-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
يتقاضون‭ ‬بقشيشا‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬الأجر‭ ‬القاعدي‭.. ‬ومنحة‭ ‬بـ2300‭ ‬دينار

أميار‭ ‬الجزائر.. من‭ ‬دار‭ ‬البلدية‭ ‬إلى‭ ‬السجن

الشروق أونلاين
  • 4441
  • 0
أميار‭ ‬الجزائر.. من‭ ‬دار‭ ‬البلدية‭ ‬إلى‭ ‬السجن

كانت الساعة تشير إلى السادسة مساء عندما وصل رئيس بلدية مرسط بولاية تبسة إلى منزل أحد المهاجرين، الذي يقطن بسويسرا ويعود بين الحين والآخر إلى مسقط رأسه ببلدية مرسط، خاصة بعد مباشرته إجراءات الاستثمار في محطة بنزين بعد أن حصل على قطعة أرض، لكن تعقيدات بيروقراطية أوحت له بأن أمله التجاري مهدد بالتبخر، فزار مقر البلدية. ولكن أمورا أخرى لم يكن يتصورها حدثت له، فقرر أن يجر المير إلى الفخ الذي أراده. رئيس البلدية دخل ـ وهو لا يدري ـ بيت المهاجر الذي أكرمه بقهوة وقطع من الحلوى ثم منحه »الأمانة«… وخرج رئيس البلدية مطمئنا وما إن حرّك سيارته حتى أوقفته مصالح الدرك الوطني عبر فرقة التحري وفتشت سيارته فوجدت مبلغ 50 مليونا في كيس، اتضح أنها ثمن تقديم خدمة أو بالمختصر المفيد رشوة جرّته إلى الحبس المؤقت الذي يرقد فيه هذا المير الذي هو من أقدم رؤساء البلدية في الجزائر وتابع‭ ‬لأقدم‭ ‬حزب‭ ‬في‭ ‬الجزائر‮.‬‭..‬

السجن‭ ‬وراءهم‭ ‬والرشوة‭ ‬أمامهم
حدث هذا منذ بضعة أيام فقط، ليدخل مسلسل متابعة مختلف أميار الجزائر حلقته 417 وهو رقم مهول يضاف إلى أزيد عن 300 رئيس بلدية من العهدة السابقة لاحقتهم الدعاوى القضائية ومنهم من هُم حاليا خلف القضبان من بين 1514 رئيس بلدية على المستوى الوطني، بقي أمامهم تسعة أشهر ليحملوا حقائبهم في أسوإ فترة انتخابية بالنسبة للأميار في تاريخ الجزائر، ذاقوا فيها عدم رضا الناس الذي لم يتوقف عند حد التظاهر، بل وصل إلى حد حرق سيارات ومنازل رؤساء البلدية، وذاقوا فيها لعنة سحب الثقة من نوابهم وذاقوا المتابعات القضائية التي حولتهم إلى المحاكم ودخل العشرات منهم السجون، ولم يرحمهم الإعلام خلال الآلاف من الاحتجاجات التي هزت الجزائر منذ أحداث الزيت والسكر وانتهت مأساتهم باتهامهم من طرف رئيس الجمهورية الذي حملهم  إفلاس برنامج التنمية الضخم صراحة، مما يعني أنهم منبوذون من طرف الجميع رغم حالتهم الاجتماعية المتواضعة مقارنة مع أصحاب بقية المناصب، إذ يتقاضى رئيس البلدية، أو رئيس المجلس الشعبي البلدي دخلا ماليا شهري صافيا لا يتجاوز 15 ألف دينار، إضافة إلى 2310 دينار، عبارة عن منحة تسمى منحة التمثيل كمنتخب، ويتقاضى المير في هذه الحالة راتبا لا يتجاوز 17230 دينار شهريا، إذا كان طبعا بطالا في الأصل، ولا يملك أية وظيفة، تمكنه من دخل مادي محترم، ويحتسب دخل رئيس البلدية، بقيمة 80,54 دج للساعة الواحدة، أما إذا كان رئيس البلدية قادما من أي قطاع من القطاعات العمومية والإدارية، فإنه يتقاضى راتبه الأصلي كاملا، زيادة على منحة التمثيل التي لا تتجاوز الـ2300 دينار، خاصة أن القوانين الجديدة منعتهم من ممارسة عملهم الأصلي حتى ولو كان تجاريا باسمهم الخاص وسجل تجاري مع قيادة البلدية.
 ويعيش الكثير من رؤساء البلديات «الذين يعملون بنزاهة طبعا»، وللأسف عددهم قليل جدا، بدليل المتابعين قضائيا، في ظروف معيشية مزرية، إذ لا يملك رئيس البلدية أية امتيازات سوى خط هاتفي وسيارة تخصصها له الدولة، وسكن وظيفي ليس للجميع، معظمه لا يزيد عن ثلاث غرف، ولكن غالبيتهم بدون سكنات وظيفية. ويوجه الكثير من الناس اتهامات خطيرة للأميار ويحملونهم مسؤولية إخفاق كامل مشاريع التنمية المحلية وتدهور المحيط والبيئة والطرقات والأرصفة، وقلة السكنات الاجتماعية ومناصب الشغل، وانعدام الإنارة العمومية وغيرها، على الرغم من أنه لا القانون البلدي السابق ولا الحالي، أعطيا للمير صلاحيات حل هذه المشاكل والصعاب التي تواجه المواطن، والكثير من النقاط التي لها صلة مباشرة بالمواطن ومشاكله ومتطلباته ألحقتها الحكومة بالإدارة وأعطتها الصلاحيات الكاملة في تسييرها، إلى درجة سلمت فيه مشاريع التهيئة الحضرية لمديريات التعمير والبناء، في حين تعطي السلطات لرؤساء البلديات مسؤولية المتابعة والمراقبة فقط، ولم يبق للمير من صلاحية سوى ثلاث نقاط فقط، هي رفع الزبالة وإمضاء بعض وثائق الحالة المدنية وقفة رمضان التي جرتهم للمتابعة والتي لن تكون تحت سلطتهم في رمضان القادم. بينما يواجه هؤلاء مئات المشاكل والعراقيل، على اعتبار أن رئيس البلدية هو الأقرب للمواطن، وكل من له مطلب أو يجري وراء حق من الحقوق لا يقصد إلا باب المير.
وعلى ذكر ذلك، فإن أسوأ فترة قضاها رؤساء البلديات خلال العهدة الحالية والعهدات السابقة، هي عام 2011، كونها أشد قساوة وحدّة، بفعل كثرة الاحتجاجات والاعتصامات والإضرابات، التي تجد دار البلدية الأقرب إليها دائما، مهما اختلفت وتعددت المطالب فإن مقر البلدية هو الضحية، إما الغلق وإما الحرق والتخريب، وإما محاصرة رئيس البلدية، وفي أحيان كثيرة كان رئيس البلدية هو الضحية الأول، بالرغم من أن جوهر المشكل قد يكون له علاقة مباشرة بمصالح الدائرة، أو بسلطات البناء والتعمير، أو مصالح الري والجزائرية للمياه، وحتى الأشغال العمومية والولاية، وكثيرا ما يكون السبب إدارة سونلغاز، جراء انقطاع التيار الكهربائي وضعفه وما تعلق بذلك… وسبق وأن رفع رؤساء البلديات جملة من الاقتراحات تضمنت مطالب برفع أجور رؤساء البلديات والهيئة التنفيذية في المجلس إلى ما فوق الستة ملايين سنتيم بالنسبة للنواب، وتحديد مبلغ 120 ألف دينار بالنسبة للمير، لكن ذلك لم يتم دراسته حتى من قبل وزارة الداخلية، وحتى البرلمانيين الذين هم أصدقاء الأميار والكثير منهم دخل قبة البرلمان بدعم من رؤساء البلديات لم يدرسوا أبدا أحوال رؤساء البلديات، حيث درسوا منذ أسبوعين ضرورة رفع سحب الثقة من رؤساء المجلس الشعبي الولائي وتركوا رئيس البلدية وحده يتخبط في الطوفان الشعبي وهيئته في نظر الناس أنها المسؤولة الأولى عن الوضعية التي تعيشها كل البلديات، وهو ما جعل بعضهم يقترح احتجاجا وطنيا على طريقة احتجاج المواطنين، لأن كل الشرائح طالتها زيادة الراتب وتحسين ظروف العمل إلا رئيس البلدية الذي بقي كبش فداء تطاله السكاكين من القاعدة ومن القمة، مع الإشارة إلى أن الكثير من رؤساء البلديات تورطوا، بشكل أو بآخر، في تسويد صورة الأميار بممارسات الرشوة والتبزنيس واللعب تحت الطاولة وفوقها، وعدم احترام الشعب وعدم إعطاء اهتمام وقيمة لمشاكل من انتخبوهم، وهذا ترك انطباعات سيئة لدى عموم الناس بأن المير هو أسوأ خلق الله.
 
