أمدوكال بباتنة.. إحدى أعرق مدن الجزائر تاريخيا وأثريا تعاني الإهمال
تكتسي مدينة أمدوكال التابعة إداريا لدائرة بريكة بباتنة مكانة تاريخية وأثرية عميقة، حيث يصنفها المؤرخون على أنها من بين أقدم مدن الجزائر، إلا أنها تعاني حالة من التسيب والإهمال، بسبب غياب العناية بموروثها التاريخي والأثري، ما جعل عديد الجهات تطالب بنفض الغبار عنها والاهتمام بها، وهي التي أنجبت علماء ووجوها ثورية وفنية ورياضية معروفة، على غرار المفكر أحمد عروة والممثل الفكاهي الشهير عثمان عريوات، وكذا لاعبين اشتهروا في ملاعب الكرة، في صورة كويسي وعويسل وشنوفي وغيرهم.
يؤكد الباحث في التاريخ، الأستاذ أسامة الطيب جعيل في حديثه لـ”الشروق”، بأن أمدوكال تعد من أقدم مدن الجزائر، فهي حسب قوله المدينة التي ظهرت إلى الوجود مع القرن الثاني ميلادي في الفترة الرومانية، لتستمر بعد الفتح الإسلامي إلى غاية يومنا هذا، مضيفا في سياق حديثه “يعود ظهور مدينة أمدوكال إلى الفترة الرومانية، حيث أنشأ الرومان حامية عسكرية تبعد عن مدينة طبنة بـ30 كم تقريبا، وأطلق عليها تسمية AQUAVIVA وتعني ماء الحياة أو الماء الحي لكثرة مياهها النابعة”، وقال محدثنا بأن هذا الحصن العسكري كان على الطريق الذي يربط طبنة بالمنطقة الجنوبية إلى سادوري (الشعيبة) وكاستيلوم ديميدي (مسعد) أو إلى نقرين. وقد استمرت المدينة في دورها المنوط حتى قدوم الفتح الإسلامي لبلاد المغرب القديم، ويضيف الأستاذ أسامة جعيل أنه بعد أسلمة البلاد، وفي عصر الولاة وعهد الوالي عمر بن حفص (151-154 هجري) الذي قام بتحصين مدينة طبنة وجعلها عاصمة للزاب، وصلت جيوش الوالي إلى منطقة أمدوكال وقامت بتحصينها وبناء سور على المدينة.
كانت منطلق الحجاج وهذا سرّ تسميتها بـ”أمدوكال”
اختلفت الآراء حول أصل تسمية أمدوكال فمنهم من قال إن اسمها “أم دكان” نسبة إلى صاحب مخزن كان يقيمه على مشارف المدينة الجنوبية ويأوي إليه المسافرون، وقيل أيضا إنها كلمة بربرية محلية تعني الأصدقاء أو الأحباب. وبصرف النظر عن سرّ تسميتها بهذا الاسم، فإن الباحث أسامة الطيب جعيل يؤكد بأن أمدوكال أصبحت في الفترة الحديثة المدينة التي ينطلق منها ركب الحج الجزائري إلى البقاع المقدسة، وفي تلك الفترة كان يسكن بأمدوكال سيدي محمد سي الحاج الذي قدم في القرن الخامس عشر وأقام بالمدينة، وأصبح نسله وعقبه أمراء ركب الحج الجزائري وهذا ما ذكره حسب محدثنا الرحالة الحسين الورتلاني الذي زار المنطقة تقريبا مابين 1749 و1765 م. وبعد دخول الاحتلال الفرنسي للجزائر، وبموجب قرار صادر في جويلية 1870 تم إنشاء أربعة دواوير تتبع الجهة الصحراوية وهي: بيطام وأمدوكال والقنطرة ولوطاية، وكانت تابعة إداريا لبلدية بسكرة للأهالي، وبموجب قرار 18 ديسمبر 1886 أصبحت تتبع بلدية عين التوتة، ثم ينشأ مركز سكني بموجب قرار 29 ماي 1946، ثم بلدية بقرار 12 جانفي 1957. وحسب الباحث أسامة جعيل فإن مدينة أمدوكال نالت جائزة أحسن بستان على المستوى الوطني عام 1914 لصاحبه عبد الوهاب عروة، مضيفا أن هذه الصفة من تقاليدها، بدليل أن كل من مرّ على المدينة يؤكد طيبة سكانها وحسن نظافتها وتنظيمها.
