الجزائر
مهندسون يرعون الماعز وجامعيات يشتغلن في المطاعم

أميّون يديرون شركات ودكاترة لم يطرقوا أبواب الجامعة!

الشروق أونلاين
  • 14568
  • 118
ح.م
مناصب بلا مؤهلات

انتشرت ظاهرة غريبة في الولايات الداخلية، بسبب أزمة البطالة الحادة التي يعاني منها شباب هذه المناطق، تتمثل في استنجاد الإطارات الجامعية وأصحاب الشهادات العليا بمهن أخرى، لا تناسب لا شهاداتهم ولا مستواهم العلمي، وذلك من أجل كسب “الخبزة”، أو على الأقل مصروف الجيب حتى لا يبقوا عاطلين عن العمل، “عالة” على أوليائهم، وحتى لا يطلبوا من الوالد أو الأم إعطاءهم “المصروف”، ومن المفارقات الغريبة أن “أميين” يحتلون مناصب عليا في مؤسسات الدولة وفي البرلمان وفي الشركات العمومية، لا يتقنون حتى استعمال جهاز الحاسوب، في وقت ذاته يتخبط هؤلاء الشباب في ويلات البطالة.

 

وفي هذا الصدد كشفت مصادر من المركزية “النقابية” أن عددا هائلا من الإطارات العليا في المؤسسات التابعة للدولة، ومنهم رؤساء مؤسسات عمومية لا يملكون أي شهادات تؤهلهم لهذه المناصب، وإنما يحتفظون بها بحكم الخبرة التي اكتسبوها في هذا المنصب من جهة، وبحكم علاقاتهم النافذة من جهة أخرى، وقال رئيس نقابة هامة في قطاع النقل أنه على سبيل المثال توجد بعض الشركات في قطاع النقل تتضمن مسؤولين، ليس لهم أي شهادة، ولا يتقنون حتى استعمال جهاز الحاسوب، أو تصفح الانترنت، قالت مصادرنا النقابية “إن هؤلاء المسؤولين الأميين يعتمدون على   السكرتيرة الخاصة” في كل صغيرة وكبيرة، ومنهم من يقرأون ويفهمون اللغة العربية ولا يفقهون حرفا في الفرنسية، ولا يفهمونها، وبعضهم العكس يعرفون الفرنسية ويكتبونها، ولا يفقهون حرفا في اللغة العربية.

ومن “المضحكات المبكيات” أن بعض هؤلاء المسؤولين لديهم شهادة ابتدائية، أو شهادة التعليم الأساسي يجلسون خلف مكاتب فخمة في الإدارات والشركات، ولا يحملون أي مؤهلات تناسب الإدارات التي يديرونها.. وكل ذلك بسبب التوظيف عن طريق “المعارف والوساطة”، هكذا بررت نقابات الشركات الإقتصادية العمومية في قطاع الصناعات الميكانيكية والمعادن ونقابات مؤسسات البناء ومواد البناء والفلين والخشب، والري، ونقابات مؤسسات النسيج والجلود، سبب فشل العديد من القطاعات الصناعية والخدماتية إلى تولي أمورها إلى مسيرين غير مؤهلين على رأسها، قاموا بجرها نحو الموت البطيء، من خلال إغراقها في الديون.

 

سياسيون وكتاب يضيفون حرف “الدال” لأسمائهم لإيهام الناس بأنهم دكاترة

وحسب بعض النقابيين العارفين بخبايا مسؤوليهم في المؤسسات والإدارات العمومية، فإن بعض هؤلاء المسؤولين ذوو مستوى المحدود، سيما من السياسيين، فمنهم من يضيفون حرف “الدال” لاسمهم، كنوع من “الديكور الاجتماعيوالبريستيج، حتى يوهم الناس بأنه دكتور، لكن لا أحد يعرف ما هي هذه الدكتوراه التي يحملونها، ومن أين تحصلوا عليها.

