منوعات
أكد أن المنصات الرقمية اختزلت على الفنان سنوات من الجهد.. كريم فيصل حريق

“ألحان وشباب” مدرسة.. قانون الفنان ضرورة ولا بديل عن التكوين

حاوره: محمود بن شعبان
  • 450
  • 1

دعا خريج مدرسة “ألحان وشباب” كريم فيصل حريق في حوار مع الشروق، الجيل الجديد من الفنانين إلى التكوين لبناء مسيرة فنية صحيحة، كما كشف عن دور المنصات الرقمية في الدفع بوتيرة الإنتاج كظاهرة جديدة لاختزال سنوات من العمل الفني.

عرفك الجمهور بعد مشاركتك في برنامج «ألحان وشباب»، لكن بدايتك كانت قبل ذلك بكثير، حدثنا عن الانطلاقة.

بدايتي في عالم الفن كانت من مهرجان الأغنية الوهرانية عام 2009، حيث كانت بحوزتي أغنية لم يكن بوسعي تسجيلها بسبب ضعف الإمكانات المادية، وبعد أن أسمعتها للموسيقار باي بكاي أعجب بها فقام بكتابة نوطاتها فأديتها على الخشبة ونلت بها جائزة أحسن صوت رجالي في منافسات مهرجان الأغنية الوهرانية الذي توّجت فيه بعد عام أيضا بجائزة أحسن صوت وكلمات ولحن، ما فتح لي الباب واسعا للمشاركة في مسابقة «ألحان وشباب» التي تعلمت منها الكثير ودخلت عالم الفن على أسس أكاديمية صحيحة جعلت اسمي مطلوبا في الساحة الفنية.

إلى أي مدى ساهمت مشاركتك في برنامج «ألحان وشباب» في صناعة نجاحك؟

يمكن القول إن مدرسة «ألحان وشباب» قد اختصرت لي سنوات من العمل للتعريف بموهبتي، فالكثير من الفنانين يحتاجون لعدة أعمال وسنوات من العمل للتعريف بأنفسهم عند الجمهور وهذا ما اختصرته في برنامج «ألحان وشباب» الذي منحني الفرصة بعد التخرج في الدخول مباشرة في الساحة، فحاولت جاهدا تقديم ما يليق بالجمهور للحفاظ على مكانتي وسط الأصوات الشبابية الكثيرة التي تزخر بها الساحة الفنية حاليا وتحديد هدف بلوغ النجومية منتهجا خطى الكبار أمثال خالد، مامي، نصرو وصحراوي.

هل اكتشفت شخصيتك الفنية مع الوقت وإلى أي نوع موسيقي تصنف موهبتك؟

أعتبر نفسي مطربا للراي والأغنية العصرية، مع العلم أن هناك العديد من الظروف التي تساهم في ميلاد الشخصية الفنية وتصنيفها،على غرار الظروف المعيشية للفنان والطابع الموسيقي الذي تربى عليه وحتى المستوى الثقافي والاجتماعي والبيئة أو المنطقة التي ترعرع فيها، فأنا ولدت وعشت في الغرب الجزائري وتربيت على الأغاني الرايوية والوهرانية، ما ولد فيّ موهبة أداء الراي بشكل تلقائي وهذا في حد ذاته ما يشكل الشخصية الفنية للمغني، لكن هذا لا يمنع من تكوين أنفسنا وتلقينها طبوعا أخرى تتماشى مع قدراتنا الصوتية وهذا ما تعلمته في مدرسة «ألحان وشباب» التي أدينا فيها كل الطبوع الموسيقية.

ما هي أولوياتك في بناء مشوارك الفني وكيف تقيّم واقع أغنية الراي؟

تنقسم الساحة الفنية حاليا إلى قسمين أساسيين، فهناك أعمال فنية موجهة للتسويق وأخرى موجهة للمسابقات والمهرجانات، لذا أحاول دائما الموازنة بين هذين الشقين، حيث أنتجت عدة ألبومات مع كبار الكتاب والملحنين أمثال توفيق بوملاح في 2015 والتي طرحت في الأسواق وحققت نجاحا واسعا ومبيعات مقبولة، كما قدمت عديد الأغاني المخصصة للمسابقات والمهرجانات أهمها أغنية “جاوني في ثلاثة” في الطابع الوهراني التي مثلت بها الجزائر في مهرجان الأغنية العربية بتونس مع فرقة قرطاج تحت قيادة بشير السالمي، كما حظيت نفس الأغنية بإعجاب الفنان والموزع الموسيقي المقيم بأمريكا سيمو الفيلالي الذي أعاد توزيعها ونلت بها جائزة رئيس الجمهورية علي معاشي للمبدعين الشباب في 2016، كما قدمت عديد الأغاني الموجهة للمسابقات والمهرجانات على غرار أغنية “سيدي عبد القادر” من تلحين قويدر بوزيان والتي خصصتها للمشاركة في مهرجان الأغنية الوهرانية.

