أمة تائهة بين استحقاقات الدين وشهوات الدنيا
عندما تصر الشعوب الإسلامية على طلب ثواب الدين من نخب هي من أهل الدنيا، ثم نراها اليوم تطالب نخبا من أهل الدين بمتاع الدنيا، فلا بد أن تكون الشعوب الإسلامية قد أصبحت جزءا من المشكلة، مثلها مثل النخب الحاكمة التي ليس من مصلحتها تشخيص مشاكل الأمة، أو البحث لها عن حلول، حتى لا تكون كمن يبحث عن حتفه بظلفه.
أكثر من خمسين زعيم دولة إسلامية التأم شملهم في قاهرة المعز، وقد آل الحكم فيها إلى إخوان من المسلمين، وكان من المفترض أن يخرجوا من قمتهم على الأقل بتشخيص عقلاني وموضوعي لحالة المسلمين المتردية سنة بعد أخرى، لأن العلاج لا يكون إلا بعد تشخيص جيد لمواطن الداء. لكن قمة منظمة التعاون الإسلامي التي يرأس أمانتها العامة الأردغاني أكرم أوغلو، أنفقت اليوم الأول في خطب مقرفة تمجد ذات المنظمة وقادتها ليس إلا، وأنفق اليوم الثاني في صياغة بيانات توفيقية لحفظ ماء الوجه للبلد المضيف، الغارق في أوحال ما بعد الثورة والثورة المضادة، ولبعض الضيوف الذين تحسب لهم المنظمة يعض الحساب، مثل الرئيس الإيراني، وأمير قطر، وممثل السعودية.
.
أجناؤها زعماؤها
القضية الأم التي أنشئت لأجلها منظمة المؤتمر الإسلامي، قبل أن تحول إلى اتحاد للتعاون الإسلامي، غابت عن المؤتمر باستثناء دعوة للخيرين من أثرياء النفط لتمويل أعمال خيرية لصالح الفلسطينيين وأهل القدس، وقد أخرجت القضية الفلسطينية من جدول اهتمامات المنظمة، كما أخرجت من قبل من جدول أعمال الجامعة العربية، بل وحتى من جدول وبرامج الفصائل الفلسطينية المقاومة.
“لا يعقل أن ننتظر تشخيص مشاكل المسلمين من مصدر العلة ذاته، ومصدر العلة الأول لما أصاب العالم الإسلامي هو أنظمة الحكم فيها، وهي في الغالب تدين بوجودها وببقائها للقوى المتحكمة في مصير العالم الإسلامي”
وجه التشخيص الأول كان ماثلا في قائمة الحاضرين، وفي البلد المضيف الذي سوف يقود دفة العمل الإسلامي المشترك قبل القمة القادمة في بلد الباب العالي. فمن جهة الحضور كان لافتا حضور الرئيس الإيراني إلى جانب خصومه من أمراء دول الخليج، وبينهم حرب مفتوحة تنفذ أهم معاركها بدماء ولحم السوريين في الشام، وأخرى في اليمن، وثالثة في لبنان، ورابعة في البحرين. كما أن أحد أوجه التشخيص كان حاضرا في تغييب سورية عن القمة، فيما اعتلى منبرها الزعماء الذين نصبتهم الدبابات الأمريكية في أفغانستان والعراق، وآخرون بعضهم أعلاه حلف النيتو في ليبيا ومالي والصومال، وبعضهم جاءت به ميادين الربيع العربي لإعادة تدوير النظم الفاسدة، وثلة أخرى تدين بعروشها لحماية الأساطيل الغربية لها، ومن بقي منهم يطلب السلامة بخفض جناح الذل من الرحمة، عسى أن تصرف الأنظار عن عرضه.
.
حوار الطرشان بين العلية والرعية
لا زعيم من الذين تداولوا الكلمة على منصة المؤتمر جاء عبر المسارات الشرعية التي لا يطعن فيها، وبإرادة شعبية لم يطلها التزوير، حتى ينطلق لسانه بلا خوف، ليحمل بقية القادة المسلمين على القبول بتشخيص أمراض وعلل العالم الإسلامي، قبل التفكير في إصلاحها، والبحث مع الشعوب الإسلامية عن علاج لها بوصفات محلية، وبما تمتلكه الأمة الإسلامية من موارد مادية وبشرية، ومن موروث حضاري ثري.
