أمريكا.. هل حان وقت انحدارها وسقوطها؟
أعرف أن إعلان هذا العنوان يثير الاستغراب لدى الكثيرين أولئك الذين يتشبثون بلغة الأرقام حول عدد الصواريخ والفرقاطات والطائرات والقنابل الذرية والأقمار الصناعية وسفن الفضاء وخزائن الموازنات السنوية المذهلة للدول الغربية، وفي المقابل يشيرون إلى التخبط في أدائنا وإهدار إمكاناتنا وطاقاتنا وتدمير عواصم المركز في أمتنا واحدة تلو الأخرى من القدس إلى بغداد ودمشق وصنعاء.. فكيف يمكننا إعلان أن الحضارة الغربية تفقد قوة دفعها أو أن نطرح احتمال انحدارها وسقوطها؟!!
بداية لابد من التأكيد على أن الأشياء وكثرتها لا تحسم وحدها المعارك بل لابد ما يبررها من عقائد وقيم وعزيمة ووعي وسلامة تخطيط وتوفر فرص تاريخية مواتية.. وبالتأكيد عندما اندفع الغرب منذ 500 عام كانت قوة الدفع فيه هائلة ولأسباب عديدة ذاتية وموضوعية يتعلق بعضها بنمط ثقافته ورؤيته للحياة والمنافسة والاستهلاك والتجارب العلمية وأخلاقيات العمل المتحركة فيه وفي المقابل انهيار الحضارات الأخرى بعد أن فعلت بها السنن والنواميس فعلها..
لقد كانت دول الاستعمار الإحدى عشر في بداية نهوضها تسيطر على 10 من المئة من مساحة العالم و15 من المئة من عدد سكانه وفي حلول عام 1915 أصبحت تسيطر على 70 من المئة من اليابسة وعلى 79 من المئة من الإنتاج الاقتصادي العالمي..
لقد انساح الاستعمار الغربي بقوة في آسيا وإفريقيا بجيوشه ومستشرقيه الذين ساهموا بقوة في إعادة تشكيل الوعي لدى السكان الأصليين وأدخلوا عليهم أنماطا جديدة في السلوك تخدم العجلة الاستعمارية الامبريالية، فيكفي الإشارة أنه في سنة 1500 كانت العواصم الأوربية كما لو كانت قرى أو مدنا صغيرة ولم تكن الحياة فيها تشهد تميزا عن سواها من مدن العالم وكانت نسبة تطوير الأراضي في الجزائر مثلا وأمريكا الجنوبية أعلى مما كانت عليه في أوروبا.. كما كان للمدن الأخرى ثقافاتها ومنظومات حياتها إلا أن الاستعمار الغربي تمكن من السيطرة الثقافية بمحاولة تدمير نسيج الأمة الثقافي في عواصم الأمة المركزية في اسطمبول وطهران والقاهرة والجزائر وصناعة نخب ثقافية مؤسسة على قواعد تغريبية مستلبة لتكون رديف الجهد الاستعماري.. ولم تقف هذه الحملة عند حدود معينة فلقد شملت كل منظومات الأفكار الدينية والاقتصادية والسياسية.. ومن هنا تشكلت غشاوة سميكة على وعي المجتمع العربي والإسلامي وقلبه.. وهذا ما حقق للاستعمار الفرص المواتية لتحقيق مزيدا من استنزافنا وتدمير مكوّناتنا وهكذا واصل التغريب وظيفته حتى استبدلت منظومة قيمنا في النخبة السياسية فتجاوزت كل الخطوط الحمر وذلك مع سير دورتنا الحضارية نحو القاع انهيارا بعد انهيار برغم مقاومات باسلة تكلل بعضها بانتصارات عظيمة ظلت جزئية في سياق انهيار أمتنا الشامل.. يبدو أن هذا تفسير مقنع لصعود الغرب على مدار 5 قرون المعزز بـ”التنوير والثورة العلمية”..