حسب رأيك، ما هو الفرق بين الأغنية الوهرانية وأغنية الراي؟

التاريخ يسبق الموسيقى بكل طبوعها، فالأغنية الوهرانية ملتزمة ولدت من التاريخ والهوية الجزائرية، تتميز باللحن والكلمات والتوزيع وبعزف اركسترالي يرتكز على الآلات الوترية كالعود والكمان، إلا أنها تنقسم إلى نوعين بارزين، الأول بدوي كمدرسة بلاوي الهواري التي تحوّلت من القلال والقصبة إلى القيتارة والكمان والأكرديون، أما الثانية فتمثل مدرسة أحمد وهبي الكلاسيكية الطربية التي تظهر تأثره بالمشارقة كمحمد عبد الوهاب، أما الأغنية الرايوية فلا يمكن أن ننكر أنها اشتقت من الأغنية الوهرانية من خلال عدة أسماء كالشاب خالد ومامي اللذين أدياها بشكل عصري كأغنية “ما عندي حاجة في الناس”، “وهران وهران” فنقلاها من الطابع الوهراني إلى الراي بآلات حديثة مع الاحتفاظ باللحن والكلمات، إلا أن “الراي” المؤدى حاليا يختلف تماما عن سابقه حيث أصبح يعبر عن الشارع دون الاكتراث بالكلمات التي صارت تمتزج بلغات أخرى كالفرنسية والاسبانية لتركب على ألحان وتسجل في الاستوديو فتطرح على شكل ألبومات كثيرا ما تحقق النجاح بسبب إقبال الجمهور الشاب عليها فأصبحت مطلوبة.

انطلاقا مما سبق.. هل يمكن اتهام الأغنية الرايوية بالتدهور؟

أحيانا يجب أن نلتمس الأعذار لمغنيي الراي، لأن الأذن الموسيقية والأذواق الحالية مختلفة عن سابقاتها، فلو قمنا باستطلاع بسيط وسط الجمهور وإعطائه الخيار بين الأغنية الوهرانية والرايوية الحالية لاختار هذه الأخيرة، وذلك راجع لانفتاح الشباب على الطبوع الأجنبية والخفيفة بالإضافة إلى وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت تنقل أجواء الملاهي إلى المنصات الرقمية وإتاحتها للجمهور دون احترام مبادئ الأغنية النظيفة أو الصوت اللائق، ما فتح الباب أمام الدخلاء على الفن للغناء مركزين على المؤثرات الصوتية التي يختبئون وراءها لإخفاء عيوب أدائهم دون ضوابط، وهنا يجب أن يظهر دور الفنان الحقيقي لتمييز نفسه عن غيره من الطفيليين وذلك من خلال العمل الدؤوب واحترام القواعد الأساسية في الأداء الموسيقي، ذلك ما يفرض اسمه في الساحة حتى وإن كان قد امتهن الملاهي إلا أنه يبقى علامة فارقة وهذا ليس بجديد فالكثير من الفنانين المعروفين مروا من الملاهي إلا أنهم لم يتأثروا بسلبياتها فقط لأنهم أثبتوا قدرتهم في الحفاظ على أغنية الراي رغم كل الظروف، من هنا نستنتج أنه على الجيل الجديد الاقتداء بكبار أغنية الراي الذين لطالما أدوا هذا النوع الموسيقي بكل أمانة رغم عصرنة الآلات المرافقة له فتكلل جهدهم بإيصاله إلى العالمية مثلما فعل مامي، خالد، الريميتي وغيرهم، فأنا شخصيا قمت بإعادة أداء الأغنية الشهيرة “نسال فيك” للثنائي صحراوي وفضيلة، وقد حققت نجاحا واسعا ونسب مشاهدات عالية فقط لأنني حافظت علي إطارها وطابعها العام رغم عصرنتها وهذا دليل على أن الأعمال المدروسة دائما ما تسجل النجاح رغم الصخب الكبير الذي تثيره الموجة الجديدة من الأغاني أو حتى تغير الذوق العام للجمهور.

لاحظنا في السنوات الأخيرة اعتماد نسب المشاهدة كمعيار لنجاح العمل الفني من عدمه.. ما تعليقك على ذلك؟

علينا أولا أن ندرس ارتفاع نسبة المشاهدة بالمقارنة مع المحتوى المطروح، فهناك أعمال غير لائقة تحقق نسب مشاهدة فقط من باب الفضول، فحتى الفضائح أصبحت تحقق مشاهدات استثنائية وهذا الأمر لا يخدم صاحبها، لأن الفنان الحقيقي هو الذي يقدم أعمالا محترمة ومتقنة والترويج لها حتى وإن حققت نسبا أقل، لكنني أؤمن بأن العمل الجيد مصيره النجاح والاستمرارية وما على الفنان سوى الصبر والالتزام.

