الجزائر
في الذكرى 56 لأول تفجير نووي فرنسي بالجزائر

أمراض فتاكة متوارثة.. ومواطنون يتمسكون بالتعويض في رقان بأدرار

الشروق أونلاين
  • 5388
  • 4
الأرشيف

يسترجع سكان الجنوب والجزائر عموما في مثل هذا اليوم الذكرى الأليمة لأول تفجير نووي فرنسي بمناطق الصحراء الكبرى، حيث تعرف منطقة رقان بولاية أدرار، وإينغر بولاية تمنراست صمود الأهالي وتمسكهم بالمطالبة باعتراف فرنسا بجرائمها وتعويضهم عن كل الأضرار التي تسببت فيها.

يعتبر الأهالي التفجير النووي، الذي نفذته فرنسا قبل أزيد من 60 سنة بالكارثة، حيث أن آثاره السلبية لاتزال متواصلة إلى اليوم في كامل منطقة الجنوب، ما جعلهم يسجلون تخوفا كبيرا من تكرار المعاناة بالمنطقة، خاصة وأن المنطقة يرون بأنها لم يتبق من ثرواتها الصالحة سوى الثروة الباطنية المتمثلة في الثروة المائية، التي تعتبر أكبر مخزون مائي بإفريقيا والتي ستتضرر بشكل مباشر، حسب ما أكد ذلك العديد من الخبراء والمختصين الذين زاروا المنطقة بعد هذا التفجير النووي.

يتذكر سكان الجنوب ومنهم على وجه الخصوص الرقانيون والمدن المجاورة لهم أول تفجير نووي لفرنسا بالصحراء الجزائرية والمعروف باليربوع الأزرق، وذلك بعد ما تجردت فرنسا من كل قيمها الإنسانية تاركة وراءها شهادات حية للأجيال المتعاقبة تثبت وتأكد جرائمها وعنصريتها ووحشيتها بعد 54 سنة عن المأساة .

في يوم 13  فبراير من سنة  1960، كان يوم مأساة حقيقية للرقانيين وكل المناطق القريبة من هذا التفجير ولكل الجزائريين بدون استثناء وبصمة عار في جبين المستعمر الفرنسي، وذلك عند إقدامه على التفجير النووي بالصحراء الجزائرية، وتحديدا بمنطقة حمودية التي تبعد عن رقان بمسافة 62 كلم بولاية ادرار. 

وتبقى آثار هذا التفجير قائمة حتى اليوم، حيث خلف العديد من الأمراض منها الأمراض الجلدية والتنفسية وأمراض السرطان المختلفة وحالات إجهاض مع ولادات مشوهة تضاف إلى عدة أمراض مختلفة وخاصة المزمنة منها التي انتشرت بشكل كبير في عدة مناطق قريبة من منطقة التفجير النووي برقان. 

وبحلول تاريخ 13 فيفري من كل سنة يجدد أهالي رقان مطالبهم بالحصول على تعويضات ومطالبة الدولة الفرنسية بالتعويض عن كل جرائمها المقترفة في حق الضحايا، ونشير هنا بأن مراحل وأطوار وتحضيرات التفجير النووي، بعد 12 ساعة فقط من الإجراء تم تسجيله على شريط فيديو، ونقل على جناح السرعة إلى رئيس فرنسا “ديغول” للإطلاع عليه، حيث وافق ذلك يومها عقد ندوة صحفية حضرها أكثر من 300 صحفي بمقر – أواقو –  والتي نشطها كل من (غيوما – مسمر)، إلى جانب المسؤولين، في محافظة الطاقة النووية، حيث أعطيت خلالها كل التفاصيل الدقيقة لمراحل صنع القنبلة هذه وصولا إلى تفجيرها . 

 

وقفة مع ساعات التفجير النووي 

دخلت فرنسا إلى رقان سنة 1957 بقيادة جنرالات وضباط سامين متخصصين في المجال النووي، كانوا يقومون بإدخال القنبلة إلى القاعدة العسكرية وداخل الأنفاق المحظورة، حيث كان يمنع الدخول على أي شخص وحتى على بعض الجنود الفرنسيين، ولما انتهت الأشغال سنة 1960، تم التفجير بمنطقة الحمودية بحضور الجنرال – ايبري – وتحت إشراف الجنرال “ديغول”، وقبل التفجير مر مسؤول المراكز الإدارية بالصحراء على الأهالي، والسكان وطلب منهم الاختباء وغلق مساكنهم ووضع الواقيات على أعينهم حتى لا يتعرضوا لقوة الإشعاع، وعند الانفجار، انبعث دخان كثيف على شكل فطر .

وتشير الدراسات إلى أن هذه الإشعاعات، تؤثر سلبا على الإنسان وعلى كل المنطقة حسب الكثيرين من الذين عايشوا الأحداث يشتكون اليوم من مختلف الأمراض، التي لم يتمكن الطب حتى اليوم من اكتشاف دواء لها .