وصل الصعود الغربي إلى ذروته بعد عمليات منهاتن بنيويورك وسقوط البرجين حيث كانت الفرصة التاريخية سانحة لتغيير أنظمة الحكم في دول “محور الشر” وقلب نظام صدام حسين وقلب نظام طالبان والتحرك في فوضى خلاقة لتغيير خريطة المركز في العالم الإسلامي والوطن العربي حول المحور “فلسطين-الكيان الصهيوني” ولازالت السيناريوهات تتقدم معدلة لإحداث التغييرات المطلوبة.. إلا ان ارتباكا واضحا حصل في قمة الهرم السياسي الأمريكي المتحكم في الغرب كما أن عجزا ينتاب الوعي والسلوك الأوربي..
الحديث هنا عن الامبراطورية الأمريكية “رأس حربة الغرب الامبريالي”، من المهم هنا الإشارة إلى أنه في لحظة الذروة تم انهيار الكتلة الاشتراكية التي كانت شق الحضارة الغربية الأمر الذي أحدث تصدعا رهيبا في عقل ووجدان الرأسمالية الامبريالية وأصابها بدوار القمة..
قبل ذلك تم الانتقال الحضاري من عواصم أوروبا إلى واشنطن الأمر الذي كان له الفضل في عدم انهيار الحضارة الغربية مع سقوط السيطرة الاوربية على البلدان المتحررة، إن الأمر يستدعي قراءات سابقة عن الامبراطوريات الخالية وأسباب انهيارها بعد تسيدها وصعودها.. فلقد سبق وأن حلت انهيارات حديثة للامبراطورية البريطانية والامبراطورية الفرنسية وقبلهما سقوط السلطنة العثمانية وكل ذلك في خلال قرن من الزمن..
ومن خلال قراءة لصعود الحضارة الغربية ومن ثم الامبراطورية الأمريكية وأسبابه وما آلت إليه الأمور بعد مئات السنين نكتشف بسهولة أن القوة الأمريكية في المرحلة الراهنة تعاني في أعماقها من ثلاث نقائص مميتة أولها عجز القوة البشرية فعدم وجود ما يكفي من الجنود في أفغانستان والعراق أدى إلى انهيار الاحتلال الأمريكي في فترة قياسية ولقد تكبدت الجيوش الأمريكية رغم كل ما رافقها من تضخيم وإعلام ترهيبي إلى خسائر فادحة ألقت على القيادة العسكرية الأمريكية تبعات خطيرة قادتها الى الهروب من الميدان.. وترافق هذا مع انحسار الاندفاع العاطفي لدى الجمهور الأمريكي لاحتلال طويل وسيطرة بالقوة على الآخرين وتنامي قوى ضاغطة في المجتمع ضد التدخلات العسكرية في بلدان الاخرين ويكفي أن نعرف أن نصف أعضاء الكونجرس وقفوا ذات يوم ضد جورج بوش عندما اتخذ قرارا بضرب العراق ويجد هذا الموقف امتدادات له في أوروبا بحيث تحركت الكتل الشعبية الكبيرة تدين العمليات العسكرية الأمريكية ضد المناطق العربية والإسلامية تجلى ذلك في خروج الملايين من الناس في العواصم الأوروبية والمدن الأمريكية ضد الحرب على العراق، أما العامل الثالث فيتمثل في العجز المالي المتنامي بعدم وجود ما يكفي من مدخرات في مجالات الاستثمار.. ولقد جاءت الحروب الأخيرة لتكلف الخزينة الأمريكية تريلونات الدولارات..
