-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

أمة.. خارج الاختصاص

أمة.. خارج الاختصاص

اكتشف المسيحيون عند احتكاكهم الأول بالحضارة الإسلامية في الأندلس، أن قوة هذه الحضارة إنما تكمن في أن حُكّامها وعلماءها كل يعمل في اختصاصه، إن في السياسة أو الطب أو الحكمة أو الفلسفة أو العلوم الشرعية أو الشأن العسكري، وعندما قارنوا أوضاعهم المتمثلة في سيطرة الكنيسة على الدين وعلى السياسة وعلى العلم، استنتجوا أن قوة هذه الدولة التي تمكّنت من الوصول إلى قرطبة وصقلية، وأثّرت في كل أوروبا الجنوبية آنذاك، وتمكنت من تقديم نموذج حضاري متقدم أصبح مضرب الأمثال في القوة والتسامح، حيث كان يعيش جنبا إلى جنب ابن رشد المسلم وابن ميمون اليهودي وألفونس العاشر المسيحي، إنما يكمن في عدم تداخل الاختصاصات بها، حيث الفقيه فقيها والسياسي سياسيا والمحدّث محدثا والشاعر شاعرا وعالم الفلك عالما… والكل يعمل في تناغم تام يصنع الحضارة التي أبهرتهم.

وبمقارنة أوضاعهم آنذاك، حيث كانت الكنيسة هي التي تحكم في السياسة وفي العلم وفي الفن، وحيث كان رجال الدين يقحمون أنفسهم حتى في غفران الذنوب، تأكدوا أن لا بديل لهم عن أخذ القدوة من هذه الأمة الإسلامية المتقدمة بمنع الكنيسة من أن تُبقى سيطرتها على كل مناحي الدولة، ومنع رجالها من يحتكروا الدين والدنيا معا. وبالتدريج وصلوا بعد قرون من التطور إلى ما هم عليه الآن من مجتمعات قادرة على إيجاد توازن بين أبعادها الدينية والعلمية والسياسية وغيرها، ووضع كل في مكانه.

 

اليوم عندنا وبدل أن نعود إلى استحضار تجربتنا التاريخية في التعامل مع قضايانا السياسية والعامة، وبدل أن يتعلّم كل منا العمل ضمن نطاق تخصصه وقدراته وكفاءاته، وبدل أن نستفيد من الخبرة العالمية في مجال توزيع الاختصاصات والتكامل فيما بينها، نعود إلى مواقع لا هي تُعبّر عن تجربتنا التاريخية، ولا عن قدرتنا على الاستفادة من تجارب الآخرين. فيتكلم الإمام في الشأن السياسي بما لا يعرف، ويفتي السياسي في المسائل الدينية بما يجهل، ويسعى العسكري لأن يكون أولى من السياسي فيما هو خارج عن نطاقه، ويخرج العالم من مخبره ليتحول إلى مناضل فوق المناضلين… وهكذا تنقلب الأدوار ونسمع غرائب لم نكن نسمعها، ونرى أهوالا لم نكن نراها، كما يحدث الآن في البلاد العربية مشرقا ومغربا، وكما هو الافتاء أصبح يتم تحت الطلب، وإن كان فيه تبرير ليبقى في الحكم من اغتصب.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
9
  • عبد الغاني

    ألتمس في تحليل الأستاذ سيطرة المنزع الأكاديمي المعتمد على مرجعية محددة، إلاّ أن مربط الفرس في هذه المقارنات لا تعود إلى ما سميتموه "التخصص" وإنما ما يلي ذلك من التسامح والتعاون والصداقة، أنا أعتقد -وهذا رأي- أن السرّ يكمن في عدم التطرّف والتعصّب فما من أمة يظهر في بيئتها هذا المرض إلاّ وذهب يعقلها وعلومها، هذا ما حدث للكنسية في أروبا إبان العصور الوسطى وهذا ما يحدث للعالم الإسلامي حاليا، ولكن أريد أن أعرف رأي حضرتكم في مسألة فعالية التراث العلمي وحيينه وكيفية استثماره للتعايش مع تحديات مستقبلية

  • mourad

    الملاحضة الثانية: تقول " وتمكنت من تقديم نموذج حضاري متقدم أصبح مضرب الأمثال في القوة والتسامح" هل كان النموذج السياسي نموذج حضاري متقدم و مضربا للأمثال و هو الذي كان نموذجا للتسلط و أخذ السلطة بالقوة(مجازر العباسيين و التي تقدر بمآت الآلاف إن لم تكن بالملايين و مجازر الموحدين و الحروب الاهلية- مثل الحرب بين الأمين و المأمون والخ...) و توريث السلطة للابناء و الإغتيالات السياسية (مثل قتل الولد لابيه لغرض الحكم - قتل المنتصر لأبيه المتوكل ) و حروب الطوائف في الاندلس و فتنة قرطبة الخ.....

  • mourad

    المقارنة غير صالحة لأن التجارب و الترسبات التاريخية الإنسانية تجعل من الواقع الحالي مغايرا تماما لواقع الناس في القرون السابقة.

  • mourad

    مع إحترامي لك فكلامك عن التخصص عند المسلمين الأوائل غير صحيح بالمرة. ذكرت إبن رشد فقد كان فقيها و فيلسوفا و طبيبا و قاضيا و فلكيا . أين التخصص في كل هذا. مصطلح التخصص لم يكن يعرف في ذلك الزمان لأن العلوم لم تكن من التقدم لتتشعب مثل ما نرى الان. الخطأ المنهجي في كثير من الكلام عن الحضارة التي أقامها المسلمون (وليست الحضارة الإسلامية) و التي دامت 5 قرون أنه نريد إسقاط الواقع الحالي من مظاهر التقدم على واقع المسلمين في القرون االتي تقدم فيها المسلمون.

  • chaabane

    parfoix les choses s'imposent, le medecin Philippe d'ost Blazy était ministre des affaires étrangères, le général Eizenhower était président, le général Degaul était président, le colonel Boumediene était président. en général vous avez raison. à mon avis Benbella devait au moins laisser les affaires militaires pour Boumediene.

  • adel

    صدقت يا أستاذي العزيز للأسف هذه حال أمتنا الآن

  • ياسين

    و كتكملة للعنوان ...و أمة خارج التاريخ أيضا...للأسف الشديد...

  • قادة ولد لمين

    دائما اقولها وسابقى اقولها ولن اترك قولها حتى يتجسد الحلم الذي أتمناه وهوعودة النخب الى رشدها والابتعاد عن طمعها وعن غيها وعن فسادها.عيب الامم برجالها ورجال البلدان نخبها والنخب هي التي تحمي الاوطان من ما يوسوس به الشيطان والذي يؤدي بكل من هب ودب للتفلسف فيما لايعقله ولايعنيه ووصول الانتهازيين من اشباه المثقفين الى الحكم ويفعلون بشعوبهم مالايفعله العدوبعدوه كل هذاوالنخب تؤيدالفعل المشين وتنظرللمفسدين باسم الديمقراطيةوالدين تصفق للظالمين وتشحن المجرمين لتنفيذجرائمهم باكثرقساوةو وحشيةضدالمواطنين.

  • جزائري ح

    اختلط الحابل بالنابل وأصبحنا لانعرف إختصاص حتى أصحاب الحرف البسيطة ، فهناك موظف وتاجر في نفس الوقت ، طبيب وفلاح ، إمام وبزناس في العقار ، نجار وخراص تمر ، أستاذ و تاجر عملة ، والأمثلة كثيرة .