وتعتبر هذه الأمراض عبارة عن آلام تصيب الظهر والكتف والأطراف، بل لم تمس الإنسان فقط، بل تمس الشجر والحجر، حيث أصبحت الأرض غير صالحة للزراعة، خاصة المنطقة القريبة من منطقة حمودية مكان التفجير متأثرة بالإشعاعات، حيث أن هذه التفجيرات يومها لم تمر مرور الكرام، بل اتبعت بتنديدات واحتجاجات واستنكار كبير ضد برنامج فرنسا الاستعمارية بالمنطقة .

 

بصمات إسرائيل واضحة في المنطقة

نجحت فرنسا وإسرائيل في تجاربهما النووية المشتركة، وهما تدركان حق الإدراك أن سكان هذه المنطقة سيعانون لفترة تزيد عن 4500 سنة من وقع إشعاعات نووية لا تبقي ولا تذر ولا تفرق بين نبات أو حيوان أو إنسان أو حجر، ارتكبت فرنسا جريمتها الشنعاء مع سبق الإصرار، ذلك أنها كانت تسعى للالتحاق بالنادي النووي أنذاك، بغية إظهار عظمتها للعالم مع مد الكيان الصهيوني بالتسلح النووي سرا بأي ثمن، كانت أول قنبلة نووية سطحية بقوة ثلاثة أضعاف قنبلة هيروشيما باليابان عام 1945، تلتها قنبلة “اليربوع الأبيض”، ثم “اليربوع الأحمر” حسب ترتيب الألوان الثلاثة للعلم الفرنسي لتختتم التجارب الاستعمارية النووية بمنطقة حموديا برقان بالقنبلة الرابعة والأخيرة التي سميت “باليربوع الأخضر”، وهذا في 25 ابريل 1961 .

وتعتبر تجارب رقان النووية أهم الاتفاقيات التاريخية ببن فرنسا وإسرائيل من خلال الاتفاق السري الذي وقعه الطرفان مع بعضيهما عام 1953، حيث كانت إسرائيل تبحث عن الأرض لإجراء مثل هذه التجارب رغم امتلاكها لحوالي 11 بروفيسورا في الذرة شاركوا في تجارب و6 دكاترة و400 إطار في نفس الاختصاص.

وفي الوقت ذاته، كانت فرنسا تبحث عن الحلقة المفقودة في امتلاك القنبلة النووية بعد أن تخلى عنها حلفاؤها القدماء، أمريكا وبريطانيا، وامتنعتا عن تزويدها بالطرق والمراحل التجريبية الميدانية للتفجير النووي، كما استفادت فرنسا بشكل كبير من رؤوس أموال أغنياء اليهود لضمان القوة النووية للكيان الصهيوني بغية تأمين بقائهم في منطقة الشرق الأوسط.

وبشهادة سكان المنطقة ممن عايشوا المرحلة، فإنهم كانوا يصادفون مدنيين أجانب يتحدثون بلغة غير التي كان يستعملها العسكريون الفرنسيون، ولم يتردد خبراء فرنسا وإسرائيل، في استعمال سكان المنطقة بأكملهم فئران تجارب، أما المجاهدون فيؤكد لنا شاهد عيان أنهم تركوا مكبلين على بعد 200 متر من نقطة الصفر.

وسجلت هذه التجارب تحت عنوان “التجارب النووية الفرنسية شهدتها الصحراء الجزائرية خلال وبعد سنوات الثورة التحريرية”، وما كتب عنها، استبعد من خلال الوثائق التي محت دور إسرائيل من سجل الجريمة رغم مشاركتها الفعلية في التخطيط والتنفيذ.    

 

معالجة الملف تتطلب كل القطاعات للمطالبة بالتعويض 

ويرى الخبراء والقانونيون أن معالجة هذا الملف وتحقيق الأهداف المرجوة، التي لا تتمثل في تعويض الضحايا فحسب، وإنما التكفل بالمناطق التي لاتزال ملوثة إلى يومنا هذا، وتطهيرها من التلوث الإشعاعي مهددة بذلك حياة الإنسان والبيئة، لا تقع على عاتق الدولة وحدها أو أي طرف آخر.

وشدد هؤلاء على ضرورة إقحام المجتمع المدني بالدرجة الأولى، إلى جانب جميع القطاعات الوزارية، كوزارة الصحة والبيئة والري وغيرها في البحث عن علامات التلوث الإشعاعي بالمناطق المشبوهة التي أخفى الفرنسيون حدوث التفجيرات النووية بها وآثارها على سكان المناطق المعنية الذين لايزالون يعانون منها إلى يومنا هذا.

ويعد اكتشاف وتحديد قائمة الأمراض التي تميز تلك المناطق والآثار المسجلة على البيئة والحيوان، سلاحا آخر لمواجهة فرنسا بالحقيقة والملموس قبل المطالبة بالتعويضات والاعتراف من جهة، وجعلها مجبرة على إشراك الطرف الجزائري في عملية تحديد قائمة الضحايا الذين يجب تعويضهم وتسوية الملف، علما أنها وضمن قانونها الخاص بالتعويضات حددت فرنسا عدد الضحايا الجزائريين بـ 500 ضحية.

مقالات ذات صلة