الرأي

أمنُ الجزائر والفضاء الإقليمي الإفريقي

فيصل إزدارن
  • 1227
  • 2

تمرُّ الجزائر حاليا بمجموعة من التحديات سواء على المستوى الداخلي أو على المستوى الخارجي، ما يوحي بحسب المحللين بإمكانية إعادة النظر في الأولويات السياسية والعسكرية للمرحلة القادمة، منها بروز رؤى جديدة في الجيش الجزائري بضرورة استكمال احترافية عناصر الجيش الشعبي الوطني وإعادة ترتيب أولوياته الداخلية والخارجية بما يحقق جاهزية أكبر وفعالية في التحرك.

بالنسبة للنظام السياسي، هناك توجٌّهٌ حقيقي بضرورة تفعيل الدور الديبلوماسي للجزائر في المحافل الدولية باستعمال ديبلوماسية هجومية خاصة على الجبهات الإفريقية، لأن ما يحدث حاليا على الحدود المالية والنيجَرية والليبية يتصل بصفة مباشرة بالعمق الاستراتيجي الجزائري. علما أن الديبلوماسية الجزائرية حتى وإن كانت احترافية وصامتة نظرا لتعقيد الملفات الإقليمية، إلا أنّ ثمة عقباتٍ تقف أمامها تحول دون نجاعتها على الساحة الدولية في بعض الملفات العالقة وتدخل قوى إقليمية أخرى على خط المواجهة والتي تحاول فرض رؤاها لحل الأزمات بما لا يخدم مصالح المنطقة على المدى المتوسط والبعيد.

الجبهة الليبية والصراع على النفوذ:

منذ أن اندلعت الحرب الأهلية في ليبيا الشقيقة، وحصول الانفلات الأمني، ما فتئت الجزائر تتابع الوضع عن كثب محاولة منها لتقريب وجهات النظر بين الجهات المتصارعة على السلطة ومناطق النفوذ في ليبيا، ملتزمة في ذلك بمبدإ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. لقد تسارعت وتيرة الأحداث في ليبيا بعد سقوط القذافي سنة 2011، وتدهور الوضع الأمني بسبب تبلور ثلاث جهات متصارعة، وهي حكومة الوفاق الوطني التي كانت بقيادة فايز السراج، وتسيطر على مدينتي طرابلس وسرت وما جاورهما وصولا إلى المناطق المتاخمة للحدود الجزائرية، و”الجيش الوطني” بقيادة المارشال المتقاعد خليفة حفتر، الذي يسيطر بدوره على منطقة بنغازي غربا وما جاورها إلى غاية حدود مدينة سرت، بالإضافة إلى حضورٍ لجماعات مسلحة تابعة لجماعات “داعش” الإرهابية أو أعلنت ولاءها لها، وهناك عدة ميليشيات مسلحة محلية تدور في فلك الأطراف المتصارعة ومن بينها ميليشيات إسلامية.

يفصل بين الجزائر وليبيا نحو 960 كلم من الحدود البرية، ما يمثل تحديا أمنيا وعسكريا للنسبة للجزائر، لنشاط التنظيمات الإرهابية على طول هذه الحدود والتي تتقاطع مصالحُها مع عصابات التهريب وتجارة المخدرات والاسترقاق. كانت الجزائر دائما ترجِّح الحلول الدبلوماسية والنهج السياسي انطلاقا من عقيدتها الدبلوماسية من جهة، وحرصا على استبعاد القوى الأخرى من أن تستحوذ على مناطق نفوذ باسم الحماية والدفاع المشترك، وللأسف ففي هذا المجال هناك العديد من الدول لا تشارك الجزائرَ نظرتها لحل الأزمة الليبية.

وكان حضور الجزائر مميزا في مؤتمر برلين حول الأزمة الليبية الذي عُقد بتاريخ 19 جانفي 2021 بالعاصمة الألمانية برلين؛ إذ حققت الجزائر إنجازا دبلوماسيا وذلك بالتأكيد على الحل السياسي ونزع فتيل الحرب وتطبيق حظر شامل على تجارة الأسلحة والعودة إلى طاولة المفاوضات للتفكير في حل سياسي وإعادة هيكلة قطاع الأمن بكل مؤسساته، ومجمل هذه التوصيات تدخل في إطار مطالب الدبلوماسية الجزائرية في نظرتها لحلحلة الأزمة.

الجبهة المالية ومعضلة الاستقرار السياسي:

لدى الساسة الجزائريين اعتقادٌ عميق بأن أمن واستقرار مالي من أمن واستقرار الجزائر، بحكم أن طول الحدود التي تفصل بين البلدين لا تقل عن 1200 كلم، وتمثل مالي القاعدة الأمامية في صدِّ توسع انتشار الجماعات الإرهابية والجريمة المنظمة الآتية من دول إفريقيا الغربية وصولا إلى خليج البنين، علما أن هذه المنطقة تعجُّ بالجماعات الإرهابية وعصابات التهريب وشبكات الهجرة السرية التي تجعل الجزائرَ محطة عبور أخيرة قبل الالتحاق بالقارة الأوربية عبر البحر المتوسط.