هل تعتقد أن الساحة الفنية تحتكرها لوبيات البرمجة؟

أظن أن البرمجة الفنية في الجزائر مربوطة بعدة ظروف أهمها نجاح الفنان مهما كان المحتوى الذي يقدمه، لأن الموجة الجديدة من الفنانين أصبحت تركز على الموضة والأغنية الخفيفة والسهلة تحت “الطلب” ما يرفع من جماهيريتهم وبالتالي نسب مشاهداتهم وهذا في حد ذاته ما يفرض أسماءهم على المهرجانات والمنظمين الذين يجدون أنفسهم مجبرين على تلبية مطالب الجمهور والسوق، وهذا ما تسبب في تغييب عديد الأسماء التي لطالما حققت نجاحا نتيجة استحالة برمجة الجميع في نفس التظاهرة المحدودة من حيث الإمكانيات أو حتى عدد الفنانين المشاركين والمدة الزمنية المخصصة لها، لكن الحمد لله فقد سمحت مختلف النشاطات الثقافية المرافقة للألعاب المتوسطية بوهران على غرار مهرجان الراي والأغنية الوهرانية، وتظاهرة وهران في حفلي افتتاح واختتام الألعاب، بفتح المجال أمام عدد كبير من الفنانين بمختلف الطبوع للمشاركة بفضل جهود القائمين على القطاع الذين برمجوا أكبر عدد ممكن من الفنانين خاصة بعد الأزمة الصحية التي فرضتها جائحة كورونا على مدار عامين.

تسببت جائحة كورونا في اتجاه عديد الفنانين إلى مجالات أخرى على حساب فنهم.. ما تعليقك حول ذلك؟

السبب الأول في تدهور حالة الفنان خاصة خلال الجائحة، راجع لانعدام قانون يحمي حقوقه وينظم نشاطه، فالكثير من الفنانين اضطرتهم الظروف المزرية إلى بيع آلاتهم التي هي جزء من مشوارهم لتلبية حاجياتهم، فيما اضطر الكثير منهم لتغيير نشاطهم لضمان العيش الكريم لهم ولعائلاتهم على حساب فنهم، فأنا شخصيا استثمرت في شهادتي الدراسية للعمل في منصب قار بدوام يومي، وبالموازاة أمارس موهبتي الفنية رغم الوقت الضيق والمحدود الذي خصصته لها، فلو كان الفنان مرتاحا ماديا لكرس معظم وقته للإبداع والإنتاج وإثراء الساحة الفنية بمختلف الأعمال الإبداعية من موسيقى ومسرح وسينما عوض الركض وراء تحقيق احتياجاته وعيشه الكريم على حساب طموحاته الفنية.

لاحظنا في السنوات الأخيرة اتجاه الفنان إلى الإنتاج للمنصات الرقمية وابتعاده عن الطريقة التقليدية.. لماذا؟

الفنان يساير عصره بكل ما يحتويه من تغيرات، فالساحة الفنية حاليا أصبحت تحت سيطرة المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، من دون أن ننسى انتشار ظاهرة الأغاني المنفردة التي يتم تنزيلها عبر مختلف المنصات الرقمية التي اصبحت تحقق أرباحا واسعة ورواجا كبيرا للأعمال الفنية بالمقارنة مع الطريقة التقليدية التي تعتمد على طرح الألبومات الكاملة ولا تحظى سوى أغنية أو اثنتين بالنجاح، لذا أصبح كل المنتجين والفنانين يختصرون الوقت لطرح الأعمال عبر المنصات التي أصبحت قبلة للجمهور الواسع الذي أصبح بدوره يحدد نجاح العمل من عدمه وبالتالي تحقيق إرادات عالية تعود بالفائدة على الجميع، وهذا ما انتهجته في أعمالي الأخيرة على غرار إعادة أغنية “نسال فيك” لصحراوي وفضيلة في شكل فيديو كليب مع الشابة اسمهان، وقد أدى نجاحها إلى تكرار التجربة من خلال عمل جديد بعنوان “ماعندي زهر معاك” الذي تم إطلاقه قبل أسابيع، فيما أفكر حاليا في الإنتاج لنفسي بنفس الاستراتيجية والتقنية الافتراضية لتجسيد مختلف الكلمات والألحان التي تعاملت فيها مع عدة أسماء معروفة في الساحة الفنية الجزائرية.

ما هي نصيحتك للجيل الجديد من الفنانين؟

الموهبة الفنية وحدها لا تكفي، لذا علينا التركيز على التكوين الموسيقي لدخول عالم الفن بأسس فنية صحيحة تمكن الفنان الجزائري من الحفاظ على تراثه وفرض ذاته وتمثيل بلادنا في الخارج، كما يجب الالتزام بهويتنا والحفاظ عليها بالكلمة النقية واللحن الأصيل لنكون خير خلف لخير سلف ونتبع مسار كبار المطربين الجزائريين كمامي وخالد وإيدير الذين أوصلوا الأغنية الجزائرية إلى العالمية.

مقالات ذات صلة