الخطر على الإبراطورية الأمريكية لا يأتي من مجموعات القاعدة أو قوة دولة من دول العالم الاسلامي في إطار ما تسميه الإدارة الأمريكية الإرهاب الإسلامي ولا من دول المنطقة العربية والإسلامية..إنه يأتي من الأزمة المالية الكامنة في عمق الامبراطورية ذاتها.. حيث طوى النسيان كثير من المؤسسات المالية الضخمة في أمريكا وأوروبا في أعقاب أزمة العقارات.. ويأتي من الارتباك في إدارتها الداخلية والخارجية حيث تكون الأخطاء بحجم الامبراطوريات فالكبار تكون أخطاؤهم قاتلة وأن وصول رجل كترمب إلى أعلى منصب في الحضارة الغربية بكل تردده وشعوره الانعزالي يعبر عن انحسار روح الاندفاع إلى الأمام والتسيد.
لقد أصاب قوة الدفع هذه خروقات واهتزازات عنيفة على الصعيد الذاتي فهل يكون الانحطاط والسقوط هما المصير الذي يخيم على الحضارة الغربية الرقم2؟ هناك إشارات بالغة الدلالة.. فسكان المجتمعات الغربية أقلية بالنسبة لسكان العالم وهي تتناقص اضطراريا كما أن اقتصاديات الصين تسير لتجاوز اقتصاديات الولايات المتحدة وأوروبا التي كانت هي المهيمنة لوقت قريب، كما أن سياسة “العصى الغليظة” الغربية لم تعد تخيف بعد هزائم أمريكا في العراق وأفغانستان، كما أن هناك خلل عميق في المجتمع الاستهلاكي الغربي أظهرته الأزمات المالية في أمريكا وأوروبا مؤخرا، كما أن النخب الغربية تعاني هذه الأيام من مخاوف من الدمار الشامل للبيئة في المستقبل القريب كما يرد في عديد الدراسات والانشغال بها، وكما يشير فلاسفة ومفكرون غربيون كبار إلى فقدان الحضارة الغربية ثقتها بنفسها حيث تطفو على السطح قيادات سياسية واجتماعية وفكرية سطحية أنانية غير مسكونة بعقيدة الاندفاع الحضاري.. ولم يعد لتأريخ أمجاد الصعود الحضاري الغربي من حيز في مقابل التخوفات الرهيبة التي تبثها مراكز الدراسات حول مستقبل الحضارة الغربية بل والعالم.. ويتجلى ذلك في هذا الضخ الكبير للكتابات حول نهاية العالم ومستقبل البشرية.
صحيح أن الحضارة الغربية انجزت مالم تنجزه أي حضارة سابقة لها فهي تحول تاريخي في مسيرة البشرية فلقد عولمت البشرية في أنماط وسلوكات ومرجعيات ثقافية وسياسية من الصعب الانفكاك منها إلا أن الاستعمار الغربي وهو الوجه الخارجي للحضارة الغربية لم يستطع تفتيت النواة الحضارية الصلبة في الشرق الإسلامي ورغم كل ما أنجزه الاستعمار من انتصارات إلا أنه لم يصل إلى نقطة التحوّل الكبرى في عقيدة الشرق التي لاتزال مسكونة بوعد تاريخي لنهوض حضاري وظهور على العالمين.. ومن جهة أخرى لم يحمل في شقه السياسي والأمني الا عنصرية مقيتة عدوانية مما أفقد الحضارة الغربية فرصة أن تكون بديلا إنسانيا.
هذا في الحين الذي لايزال يمتلك الشرق -والعرب جوهره- روحا واعدة وقيما روحية ضرورية معززة بنمو ديمغرافي مذهل ومساحة أرض متوسطة واستراتيجية وطموحات واسعة في الاكتفاء الذاتي والنهضة وتصميم مذهل لنيل الحقوق وانتزاعها وانتشار وعي كوني متفتح على إنجازات الحضارة الغربية.. ورغم الإعياء الظاهر والفوضى المفتعلة إلا أن قوة الدفع الحضاري لدى الشرق -والعرب جوهره- تكفي للانبعاث في اللحظة التاريخية السانحة المتمثلة بتضعضع الحضارة الغربية وكما جاء في القرآن الكريم: “وتلك الأيام نداولها بين الناس”.. تولانا الله برحمته.