وأكد الأستاذ الجامعي في علم الاجتماع بحري العمري أن “هذه الظاهرة تعتبر من إفرازات أزمة البطالة، فهؤلاء الشباب مخيرون إما السفر إلى المدن الكبرى، حيث تتمركز الشركات الكبرى للبحث عن عمل والعيش بعيدا عن أهلهم في سبيل الخبزة”، وإما أن البقاء مع أهلهم في القرى والمناطق النائية التي يعيشون بها، سيما في منطقة الهضاب والمناطق الصحراوية، ليصارعوا شبح البطالة والفقر والتهميش، ومع مرور الوقت يجدون أنفسهم مضطرين لممارسة أي مهنة أو حرفة متاحة ومتوفرة في المنطقة، والمهن المتوفرة في ولايات الهضاب والمناطق الصحراوية معروفة ومحدودة، وتتمثل على العموم  في راعي أغنام أو ماعز، أو تاجر أو بائع في المحلات، أو مزارع أو فلاح أو بناء أو مساعد بناء، رغم أنه يملك شهادة مهندس دولة في الميكانيك أو في الإلكترونيك أو الكهرباء، أو مهندس دولة في الهندسة المعمارية أو الهندسة المدنية، وهي مهن غير مطلوبة بكثرة في المناطق الصحراوية ومناطق الهضاب، لأن الشركات غير متمركزة هناك، وحتى وإن توفرت فإن عدد المناصب محدود ولا يغطي عدد طالبي العمل.

 

خريجو العلوم الإنسانية أكثر الفئات عرضة للبطالة

وقد أوضح مدير التشغيل والإدماج بوزارة العمل، سعيد عنان، في تصريحات سابقة للشروق اليومي، “أن هناك تخصصات بالجامعة غير مطلوبة في سوق العمل كتخصصات العلوم الإنسانية والفلسفة والعلوم الاجتماعية والحقوق، وهي تخصصات غير مطلوبة على مستوى وكالات التشغيل، لأن عروض العمل التي تصل من الشركات تبحث عن متخرجين في التخصصات الاقتصادية والمالية والتجارة والتخصصات العلمية، وهو ما جعل طلبات العمل المتراكمة على مستوى الوكالة الوطنية للتشغيل، كلها ملفات الشباب المتحصلين على شهادات في التخصصات غير المطلوبة في سوق التشغيل، حيث تبقى ملفات هؤلاء تنتظر عدة سنوات على مستوى الوكالة يجعلهم يفقدون الأمل في الحصول على وظيفة، ويضطرون في غالب الأحيان للقيام بدراسات تكميلية أخرى في تخصصات عملية واقتصادية، لعلهم يتمكنون من الحصول على وظيفة، غير أن ما يحصل في الجامعة الجزائرية هو أنها مازالت تنتج المتخرجين في العلوم الاجتماعية والإنسانية بغزارة، يضاف إلى ذلك أن هناك تشبعا في سوق العمل بالنسبة لبعض التخصصات، بسبب العدد الهائل الذي يتخرج منها سنويا، لهذا لم تعد مطلوبة في السوق، فضلا عن وجود عدد هائل من التخصصات في الجامعة الجزائرية ومراكز التكوين المهني غير مطلوبة، تماما في سوق التشغيل، ومع ذلك مازالت مفتوحة للطلبة، ومازال الطلبة يدرسونها ويتخرجون فيها سنويا، وكل يوم يزداد عددهم دون أن يتم العثور على وظائف لهم، أما التخصصات المطلوبة بكثرة في عروض العمل فهي تخصصات التجارة والمالية العلوم الاقتصادية والإعلام الآلي، الأشغال العمومية، وبعض الخدمات مثل الترصيص والسباكة”.

 

تقني سام في الميكانيك يعمل بناء منذ تخرجه سنة 2002

وتمكنت الشروق اليومي عن طريق مراسليها في بعض الولايات من الاتصال البسيطة برابح وزاني من الأخضرية بولاية البويرة، تقني سام في الميكانيك يعمل بناء منذ تخرجه سنة 2002، دون أن يدرس تخصص البناء، كونها المهنة المتوفرة في السوق، ويقول بأن أربعة آخرين من زملائه يعملون خارج تخصصاتهم، أحدهم مهندس دولة في الكهرباء، والثاني متحصل على ليسانس في الفلسفة، والإثنان المتبقيان متحصلان على شهادة تقني سام في الإعلام الآلي، احدهم التحق مؤخرا بمنصب عون أمن.

