أمي.. في يوم ست الحبايب
في عيدها لا أجد وردا يليق بها.. وتهرب اللغة التي أسلمتها روحي، وأمنتها على خاصة أسراري، فأوزع على كل الدروب بعضا من حنيني لوجهها البهي ولمسة كفها الندي على كتفي.. في عيدها ينقبض الزمان ليكون لحظة واحدة آوي إلى حجرها.
لم يكن في عاداتنا “عيد الأم” ولعل الأم في بلادنا هي الأولى إن تزين لها الدنيا طرقاتها وتوقد لها القانديل.. فمن مثلها الآن يقطع قلبه على جهات الأرض ويناديها في أحلامه فإذا هي إليها تسعى وتعيش على حلمها رغم العسس والبوليس وأقفال السجون وأوامر الحكام بغلق المعابر.
كم كنت أشعر بالتناقض في يوم الأم ماذا أهدي إليك وأنت المرأة البدوية الرافضة لطقوس الحداثة وثقافة التعليب والورد الذي يفقد رائحته..أنت لخشاش الأرض أقرب وأنت لمرج السهول المتمايلة بالسنابل الممتلئة أقرب.. وأنت لصياح ديكة الفجر أقرب وأنت لصخب الحياة والكدح أقرب.
في يوم أراده الناس عيدا للأم أؤكد لك أنك دوما حية في وجداني، أستجمع روحي بك وأنا أستجمع دعواتك المتواصلة لي واستحضرها كما الغيث الشهي لأرض حرقها العطش كلما ضاقت بيا الدنيا وطاردني عدو وتاهت مني الدروب فأجد الفرج يفتح الأبواب المغلقة..
ستة أعوام مرت وأنا لم أجد سواك لأنه ستة أعوام مرت وأنا لم أجد سواك لأنهل منه طمأنينتي واستقبل منه رضاءه بلا توجس ولا تخوف ولا ترقب لانقلاب.. .. ستة أعوام على فراقك أصارحك أماه أني كنت وأنا في وجودك أكثر قوة.. ولعل رحيلك زهدني في البقاء والبحث عن مبررات استمرار الوجود..
كما تعبتك وأنا مطارد من قبل الصهاينة أو وأنا محتجز لدى أجهزة المخابرات العربية بتهمة أني فدائي.. وكم آلمتك بغربتي الطويلة وسنواتها القاهرة، كنت أعرف أنك فخورة بي وأنك تكابرين أمام جاراتك ونساء العشيرة بصبر يفجر الصبر.. لم تتردد أن تبعثي لي أينما كنت بعضا من الميرمية والشاي وبعض الأشياء.. ودعوات تهوّن عليّ وحدة الغربة وقسوتها، فتلين قلوبا لي وتفتح مسارب حب وإكرام.
أصارحك أنني كنت أستمد من وجودك إصرارا وأنت المرأة الطيبة الدرويشة التي لا تحسن حديثا متواصلا أكثر من دقيقة، مكتفية بالدعاء والكلام المتسامح.
لن أنسى أبدا كل همسة منك أو نبرة أو دعاء أو استبشار وأرجوك..أرجوك أرجوك..أن تغفري لي ماسببته لك من عناء وسامحيني أنني لم أحقق لك أمنيتك أن أكون طبيبا، فلقد اجتهدت أن أحاصر شقيقي وأبنائي وأحفادك بأمنيتك هذه حتى أصبح لك منهم خمسة أطباء.. يشفع لي أني أذكر في نفسي أنك علمتيني عزة النفس والكرامة ولك مني عهد أن لا أتنازل عنهما آبدا، وهذا أعظم الوفاء لك وأن أظلم حاربا عنيدا لا أكسر يراعي ولا أغمد سيفي حتى أغادر دار الفتنة هذه.
أمي لك مني بعض الذي وهبتيني وأسأل الله أن يصلك في هذه اللحظات شوقي وحبي لك ودعواتي بأن يرحم روحك وأن يرحم بفضله وكرمه كل الأمهات اللواتي ودعن أبناءهن وأن يصبرنا على فقد أعز ما في الوجود فهو الرحمن الرحيم.