ولأجل ذلك لا يمكن التعويل، لا على منظمة التعاون الإسلامي، ولا على الجامعة العربية، ولا على أي تنظيم حكومي أو إقليمي في صياغة تشخيص صادق، قد يفتح الأبواب أمام الإصلاح، حتى لو صرف لهذه المنظمات مال قارون، لأنه لا يعقل أن ننتظر تشخيص العلة من مصدر العلة، ومصدر العلة الأول لما أصاب العالم الإسلامي هو أنظمة الحكم فيها، وهي في الغالب تدين بوجودها وببقائها للقوى المتحكمة في مصير العالم الإسلامي.
أما المصدر الثاني فينبغي أن نبحث عنه في ما آلت إليه النخب العربية والإسلامية من سقوط مشين في التسفل الذهني والفكري، وفي سيولة مفجعة في تعاطيها مع هموم شعوبها، إما بالولاء المطلق، والتبعية المدفوعة الأجر لنظم الحكم، أو بتصدر حملات حمقاء للثورة والهدم، وتقويض النظام والأمن دون إعداد لما بعد سقوط الأنظمة وأحيانا سقوط الدولة.
.
التنزيه المضلل لشعوب ضالة
المصدر الثالث لأمراض العالم الإسلامي هي الشعوب ذاتها، التي يبدو أنها لا تعي ما تريد، فقد رأيناها تطلب بالدين وبأحكام الشريعة من أهل الدنيا، وهي اليوم تطلب متاع الدنيا من أهل الدين، أو ممن زعم أنه من أهل الدين. وهي اليوم تصاب بخيبة من عجز النخب الإسلامية عن تحسين أحوالهم المادية، كما خاب أملها من قبل من نخب أهل الدنيا في التمكين لدين المسلمين، لأنها تطلب بأمرين متناقضين يصعب الجمع بينهما: متاع الدنيا والفوز بالآخرة.
الحلول قد تتكشف لنا بيسر حين يقتنع الإطراف الثلاث: النخب الحاكمة، ونخبها العضوية، وعامة الناس بأنهم جزء من المشكلة، أو أن سلوكياتهم وطرق تفكيرهم هي المشكلة التي ينبغي أن تخضع للعلاج أولا.
“على الشعوب أن تحسم أمرها: إما أنها تريد التمكين لنخب تحرص على التمكين للدين ثم لا تسألها عن أمور الدنيا ومتاعها، أو تسلم نفسها لنخب مؤهلة لتحقيق الرفاهية حتى لو خالفت تعاليم الدين”
الطرف الأول غير مؤهل لمثل هذه المحاسبة لأنه فاقد للإرادة، يدين بكل شيء لمن أوصله للحكم ويدعم ويضمن بقاءه، وهو في كل الأحوال ليس صاحب مصلحة في البحث عن العلاج الذي قد يبدأ بترحيله، ولا طائل من محاصرته بالأسئلة والإلحاح فيها، لأنه لا يمتلك أدوات التغيير حتى لو امتلك إرادة الإصلاح.
الطرف الثاني، المعول عليه في جميع الأزمنة والأمكنة والحضارات لصياغة التشخيص العقلاني لأمراض وعلل المجتمعات، نراه قد ارتكب في وقت مبكر خطيئة قاتلة، حين انقاد وهو يبحث عن الحلول إلى الجاهز منها، المعلب المستورد من حضارات تدرجت شعوبها في مسارات تختلف عن المسارات والاختبارات التي خضعت لها الشعوب الإسلامية، وحين رجع بعض منه إلى المرجعية الإسلامية، لجأ إلى أدوات الاستيراد المعلب لمنهجية تفكير سلفي، قد يكون أفلح في وقته لحل مشاكل الشعوب الإسلامية، لكنه يحتاج اليوم في الحد الأدنى إلى مراجعة وإعادة تحديث وتثبيت في الزمن والمكان والحال.
.