 

مهندس في الإلكترونيك يرعى الأغنام والماعز في سهول الجلفة

كما تمكنا من خلال مراسلينا في الولايات من الإتصال بمهندس في الإلكترونيك يرعى الأغنام والماعز في سهول الجلفة ،رفض الكشف عن اسمه، “خالد. أ” من عين صالح 30 سنة متحصل على شهادة في الميكانيك من مركز التكوين المهني يعمل راعيا للأغنام والماعز منذ أربع سنوات، و”هشام. ع” تقني سام في الإعلام الآلي ببلدية بوحجل بولاية المسيلة، يعمل حاليا راعيا للأغنام، بالإضافة إلى خريجي جامعات في علوم الإعلام والإتصال، مضت عليهم السنون ولم يتمكنوا من العثور على منصب عمل، لا كصحفيين لأن مقرات الجرائد كلها في المدن الكبرى، بوسط وشرق وغرب البلاد، ولا كمراسلين لأن الطلب عليهم محدود، “ساعد” متحصل على ليسانس في علوم الإعلام يعمل تاجرا، “هشام بوطايع” متحصل ليسانس في الفلسفة يعمل تاجرا كذلك، “توفيق. ر” لديه ليسانس في علم الإجتماع يعمل بناءً، و”علي. ب” 35 سنة متحصل على ليسانس في علوم الإعلام والإتصال يرعى الأغنام مع شقيقه، رغم أنهم أودعوا ملفاتهم في الوكالة الوطنية للتشغيل، إلا أنهم لم يجدوا عملا، لأن هذا التخصص غير مطلوب بكثرة في الولايات الصحراوية وولايات الهضاب.

 

نادلات في المطاعم بمستوى جامعي

أرشدنا الاتحاد الطلابي الحر بكلية الإعلام والعلوم السياسية، في بن عكنون بالجزائر العاصمة إلى الطالبتين “إيمان. ب” من المدية و”ياسمينة . أ” من تيارت، تقيمان في الحي الجامعي ببن عكنون، وتعملان نادلات في مطعم شرقي لتوفير “المصروف”، بينما حولت زميلاتهما داخل الحي الجامعي غرفتهن إلى صالون حلاقة، وبعضهن إلى كشك لـ الفليكسي”.

 

شباب بدون شهادات تحولوا إلى أثرياء

ومن المفارقات الغريبة أيضا، أن شبابا لم ينجحوا في دراستهم، وغادروا مقاعد الدراسة في سن مبكرة، تحولوا إلى أثرياء، وأصبحوا يملكون سيارات وفيلات فخمة، ومحلات في كل مكان، وشركات استراد، بعضهم جمعوا هذه الثروة نتيجة إرث عائلي، وبعضهم استفادوا من قروض، وبعضهم والتجارة غير الشرعية أو “التبزنيسكما نسميها بالعامية، وبعضهم جمعوها بطرق ملتوية، في وقت كان الشباب الذين تحصلوا على البكالوريا منشغلين بإنهاء دراساتهم العليا، وعندما تخرج الجامعيون من الجامعة وجدوا نظراءهم الذين لم يدرسوا قد اجتازوا مرحلة الخدمة الوطنية، واشتروا سيارات وشققا، أما الجامعيون فإن أول شيء ينتظرهم بعد إنهاء الدراسة هو اجتياز الخدمة الوطنية، قبل الانطلاق في رحلة البحث عن عمل، فنجد فتيات لم يدرسن فتحن صالونات حلاقة أو ورشات خياطة، أو حتى محلات لصناعة الحلويات التقليدية، بينما لم تعثر الطالبات الجامعيات على عمل، وكذلك الأمر بالنسبة للشباب، حيث أنهم قضوا حياتهم في الدراسة.

 

مقالات ذات صلة