الرأي

أمّ الرحلات إلى الصين

بقلم: مشري عمر
  • 374
  • 0

لقد كُنَّا سُعداءَ الحَظِّ عندما عُدنا بعدَ أكثرَ من نِصفِ قَرنٍ إلى الصِّينِ، حيثُ كُنَّا نُتابِعُ تَكوينًا مُدَعَّمًا في مَجالِ الطَّيران. باختصار، عُدنا إلى الماضي، وأخذنا معنا الحاضرَ والمستقبلَ، وكان الماضي هو تلك الذكريات التي جَمَعَتنا برجالٍ استحقُّوا مِنَّا الوفاءَ لارتباطهم بأدوارٍ تاريخيَّةٍ في حياتِنا الشخصية والوطنية، لذلك وجدنا أنفسَنا ونحن نَعودُ إلى هذا البلدِ الصَّديقِ، نتأرجح بينَ ماضٍ محفورٍ في الذاكرة، وحاضرٍ لا يكادُ يُصدَّق.
إنَّ قِصَّةَ الصِّينِ تَكمُنُ في بُروزِ أبطالِ المسيرةِ الطَّويلة، وعلى رأسِهم ماوتسي تونغ ورفاقُه الذين شقُّوا طريقَهم، وأسقطوا القَوميين، وأسسوا جمهوريَّةَ الصِّينِ الشَّعبية يومَ الفاتحِ أكتوبر 1949م، فارتفعت راياتُ النَّصرِ لتُعلِنَ خروجَ هذا البلدِ عن صمتِه الطَّويلِ إلى مَشهدٍ دوليٍّ مليءٍ بالتحوُّلات.
هذه الدَّولةَ، التي أنهكها الاستعمارُ والحربُ الأهليَّة، قرَّرت أن تَنهضَ، وتُواجِهَ العُزلةَ والمُقاطعة، وهنا وقفَ العالمُ يُنظَرُ إلى الصِّينِ كيف تبني قواعدَ المجدِ بشقِّ طريقِها نحو العالَميَّة، وفي هذا المناخِ جاء مؤتمرُ باندونغ الذي عُقد بإندونيسيا في أفريل 1955، بحضور 29 دولةً، من بينها الصِّينُ الشعبيَّة، التي عبَّر فيه تشو إن لاي، رئيسُ الوزراء، عن تأييده المُطلق للثَّورةِ الجزائريَّةِ باعتبارِها جزءًا من حركةِ التَّحررِ العالميَّة، كما استقبل وفدَ جبهةِ التَّحرير، الأمرُ الذي أعطى زخمًا دوليّا للجبهة، وجعل العديد من البلدان تقفُ إلى جانبِها مثل الهند، ويوغوسلافيا، وإندونيسيا، وغانا، وغيرِها…
ثم واصلت الصِّين دعمَها للثَّورة الجزائريَّة على جميع المستويات: السياسيَّة، والدبلوماسيَّة، والعسكريَّة، والإعلاميَّة، واللوجستيَّة، والإنسانيَّة. وفي هذا الإطار فتحت مدارسَها العسكريَّة لتَكوينِ الطيَّارين الذين وُجِّهوا إلى المدرسةِ العليا للطيران بمدينة تشيجياتشوانغ، أمَّا الفنِّيُّون فَتوجِّهوا إلى معهدِ القوّات الجويّة، ببِنائه المُربَّع الأحمر الذي مازال محفورًا في الذاكرة والكائن بمدينة شيان، العاصمةِ القديمةِ للصِّين، التي تضمُّ معالمَ إسلاميَّةً نادرةً، من أشهرِها المسجدُ الكبير، الذي لا يوجد له مثيلٌ في العالم، والذي تأسَّس في القرن السابع الميلادي، في عهدِ الخليفةِ عثمان بن عفَّان، وازدهر لاحقًا خلال حكمِ أسرتَي تانغ ومينغ، والذي يُقال عنه إنَّه المكانُ الوحيدُ في العالم المكتوب على جُدرانِه آياتُ القرآن الكريم كاملةً، لتَصنعَ لوحةً فنيَّةً فريدةً لا يُمكنُ رؤيتُها في أيِّ مكانٍ آخرَ على الكرة الأرضيَّة، وزاوَلْنا دراستَنا النَّظريَّةَ هناك ثم انتقلنا بعدها إلى المدرسةِ العليا للطيران رفقةَ أشقَّائنا الطيَّارين، لتطبِّيقَ ما درسناهُ نظريًّا في شيان.