الأميار‭.. ‬يا‭ ‬ظالم‭ ‬يا‭ ‬مظلوم
فيما راح العشرات منهم ضحايا لتصفية حسابات وصراعات سياسية وحزبية وعروشية وغيرها، وجنّ الكثير منهم بفعل ضغط مشاكل وهموم البلدية والمواطنين، فيما توفي بعضهم بأزمات قلبية حادة، كما هو الشأن مع رئيس بلدية سكيكدة الأسبق فرحات غناي ونائبه، اللذين توفيا على التوالي على إثر سكتة قلبية. ويقول العارفون والقريبون منهما، بأنها ناتجة عن ضغوط وممارسات فوقية وتعسفية من مصالح الولاية وهو ما جعل غالبية الأميار ينتظرون يوم الرحيل بفارغ الصبر حتى يهنأون مع عائلاتهم بعيدا عن غضب الشارع وسحب الثقة والمتابعات القضائية وغضب رئيس الجمهورية. ونكاد نجزم أن زمن خمس عهدات بلدية التي عاشها بعض الأميار والتفكير في الترشح لعهدة بلدية أخرى قد ولّى نهائيا، حيث يقسم غالبية الأميار بأنهم بمجرد انتهاء العهدة البلدية الحالية سيُطلقون السياسة ولن يعودوا إليها مهما كان.
في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية وخاصة في فرنسا، لا يمكن أن تتولى رئاسة الجمهورية إلا بعد أن تكون قد تقلدت رئاسة البلدية، لكن في الجزائر رئاسة البلدية اقتصرت على تسيير الزبالة والمناسبات الدينية ومنها الختان وقفة رمضان.
وإذا‭ ‬كانت‭ ‬رئاسة‭ ‬البلدية‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬قصر‭ ‬الجمهورية‭ ‬في‭ ‬فرنسا،‭ ‬فإنها‭ ‬عندنا،‭ ‬في‭ ‬غالب‭ ‬الأحيان،‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬السجون‭. ‬

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!