العزلة والصورة والموسيقى بلغة مختلفة.. الجزائريون يكتشفون سينما دول الشمال!
يكتشف الجزائريون خلال الفترة الممتدة من 11 إلى 14 ماي 2026، لأول مرة فعاليات “أسبوع السينما النوردية” الذي احتضنته تظاهرة سينمائية دولية نظمتها سفارات الدنمارك، فنلندا، النرويج، السويد بالجزائر، بالتعاون مع المعهد الثقافي الفرنسي بالعاصمة، في برمجة جمعت بين الأفلام القصيرة والطويلة القادمة من دول الشمال، وفتحت نافذة على سينما تتقاطع فيها الأسئلة الوجودية مع التحولات الاجتماعية والإنسانية.
وانطلقت الفعاليات مساء الاثنين بحفل استقبال رسمي حضرته سفيرة النرويج في الجزائر ثيريز غزييل وسفير فنلندا بيكا هيڤونن، إلى جانب ممثلي باقي سفارات الشمال، في كلمتها، رحبت السفيرة بالحضور ودعت الجزائريين إلى الاستمتاع بهذه التجربة السينمائية، مؤكدة أن هذا البرنامج ثمرة تنسيق مشترك بين سفارات دول الشمال في الجزائر، معربة عن أملها في أن تتواصل هذه التظاهرة في دورات قادمة، من جهته، اعتبر السفير الفنلندي أن هذه المبادرة تشكل فرصة لاكتشاف ثقافة دول الشمال والانفتاح على إنتاجها السينمائي.
وافتُتح العرض بسلسلة أفلام قصيرة حملت طابعا تجريبيا وإنسانيا لافتا، فيلم “موسيقى لشقة واحدة وستة طبّالين” قدّم تجربة بصرية قائمة على الإيقاع داخل فضاء منزلي مغلق، حيث تتحول الأدوات اليومية إلى آلة موسيقية حية في عمل يعتمد على المفاجأة والتناغم، أما فيلم “ابنة الشمس” فقد تناول صراع الهوية والانتماء من خلال تجربة امرأة من شعب السامي تواجه الإقصاء والتمييز، فتعود بها الذاكرة إلى جراح الطفولة والانتماء الثقافي.
في المقابل، جاء فيلم “ريتارداندو” محملا بتوتر داخلي، حيث يعزل فنان نفسه عن العالم في محاولة يائسة للتركيز على الإبداع وسط ضجيج الخارج، في مواجهة رمزية بين الفن والواقع المضطرب، أما فيلم “ياسمين بيتان” فقد حمل بعدا إنسانيا مؤثرا، إذ يروي قصة فتاة تعيش بين ثقافتين بعد انتقال عائلتها إلى الصومال، لتكتشف أن الاختلاف قد يتحول إلى مساحة جديدة لفهم الذات بدل الاغتراب.
وفي الفترة المسائية من اليوم نفسه، عُرض الفيلم الوثائقي السويدي “وقال الملك: يا لها من آلة مذهلة!”، وهو عمل نقدي يتتبع تطور علاقة الإنسان بالصورة منذ بدايات التصوير إلى زمن الخوارزميات، محللا كيف تحولت الكاميرا من أداة توثيق إلى قوة تؤثر في الوعي الجماعي وتعيد تشكيل الواقع الاجتماعي.
في 12 ماي، قُدم الفيلم الدنماركي “الأرض الموعودة”، الذي يعود إلى القرن الثامن عشر، حيث يخوض ضابط صراعا قاسيا لاستصلاح أراض قاحلة في مواجهة نظام إقطاعي متجذر، في حكاية عن الطموح وحدود السلطة والطبيعة.
أما 13 ماي، فسيكون الجمهور على موعد مع الفيلم الفنلندي “مايا: ملحمة فنلندية”، وهو عمل طويل يرصد حياة امرأة تواجه عزلة الطبيعة والفقر والحرب داخل جزيرة نائية، لتتحول معاناتها إلى رحلة لاكتشاف القوة الداخلية ومعنى البقاء.
وتختتم العروض يوم 14 ماي بالفيلم النرويجي “مونش”، الذي يقدم سيرة سينمائية مركبة للفنان إدفارد مونش عبر مراحل مختلفة من حياته، حيث تتقاطع الهواجس النفسية مع التجربة الفنية، في بناء بصري يعكس توتر الإبداع ومعناه.
ويُلاحظ من خلال هذه التظاهرة أن السينما النوردية لا تقدم حكايات منفصلة فقط، بل تنسج خيطا مشتركا بين الإنسان والهوية والذاكرة، حيث تتقاطع اللغات والقصص داخل فضاء ثقافي واحد، يعكس تنوعا داخليا أكثر مما يعكس حدودا جغرافية.
هذا ويعد الدخول إلى جميع العروض مجانيا، ما يجعل من أسبوع السينما النوردية فضاء مفتوحا للتأمل واكتشاف سينما مختلفة، تطرح فيها الأسئلة أكثر مما تُقدم فيها الإجابات.