تلكم كانت رحلتَنا الأولى إلى الصِّين، التي مضى عليها ثلاثةٌ وستون سنةً وتسعةُ أشهر، والتي كَوَّنَتنا، وعَلَّمَتنا، وزرعت فينا روحَ الجدِّ والمُثابَرة، التي مكّنتنا من تأسيسِ القوَّات الجويَّة الجزائريَّة بعد الاستقلال، رفقة زملائنا الطيَّارين، مُفاخرين ومُعتزِّين بتكوينِنا في المدارسِ الصينيَّة التي انطلقنا في العودة إليها من مطار هواري بومدين يوم الأحد 25 ماي 2025 لنصل يوم الاثنين إلى مطار بيكين، حيث استقبلنا مُمثِّلون عن وزارةِ المُحارِبين القدماء الصينيَّة، وكذلك السكرتيرُ الأوَّلُ للسِّفارةِ الجزائريَّة حمدان خلاف، والمُستشارُ الأوَّل رفيق كَساي.
لقد كانت أوَّلُ محطَّةٍ لنا عند الوصول هي بيكين، التي تغيَّرت جذريًّا إلى ما يُشبهُ المُعجزة؛ فقد اختفت طوابيرُ الدراجات الهوائيَّةِ والناريَّةِ التي كانت تغطِّي شوارعَها في الماضي، وحلَّت محلَّها سياراتٌ فخمةٌ بمختلف أنواعِها كما أصبحت مدينةً ذكيَّةً عملاقةً تُعانق السماء، وبعماراتٍ شاهقةٍ تُناطِحُ الغيم، وروبوتاتٌ تُرحِّبُ بك في الفنادقِ المُصنَّفةِ عالميًّا، ومترو الأنفاق يَربِط بين الأحياء، وقطاراتٌ مغناطيسيَّةٌ خارقةُ السُّرعة، وبُنى تحتيةٌ تكنولوجيَّةٌ تفوقُ الوصف، وطرقاتٌ سيارة تَجري في عواصف داخل البلد الذي تحوَّل إلى قُوَّةٍ اقتصاديَّةٍ عُظمى.
ثم تواصَلَت رحلتُنا في اليومِ المُوالي إلى مُختلف المدن الصينيَّة، بدءًا بمدينة شيجياشوانغ بمقاطعة هَبَي، حيث كانت وجهتُنا المدرسةَ العُليا للطيران، وهناك استقبلنا فان شيافينغ، قائدِ المدرسة، ومساعدوه من الضباط السامين، وكذلك عدد من المُحاربين القُدامى، من بينهم زيانغ ماندينغ، الذي كان مُدرِّبًا للعديدِ من الطيَّارين الجزائريين، وعلى رأسِهم قائد أركان القوات الجوية سابقا العقيد دريد أحمد الذي عانق مدرِّبَه بتأثر بالغ أثّر على الجميع، وكذا المرحوم عنتر محمد، خالد الذكر، المُخلَّد في متحف المدرسة العُليا للطيران بمدينة شيجياشوانغ.
ثم انتقلنا إلى مدينة شيان، قلبِ التاريخ الصيني، لزيارة جامعة نورث وست، فاستقبلنا السيد تشاو وو، نائب مدير الجامعة، إلى جانب عدد من الأساتذة والدكاترة.
بعد ذلك، توجَّهنا إلى الجامعة العسكريَّة لهندسة الطيران، فاستقبلنا رئيس الجامعة السيد وي تشينغكاي، وقائد السرب السيد لي جينشيان.