تولي الدبلوماسية الجزائرية اهتماما كبيرا لما يحدث في مالي، نظرا لهشاشة الوضع السياسي هناك وعدم قدرة القوات النظامية المتمثلة في الجيش المالي على التحكم في الوضع الأمني في كامل أرجاء مالي الشاسعة، ففي أقل من سنة عرفت مالي انقلابين عسكريين قامت بهما نفس العناصر العسكرية مما قد يؤجِّج الوضع الأمني في كل المنطقة ويرهن نجاعة اتفاق الجزائر الذي كان ثمرة مساعي الدبلوماسية الجزائر كراعية للمفاوضات وكوسيط بين مختلف الأطراف المتفاوضة والتي تُوجت في 15 ماي ثم 20 جوان 2015 بباماكو بالتوقيع على نص ما عُرف باتفاق السلام والمصالحة المنبثق عن مسار الجزائر، بين الأطراف المتفاوضة الثلاثة وهي الحكومية المالية، وتنسيقية حركات الأزواد ومنصة الحركات الموالية للحكومة المالية.

يعدُّ اتفاق الجزائر صمام أمان لجمهورية مالي لأنه يعبِّر عن وجهة نظر شاملة ومتكاملة لمعالجة كل الخلافات التي تراكمت في مالي منذ عهد تصفية الاستعمار، ولكن هناك مساعي خفية لتعطيل مسار التسوية السياسية ومشروع المصالحة بما أن أحد الموقعين على الاتفاق قد تم اغتياله في بحر شهر أفريل 2021 وهو ممثل تنسيقية حركات الأزواد (CMA) سيدي براهيم ولد سيداتي، الذي استهجنته الخارجية الجزائرية ورأت فيه محاولة يائسة لتعطيل مسار المصالحة واستتباب الأمن.

إشكالية التدخل خارج الحدود

لقد استثمرت الجزائر كثيرا في مشروع هذا الاتفاق لتأمين حدودها الجنوبية على المدى البعيد وجعل المناطق الشمالية المتاخمة للحدود الجنوبية مناطق منزوعة السلاح، وحسب بعض المحللين فالجزائر لا ولن تقبل بتواجد عسكري فرنسي في هذه المناطق في إطار حملة برخان الفرنسية. وتحاول كسر الحصار الدبلوماسي والسياسي الذي تحاول بعض الأطراف فرضه على الجزائر لصالح التحرك العسكري الفرنسي وإعادة تنشيط عمل المجموعة الاقتصادية لدول إفريقيا الغربية (CEDEAO). وبعد تشكيل مجموعة 5 (G5) لدول الساحل للتعاون والتنمية والتي تضمُّ كل من موريتانيا ومالي والتشاد وبوركينا فاسو والنيجر عام 2014، وكان الإنشاء برعاية فرنسية، رفضت الجزائر الانضمام إلى القوة العسكرية المشتركة لمجموعة 5 عند مباشرة عملها في عام 2018. يمكن اعتبار فكرة إنشاء هذا التجمع الإقليمي مناورةً للرد على المساعي الجزائرية في التحرُّك في منطقة الساحل في إطار لجنة هيئة الأركان العملياتية المشتركة (CEMOC) التي أنشئت تحت رعاية الجزائر التي مقرّها مدينة تمنراست، وتضم كلًّا من موريتانيا ومالي والنيجر وبرعاية جزائرية سنة 2010، وذلك لمحاربة الإرهاب والجريمة المنظمة وتجارة المخدرات في منطقة الساحل، وحسب موقع كل شيء عن الجزائر (TSA) أنفقت الجزائر في الآونة الاخيرة حوالي 85 مليون يورو على شكل مساعدات لدول الساحل بغية تزويد قوات هذه الدول بالمُعِدَّات اللازمة وتدريب فرقها القتالية على محاربة الإرهاب.

لقد كانت ولا تزال الجزائر وفيَّة لمبدإ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول وعدم السماح بتحرّك قواتها العسكرية خارج حدودها طبقا لما ينص عليه الدستور الجزائري السابق، لكنّ التعديل الدستوري الجديد سمح بذلك بموجب الفقرة الثانية من المادة 91: “يقرِّر بإرسال وحدات من الجيش الشعبي الوطني إلى الخارج بعد تزكيته بأغلبية ثلثي أعضاء البرلمان بغرفتيه”، وهذا التغيير التشريعي يعبر عن تحول في المقاربة السياسية للجزائر لمحاولة تدارك الأوضاع خاصة على حدودها وتأمينها من أي خطر محدق.

مقالات ذات صلة