أكرمكم عند الله أتقاكم
إلى زمن غير بعيد، كنا ومازلنا نبتهج لصور لاعبي الكرة المسلمين من الجزائريين فغُّولي وسليماني إلى التركي تورام والمصري محمد صلاح، وهم يخرّون سُجَّدا في ملاعب العالم أمام مرأى مئات الملايين من الناس، شكرا لله، عندما يدكُّون شباك المنافسين بالأهداف، وكان التذكير بالهوية وبالإسلام في عزِّ لعب الكرة، هو في حدّ ذاته الذكرى التي تنفع المؤمنين. وصراحة، لا أحد تصوّر أن تجبر قطر ملايير البشر، من عشاق لعبة كرة القدم والفضوليين الذين أرادوا مشاهدة بلاد صغيرة في قلب الصحراء تجمع العالم، والذين راهنوا على فشلها، لا أحد تصوّر أن يبدأ الافتتاح المونديالي بآية قرآنية من سورة الحجرات تقدِّم حقيقة الإسلام كأول من ذكّر الناس بأنهم من أمّ واحدة وأب واحد، ليكونوا شعوبا وقبائل.
وببساطة وفي دقائق معدودات، عرف العالم طيبة هذه الأرض وشعبِها وتقدُّمَها الذي ما عاد يُخفى عن أحد في زمن حساس بيّنت فيه أزمة كورونا بأننا كلنا ومن دون استثناء، ما أوتينا من العلم إلا قليلا أمام الفيروس المجهري، وبيّنت فيه أزمة أوكرانيا بأن الكل سواسية، وعلى أقل تقدير، هم تراجعوا خطوة، ونحن تقدمنا خطوة، ونعرف جميعا بأن رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة.
التحدي الذي رفعته قطر منذ أن فازت بشرف تنظيم كأس العالم في أواخر سنة 2010، ومن خلال المنشئات المدهشة، التي بذلت لأجلها ملايير الدولارات والجهد الذهني الإبداعي، ما كان ليكون له طعم، لولا هذه النخوة التي قدَّمت بشموخ قطر والخليج العربي وبلاد العرب والمسلمين في أحلى صورة، وسيكون من الصعب على أي أمة أن تطاول هذا التحدي فما بالك أن تشكّك فيه أو تطعن في صفائه ونقاوته.
أسست قطر لدول العالم وخاصة جيرانها العرب، طرق الوصول إلى المجد، المبنية على الإصرار والتحدي المدروس والتمسُّك بالهوية، فقد كان صعبا مقاومة قوى العالم الكروية والسياسية والحقوقية، وهي تجمع كل ما أوتيت من قوة لإجبار الدولة الصغيرة والتي لا تمتلك تقاليدَ كروية عريقة مثلهم، على التخلي عن قيمها الدينية والعربية، ومع ذلك قاومت بكثير من الثبات، فجاء الانتصار ساحقا، ومنح للمسلمين في كل بلاد العالم جرعة أمل لأجل أن يعودوا من الرياضة إلى بقية المجالات، فقد سمعنا مهندسا من هولندا يتحدث عن قطر ويصفها بـ”البلد الخارق” في تطوره ويقول إنه زار كل بلاد العالم، ولم يكن يظن بأن على وجه الأرض بلادا مثل قطر، جمالا راقيا وازدهارا.
تابعنا على مدار عقود، الكثير من “المونديالات” التي احتضنتها بلادٌ وشعوبٌ من مختلف القارات مثل كوريا الجنوبية والمكسيك وجنوب إفريقيا وروسيا، ولم نلمس قطّ تحدّيا وعزة وانتصارا، مثل الذي حققته قطر وترجمته عبر حفل افتتاح بسيط جدا، وبليغ جدا.. واختصر نهاية الآية الكريمة: “إن أكرمكم عند الله أتقاكم”.