قدمت الكثير للثورة وأنجبت أحمد عروة وعريوات وكويسي والبقية
من جانب آخر، تملك مدينة أمدوكال ماضيا ثوريا مشرفا، حيث قدمت للثورة التحريرية الغالي والنفيس، وأنجبت رجالا استشهدوا في سبيل الوطن، وقيادات فاعلة على مستوى الولاية الأولى التاريخية وكذا الولاية السادسة (الصحراء)، منهم الرائد عمر صخري الذي لا يزال على قيد الحياة، كما أن أول احتفال وطني بعد وقف القتال كان بمدينة أمدوكال يوم 13 أفريل 1962. وفي السياق ذاته، فقد أنجبت أمدوكال رجالا خدموا الجزائر في مختلف المجالات، على رأسهم الدكتور الراحل أحمد عروة الذي كان مدير جامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة والدكتور جباب نور الدين أستاذ الفلسفة بجامعة الجزائر 02، والممثل والكوميدي عثمان عريوات، كما اشتهرت بإنجابها لوجوه كروية ورياضية معروفة، على غرار الدولي السابق مصطفى كويسي وزميله الراحل عويس كمال، ومؤخرا برز بشكل لافت اللاعب السابق فيصل شنوفي.
النعيمية.. غنية بآثار الرومان في حاجة إلى اكتشاف
ويجمع الكثير من الباحثين والمؤرخين بأن التاريخ القديم لمدينة أمدوكال يعود الى عهد الرومان، بدليل أن النعيمية الواقعة قرب أمدوكال تعد منطقة أثرية تتوفر على كنوز مخفية وآثار تعود إلى عهد الورمان وأخرى إلى ما قبل التاريخ، وقال الباحث أسامة جعيل في حديثه لـ”الشروق” بأنه تلقى صوّرا للمنطقة حول هذه الآثار، ما جعلهم يزورونها في إطار عمل بحثي، حيث وقفوا على طبيعة هذه الآثار التي تعد حسب محدثنا عبارة عن مستحثات تعود لحقبة بعيدة زمنيا، ربما إلى 9 آلاف قبل الميلاد أو 6 آلاف قبل الميلاد، ما جعله يوجه نداء لأهل الاختصاص بغية زيارة المنطقة ودراسة ما بها من آثار قديمة .
ويخلص سكان أمدوكال والعارفين بماضيها التاريخي والأثري بأنها في حاجة إلى عناية من جميع النواحي، وهي المشهورة بنشاطها الفلاحي وماضيها النضالي، وحيازتها على مدينة قديمة في حاجة إلى عناية واهتمام، خاصة في ظل موقعها الاستراتيجي المطل على قلب الصحراء من بوابة الحضنة، ما يجعلها حسب الكثير تستحق أن ينفض عنها الغبار وتحظى بأهمية السلطات والمستثمرين حتى تكون قطبا سياحيا بامتياز، ناهيك عن ضرورة اهتمام الباحثين والمؤرخين بالكنوز المخفية والمكشوفة التي تتمتع بها، بعضها تعود إلى عهد الرومان وما قبل التاريخ. علما أنه في العام 1969 تعرضت مدينة أمدوكال القديمة لفيضانات، ما تطلب حينها وضع مخطط جديد لبناء مدينة أمدوكال الجديدة، وهذا بحضور الرئيس الراحل هواري بومدين الذي قام بتوزيع سكناتها، فيما تم مؤخرا تسجيل موقع المدينة القديمة من أجل الحماية والترميم من قبل وزارة الثقافة.