكية والغربية بدعمها، تارة بالترويج للتصوف، وتارة للمدخلية العلمانية، وتارة للدعاة الجدد الذين يروجون لنسخة مشوهة من الإسلام تصهر الدين الخاتم في بوتقة الإنسانية وتلزم المسلمين مبدأ “من ضرب خدك الأيمن فأدر له الأيسر”! وتجرّد دين الحقّ من حركيته وواقعيته، وتبعده عن السياسة وعن الاهتمام بقضايا الأمّة وواقع المسلمين ومستقبلهم.. نسخة تركّز على المواعظ والرّقائق والأخلاق والآداب، وبعض الشّعائر الظّاهرة، وتزهّد في كلّ ما له علاقة بالتّدافع الحاصل والمستمرّ بين الحقّ والباطل والخير والشرّ.. نسخة تغري المسلمين بأنّ القضية الفلسطينية هي قضية تخصّ الفلسطينيين وحدهم، وفي إمكانهم حلّها مع الصهاينة بالحوار! وهكذا كلّ قضايا الأمّة الفاصلة؛ فهي –وفق “الإسلام” الجديد- قضايا صراع بين الإرهاب والنظام العالمي الرسميّ، لا تهمّ نتائجه، فالأطراف كلّها على خطأ، وضحايا الصّراع، ليس لهم علينا حقّ آخر غير دعوات مختصرة في خطب الجمعة والعشر الأواخر من رمضان، بأن يفرّج الله كربهم ويحقن دماءهّم!
وعودا على بدء، فإنّ خطاب “أدرعي” ليس بدعا في واقع الأمّة الإسلاميّة، بل إنّ كلماته تكاد تتطابق مع كلمات كثير من المنتسبين إلى العلم والدّعوة، ممّن يضبطون خطاباتهم وفق نزوات بعض الجهات في بلاد المسلمين التي تهتمّ بدورها بالعزف على إيقاع ما يريده الرّجل الأبيض! وفي أقلّ الأحوال سوءًا تضبط كلمات هؤلاء العلماء والدّعاة ضمن أطر ضيّقة لا تخرج عنها، فتجد العالم أو الداعية يحدّث النّاس ويتوسّع في الحديث عن قضايا بعيدة تماما عمّا يشغل بال المسلمين ويذيب قلوبهم، كأن يحدثهم عن حكم التّصوير وحكم الإيموجيات أو يرغّبهم في تعدد الزوجات، في الوقت الذي تشرع فيه وسائل الإعلام شاشاتها للشّهوات، وتوضع العقبات على طريق الحلال أمام الشّباب، وفي الوقت الذي تغيَّر فيه النظم والقوانين لتتّفق مع ما هو موجود في بلاد الغرب، ورحم الله سلطان العلماء العزّ بن عبد السّلام حينما قال: “من نزل بأرض فشا فيها الزنى، فحدث الناس عن حرمة الربا فقد خان”، هذا فيمن يسكت عن بيان حرمة الربا ويجبن عن مواجهة من يروّجون له في بلاد المسلمين، كيف بمن يسكت عن قضايا الأمّة المصيرية!
ختاما نقول: الإسلام ليس دينا قائما على إيقاد العداوات، لكنّه لا يقبل للمسلم أن يرضى بالدنية ويقدّم كلّ التنازلات ليوصف بالاعتدال الذي تحدّد معاييره مراكز لا تريد أن يبقى للإسلام اسم ولا رسم! والمسلم الذي يرضى لنفسه الانعزال عن واقع أمّته لا يكون مؤمنا ولا يعفى من العتاب والعقاب، وحتى وإن كانت ظروفه لا تسمح له بخوض معارك أمّته، فهو لن يكون كالمسلم الغيور على دينه وأمّته المنافح عن قضاياه بكلّ ما أوتي من قوة!