كما تكونوا يولى عليكم
وحتى مع البحث عن أعذار لهذا الطرف، في ما جبل عليه من كسل ذهني له أسبابه، فإن الغفران لا ينبغي أن يطال ميله الفطري إلى تسخير علمه ومعارفه، أو ما استطاع استنساخه منها بطريقة النسخ واللصق من مفردات الحضارات المعاصرة المجاورة، أو من إبداعات السلف الصالح، تسخير علمه بالكامل لخدمة الباطل على حساب الحقيقة، والتسوق به عند بوابات أهل السلطة بدنانير معدودة، وهو في ذلك يرتكب الخيانة تلو الأخرى للشعوب التي أنفقت دما وعرقا على تعليمه، ولا تبخل في تكريم شخوصه عن حق أو عن باطل.
الشعوب بدورها وهي الطرف الثالث المعني بالتشخيص ليست أفضل حال من الحكام ومن النخب، ولست هنا في وارد التمجيد الأعمى للشعوب، التي غالبا ما تخدع بما يدهن لها به الطرفان لتدهن لهما بمزيد من التقبل والخضوع، بثناء لا يشوبه تنقص، وكأن الشعوب كائنات منزهة، معصومة من الخطأ، لا يأتيها الباطل من بين أيديها، وهي عندي في حكم: ”كما تدين تدان” وكما تكونوا يولى عليكم، بل هي في الغالب محكومة بقانون أزلي جاء في الآيتين الكريمتين: “لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ “الرعد 11، وفي الآية الثانية: “ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ” الأنفال 53.
وحتى الآن لا يبدو أن المسلمين قد توقفوا كثيرا عند الآيتين، مع أنهما من المحكم من التنزيل، لا نحتاج مع ما فيهما من البيان إلى التأويل، وأن التغيير هو نعمة من الله يمن بها على عباده بشرط أن يغيروا ما بأنفسهم من فساد، وأن الله لا يذهب نعمة أنعم بها على عباده حتى يغيروا ما بأنفسهم، وهي قصة طوية بحثها الفقهاء وعلماء الكلام في مناظرات شهيرة بين المعتزلة والأشاعرة حول القضاء والقدر في الحالات الفردية، وتصلح عند النظر في أقدرا الشعوب.
.
استخفوا تصلوا
لست متأكدا أن الأطراف الثلاثة هم على استعداد لإجراء مثل هذا التشخيص الأولي، ثم القبول به، والتدبر فيما يمليه على كل طرف من مسؤوليات، ساعة البحث عن مخارج لما تعرفه الأمة الإسلامية من تخلف وفوضى، وقابلية غير مسبوقة لعبث الأمم والدول بها، كما انقادت من قبل بسهولة إلى السقوط تحت نبر الاستعمار.
وإذا كان واقع الحال يدعو إلى اليأس من جهة النخب الحاكمة، ومن جهة جانب من النخب المثقفة العضوية الخادمة، فإن التعويل يبقى على الشعوب صاحبة الشأن، لكي تحسم أمرها بين أحد المسارين: إما أنها تريد التمكين لنخب تحرص على التمكين للدين ثم لا تسألها عن أمور الدنيا ومتاعها إلا من بوابة العدل والإنصاف في توزيع المغتنم والمغارم، أو تسلم نفسها لنخب مؤهلة لتحقيق الرفاهية بما هو متاح من وسائل ثم لا تسألها من جهة الدين سوى بما يضمن للمسلم أداء شعائره دون تنقص أو إكراه.
قديما قال سيدنا عمر: “استخفوا تصلوا” ونحن اليوم، كما نرى، مثقلون بأوهام وأساطير نلهث خلفها دون روية، وبمطالب ورؤى متناقضة تخلد بنا إلى الأرض، وتحبسنا داخل حلقة مفرغة نتوه داخلها منذ عقود، لأننا لم نحسم خياراتنا الكبرى في بناء الدول، وبناء الاقتصاد، وخاصة بناء الفرد القادر على الابتكار والإبداع في السراء والضراء، مستعينا بما يتخيره من تراثه الحضاري الثري الذي لا يحتاج معه للتسوق في دكاكين حضارات الشعوب المجاورة.