الرأي

أمّة تخشى فتح الكتاب؟!

محمد حمادي
  • 4591
  • 14

إذا كانت القراءة تنمّي لدى الفرد ملكة التفكير السّليم وتثري رصيده اللّغوي وترفع من مستويات الإدراك والفهم لديه كي يواجه المشكلات التي تعترضه في مشواره الحياتي، فإنّها للأسف لم يعد لها حضور في مجتمعنا، الذي أضحى يرى في فعل القراءة نوعا من الترف الاجتماعي، الذي يمارسه ميسورو الحال في الحدائق العمومية وقبالة البحر، حيث يسرحون بخيالهم، وليس متاحا للبسطاء ومحدودي الداخل، الذين يعتقدون أن معركتهم الحقيقية هي تأمين لقمة العيش لأبنائهم وضمان مستقبل مريح لهم، ينتشلهم من براثن الغبن، لا تبديد وقتهم في تصفح الكتب!

لكن إلى متى نبقى نحمل وصف أمّة اقرأ التي لا تقرأ؟ أما آن الأوان أن نتصالح مع الكتاب الذي مازلنا نناصبه العداء؟ أليس الكتاب خير جليس يُنتشل صاحبه من ظلمات الجهل ويقذف به إلى نور المعرفة؟ الحقيقة المرّة هي أنّ استقالة مؤسسات التنشئة الاجتماعية وفي مقدمتها الأسرة والمدرسة عن أداء أدوارها الحضارية والتربوية، أنتجت أفرادا يحملون عاهات فكرية مستديمة، جعلتهم يكفرون بكلّ ما له علاقة بالمعرفة، التي ينظرون إليها نظرة دونية؛ كونها لا تنتج الثروة التي تصنعها حسبهم التجارة وسائر الأنشطة التي تدر أموالا وتؤمن مستقبلا.

غالبية الأسر الجزائرية التي تصارع على كل الجبهات لا ترى في توجيه أبنائها إلى القراءة سلوكا يجب التحلي به لإنشاء جيل طيّب الأعراق؛ فمبلغ همّها هو توفير لقمة العيش لجميع أفرادها، والنتيجة أنّ عددا هائلا من التلاميذ يودعون مقاعد الدراسة مبكّرا،  ويهربون إلى الحياة العملية؛ فينخرطون في مهن شاقة مقابل دراهم معدودات، ظنّا منهم أنّ هذه هي الطريقة المثلى لمساعدة أنفسهم وعائلاتهم التي تعاني حياة البؤس والشقاء.

“إن شئت ألاّ يسرق منك شيء فضعه في كتاب؛ فهذه أمة تخشى فتح الكتب” مقولة للأسف تنطبق علينا كجزائريين، كون الكتاب يغيب عن يومياتنا ولا نرى له أثرا لا داخل المنازل ولا في الحدائق ولا في المقاهي وسائر الفضاءات العمومية، وحتى مكتبات الزمن الجميل التي كانت تعجّ بهواة المطالعة، تحوّلت إلى مقاهٍ ومحلات لبيع الأكل السريع والبيتزا، وما زاد الطين بلّة أنّ المدرسة التي من المفترض أن تشجع على سلوك اسمه القراءة، لا تؤدي هذه الرسالة الحضارية!

وينبغي القول إنّ معاداة الكتاب ليست علامة مسجلة باسم الجزائريين وحدهم، وإنّما هي ظاهرة موجودة في كافة دول العالم العربي، حيث أشارت لجنة تعنى بشؤون النشر تابعة للمنظمة العالمية للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) أن العرب يتواجدون في ذيل قائمة الأمم المهتمة بالكتاب، إذ لا يتعدّى معدل القراءة ربع صفحة للمواطن العربي سنويا، فيما تأتي الولايات المتحدة في المرتبة الأولى.

وإذا كان بعض المتفائلين بخصوص مكانة “خير جليس” في بلدنا، يضربون المثل بالصالون الدولي للكتاب الذي تحتضنه عاصمة البلد في كل مرّة، وكيف تحوّل إلى مزار لمئات الآلاف من الجزائريين سنويا، الذين يقصدونه من كل ربوع الوطن، فإنّه لابدّ من إبعاد فعل القراءة عن المناسباتية ليكون سلوكا حضاريا يطبع يومياتنا، تتحلّى به جميع مكوّنات المجتمع وتعمل على زرعه  في عقول الجيل الصّاعد، كي ينشؤوا تنشئة اجتماعية سليمة قوامها العلم والمعرفة.

مقالات ذات صلة