جواهر
بمجرد أن يكتشف أبناءهم نسبهم الحقيقي:

أمهات كافلات يجدن أنفسهن ثكالى الفراق بعد سنوات

أماني أريس
  • 7397
  • 0
الأرشيف

هي تراجيديات لا عنوان أبلغ لها من المثل الشعبي القائل ” يا مربي ولاد الناس، ويا حامل الماء في الكسكاس ” قصص أمهات استعضن عن شحّ أرحامهن بسخاء قلوبهن، وأغدقن على أبناء من أرحام غيرهن بأصدق مشاعر الحب والحنان والعطاء، ليجدن أنفسهن ثكالى الفراق بعد سنوات من الوهم اللذيذ، بمجرد أن تُكشف أو تنفلت الحقيقة، ويعرف أبناءهم المكفولين نسبهم الحقيقي.

ويحدث أن تنقلب فضيلة الإيثار إلى أثرة تدبّ تدريجيا إلى قلوب بعض الأمهات المنجبات، بمجرد أن يروا أبناءهم قد كبروا وأثمروا وأصبحوا نافعين، فيجنّدن كلّ الحيل والأساليب لإبعادهم عن أمهاتهم المربيات واسترجاعهم إلى أحضانهن من جديد. فهل يحق للأم المنجبة أن تسلب ابنها من الأم المربية بعد سنوات من تعبها وسهرها على تربيته وتنشئته؟ سؤال لن تجيب عنه سوى هذه القصص التي رصدتها جواهر الشروق عن الظاهرة:

 

لعبت بعقلها بعدما أصبحت عروسا 

 تروي إحدى السيدات قصتها بحرقة تقول: ” مرّت اِثنا عشر عاما من زواجي، ولم أرزق بأطفال، فقرّرنا أنا وزوجي كفالة طفل يتيم أو مجهول النّسب، لكنّ ابن عمّه عرض عليه كفالة إحدى توأمتيه المولودتين قبل شهرين، لأنه كان مريضا وضاقت به الحال، ولديه أربع بنات وولد. سررنا كثيرا بذلك، واعتقدنا أن ذلك أفضل وأسهل من اللجوء إلى دور اليتامى والطفولة المسعفة، فسارعنا إلى تنفيذ كل الإجراءات القانونية لكفالتها ” وتواصل السيدة بتأثر وحزن كبيرين:  ” كان نزولها في حجري أجمل حدث في حياتي، وأفضل عزاء لي على سنوات من الحزن والآلام والكلام القاسي الذي سمعته من بعض الناس، نشأت بيننا في كنف العز والدلال، وأخبرتها منذ صغرها أن لها عائلتين، وآخذها من حين إلى آخر لزيارتهم.. كانت متفوقة جدا في الدراسة أفضل من كل أخواتها، بدأت أمها تنزعج من مباركات الناس لي والثناء على تربيتها، وأصبحت تتعمد تذكيري بمناسبة وبغير مناسبة أنها ابنتها، وبعدما حصلت على شهادة التعليم المتوسط بمعدل جد مشرف، طلبت مني إرسالها لقضاء الإجازة مع أخواتها، منذ ذلك الحين أصبحت تكثر من زيارتهم، تفضل الذهاب للغداء عندهم بدل أن تأتي عندي مع أن بيتي الأقرب إلى ثانويتها. ورغم حبها و اشتياقها الكبير لي ولوالدها، كنت أشعر أنها تعيش صراعا كبيرا ترفض الإفصاح عنه، وأقرا في عينيها ألف كلام تود أن تقوله لكنها تخاف. وفي أحد الأيام زارتنا والدتها فوجدتني مريضة وكانت ريم تحضر الغداء فقالت لي على مسمعها : ” لو كنت أعلم أنك ستمرضين وتتعبين مبكرا، ما كنت أعطيتك ابنتي، أراها تحولت إلى ممرضة لك وربة بيت وهي مازالت صغيرة..لو بقيت هكذا بيت والدها أفضل لها “..حينها عرفت أنها هي من لعبت بعقلها، وتريد سلبها مني بعدما أصبحت عروسا.” 

 

لحظة الإعتراف أو الإكتشاف 

لحظة الاعتراف أو الاكتشاف؛ هي مخاض المأساة الكبرى إذا تعلق الأمر بمجهولي النسب، الذين يتم إخفاء الأمر عنهم حتى يكبرون، فلا أحد بوسعه أن يتخيل حجم الصدمة، وما يعقبها من الزلازل النفسية لمكفول يسمع لأول مرة حقيقة نسبه، ويعرف أنه ليس ابن تلك العائلة التي ترعرع بين أفرادها، ولا سبيل بعدها لإخماد نار الفضول الغريزي التي تشب في نفسه لمعرفة هويته الأصلية. سوى الدخول في مرحلة جديدة من البحث والتحرّي، وقد يصل الحال ببعضهم إلى الانطواء أو هجران دفء العائلة التي تربى فيها. 

مأساة بتفاصيلها عاشها محمد وزوجته، بكفالته لطفل مجهول الهوية من مؤسسة رعاية الطفولة المسعفة، ومنحه لقبه، وبعد سنوات – يقول محمد – سمع ابنه في فرح عائلي أحدهم يقول أليس هذا الطفل الذي ربّاه محمد ؟ ما شاء كبر وأصبح رجلا! في تلك اللحظة اِلتفت الشاب مستغربا لكلام ذلك الرجل الذي لم يجد طريقة لترقيع الموقف وصرف تركيزه إلى موضوع آخر، فطلب منه ابني إعادة كلامه قبل أن يتدخل رجل آخر من العائلة ويحاول تمويهه لكن ابني كان أذكى من ذلك، واِلتفت يتفحص وجوه الحاضرين بسرعة خاطفة، وملامحهم الواشية بان هناك سر من وراء كلام الرجل..كان موقفا حصحصت فيه الحقيقة ولم يجد مناصا من تأكيدها له.

ويواصل محمد أن ابنه غضب كثيرا لأنهم أخفوا عنه الحقيقة، ودخل في دوامة من التفكير والاعتزال ولم يعد يحدث أحدا، قبل أن يقرر جمع أغراضه، ومغادرة البيت وأصبح ينام في بوتيكة صديقه، لكن هذا الأخير كان شابا صالحا استطاع أن يقنعه بالعودة إلى عائلته، و أمّه التي مرضت ولزمت الفراش بعد مغادرته.  

هذا وتجد عائلات كافلة ( بنية التبنّي ) نفسها مضطرة لهجرة المدينة التي تقطنها حتى لا يكتشف الابن المكفول حقيقة نسبه، خاصة وأن مجهول النسب يبقى اِبن البجعة الأسود، والمتّهم بلا ذنب، ينبذه المجتمع ويتعرّض إليه بالكلام الجارح. 

 

الحلّ في التبكير بالمصارحة 

يشدد الأخصائيون في علم النفس على ضرورة التبكير بإخبار الطفل المكفول بحقيقته، واختيار الأسلوب المناسب لسنّه، عبر تقديم الأجوبة المناسبة عن أسئلته، و تحرّي الصدق بدل النزوع إلى الكذب والإيهام. وهي الطريقة المثلى التي تجنبه التعرض إلى صدمة، إذا علم بالحقيقة من أشخاص غرباء. كما أنّها تجنّب الأمهات أيضا حياة المخاوف التي لا تنتهي من لحظة اكتشاف ابنها المكفول للحقيقة.

مقالات ذات صلة