أمريكا وتفتيت الدولة العربية
بعد السودان وما جرى على أرضه من تقسيم وإنشاء كيان عنصري في جنوبه بدعم من إسرائيل والإدارات الغربية تتحرك آلة التقسيم إلى ليبيا، حيث لم يخف “ماكين” المرشح الجمهوري للرئاسة الأمريكية المخطط الأمريكي في ليبيا بعد أن يكون قد التقى بأنصار القذافي في طرابلس، حيث أعرب لهم عن تأييد بلاده بانفصالهم في دولة تكون سبها عاصمتها..
من القرن الإفريقي إلى شمال إفريقيا، أصبحت الدولة القطرية التي طالما طالبنا باندماجها في محيط اكبر مطلبا استراتيجيا لنا، فيما نحن نراقب كيف يصار إلى أقطارنا واحدا واحدا لتفتيته وإحالته إلى بلدين أو أكثر كما حصل في العراق وكما تريد أمريكا حدوثه في اليمن ومصر وكما يعد له بإتقان في سوريا.
لطالما اعتبرنا حدود الدولة القطرية مسألة مؤقتة لابد من تجاوزها نحو وحدة عربية أو إقليمية أوسع.. ولطالما تصدى الأحرار في الأمة ضد الديكتاتوريات في بلداننا العربية وضد الفساد المستشري في مؤسسات الدول وإداراتها، ولطالما نظرنا بازدراء إلى الرفض العربي الرسمي الكلامي للعدوان الإسرائيلي..
ولكن السياسة الأمريكية نقلتنا إلى مساحة أخرى من المطالب اصحبنا الآن مخيرين بين ديكتاتورية صدام حسين، أم حرب الطوائف والإرهاب المنتشر في كل مكان.. اصحبنا مخيرين بين حدود الدولة القطرية ونشيدها الوطني وثقافتها المحلية، وبين انكسار هذا جميعه لصالح شعارات حديثة تبعثر الشعب وتغرق قواه السياسية في الفوضى.. أصبحنا مخيرين بين القبول بفساد الإدارات الوطنية، وبين نهب الأمريكان والغربيين لثرواتنا جميعا.. واصحبنا مخيرين بين مزايدة الأنظمة وادعاءاتها الكاذبة حول نصرة فلسطين والقدس، وبين انضوائها في المبادرات الأمريكية الخاصة بالقضية الفلسطينية.
انه الاختيار الصعب والإحساس، وكأن لا فرصة لنا في حياة كريمة، وكأن لا حقوق لنا في التنعم بحق الله سبحانه كفلها لنا وزودنا بها.. ولكن الأولى أن نفكر ليس فقط بالحق، بل بالحكمة وماذا نقدم على ماذا؟!
في السنوات القليلة الماضية نشهد كيف يمزق القطر العربي إلى دويلات، ولقد قرأنا منذ سنوات عن مشاريع الشرق الأوسط الجديد والذي يتجه نحو تفكيك المنطقة عرقيا ودينيا وطائفيا وجهويا.. وكل ما تم توجيهه من خطط أمريكية سياسية وعسكرية وإعلامية كان مقصده الوحيد تفتيت الدولة العربية المعاصرة وإرباك المنطقة بصراعات إثنية لا تنتهي قبل أن يكون الغربيون قد حسموا معارك كبرى في مناطق صراع كوني كبرى.
من هنا بالضبط يجب التنبه إلى ثغرات الاختراق التي يندس من خلالها المشروع الغربي والأمريكي بالذات، ومن هنا بالضبط يجب الانتباه إلى كيفية إدارة الصراع بين القوى السياسية والاجتماعية والثقافية من جهة، والأنظمة القمعية والتعفن والفساد المحلي من جهة أخرى.. ذلك لأن هذا بالضبط باب الاختراق الرهيب الذي تتدفق منه مخططات الغربيين.