بيكين تغيَّرت جذريًّا إلى ما يُشبهُ المُعجزة؛ فقد اختفت طوابيرُ الدراجات الهوائيَّةِ والناريَّةِ التي كانت تغطِّي شوارعَها في الماضي، وحلَّت محلَّها سياراتٌ فخمةٌ بمختلف أنواعِها، كما أصبحت مدينةً ذكيَّةً عملاقةً، وبعماراتٍ شاهقةٍ تُناطِحُ الغيم، وروبوتاتٌ تُرحِّبُ بك في الفنادقِ المُصنَّفةِ عالميًّا، ومترو الأنفاق يَربِط بين الأحياء، وقطاراتٌ مغناطيسيَّةٌ خارقةُ السُّرعة، وبُنى تحتيةٌ تكنولوجيَّةٌ تفوقُ الوصف، وطرقاتٌ سيارة تَجري في عواصف داخل البلد الذي تحوَّل إلى قُوَّةٍ اقتصاديَّةٍ عُظمى.

وفي خِضمِّ هذه الرِّحلة التي جَمعت بين عَبَق التاريخ ورُوحِ العِلم، وجدنا أنفسنا نحطَّ الرِّحالُ في المتحف الوطني للجيش في بكين، حيثُ سَرَدت لنا جدرانُه المُوشَّاةُ بالبُطولات، قِصَصَ جنودٍ نَحَتوا أسماءَهم في ذاكرة الأمَّة، بين الأسلحة القديمة والعُروض التفاعليَّة، أدركنا أنَّ القوَّة لا تكمن فقط في السِّلاح، بل في الحِكمة، والإيمان بالقضيَّة، والتاريخ الذي لا يُنسى.
وفي الختام، كان لنا لقاءٌ مُميَّز، إذ استقبلنا وزيرُ المُحاربين القُدامى السيِّد باي جينجيا، الذي خصَّنا باستقبالٍ منقطعِ النظير وبحفاوةٍ غامرة لم تكن مجرَّد لحظة بروتوكوليَّة، بل تجسيدًا حيًّا لاحترامٍ عميقٍ وتقديرٍ بالغ، خصوصًا عندما فاجأنا الوزير بإقامةِ حفل عيدِ ميلادِ أحدِ رفاقِنا، الذي صادف عيدُ ميلادِه ذلك اليوم، كانت لفتةً إنسانيَّةً راقية، أسعدتْنا جميعًا، وتركَت في قلوبِنا أثرًا عميقًا.
إن ما يميز هذه الزيارةَ فِعلًا، هو ما لَقيناه نحنُ المُجاهدين ومُرافِقينا، من احترامٍ وتكريمٍ استثنائيٍّ من قِبَلِ السُّلطاتِ الصينيَّة، بشِقَّيها العسكريِّ والمدني، فقد بدأت الزيارةُ باستقبالٍ رسميٍّ للوفد، مرورًا بتوفيرِ كلِّ سُبلِ الرَّاحة، من وسائلِ نقلٍ مُريحة، إلى إقامةٍ فاخرةٍ طوال فترة مكوثنا.
الشُّكرُ مع الامتنان لوزير المجاهدين وذوي الحقوق، السيِّد العيد ربيقة، راعي هذه الرِّحلة، والمُشرِف على اختيارِ أعضائِها من قُدماءِ الطيَّارين والفنيين الذين تلقَّوا تعليمَهم في صفوفِ القوَّات الجويَّة الصينيَّة.
وإلى السيِّد باي جينجيا، وزير المحاربين القُدامى الصيني، الذي ساهم في تحقيقِ حلمٍ لطالما راودَنا، وهو العودةُ إلى بلدِنا الثاني بعد غيابٍ طويل.
الشكر موصول إلى سفيرِ جمهوريَّةِ الصين الشعبيَّة بالجزائر، السيِّد دونغ غوانغلي، ولمعاونيه الكِرام أوّلهم القائم بالأعمال زهو بينشينغ، وإلى السيد دانغ مسؤول العلاقات السياسية، والسيد أنتوان السكرتير الثالث، والى الآنسة شمس المكلفة بالإعلام في سفارة الصين، الذين سهروا على الإعدادِ الكاملِ لهذه الرِّحلة بكلِّ دقَّةٍ واهتمام.
شكرا جزيلِ لجميعِ السُّلطاتِ الصينيَّةِ على ما قدَّموه لنا من رعايةٍ واهتمام والثناءُ موصولٌ لكل من رافقنا من الصينيين خلال مدة إقامتنا من أطبَّاء، ومُترجمين، ومُرافِقين، ومَسؤولين، ورجالِ إعلام، وأُخصَّ بالشكرِ رؤساءَ المؤسَّساتِ المدنيَّة والعسكريَّة التي زُرناها، والتي أعادت لنا ذكريات الشَّباب. وعلى رأسهم رئيس مقاطعة هيبي، وقائد المدرسة العليا للطيران، ورئيس الجامعة العسكرية لهندسة الطيران وقائد السرب، ومدير المتحف الوطني للجيش ببيكين، وأخيرا وزير المحاربين القدماء الصيني.
والخلاصة أنَّ الصِّين َتمثل نَموذجا حضاريا فريدا في التَّاريخِ الإنساني، إذ تمكَّن أسلافُها بعزيمةٍ لا تَلين، من تشييد سُور الصِّين العظيم، رمزِ الإرادةِ والذَّكاءِ الجماعيِّ في مواجهةِ الأخطار، جيلًا بعد جيل.
ثم جاء دورُ الثُّوَّارِ العِظام، أبطالِ المسيرةِ الطَّويلة، وعلى رأسِهم الزعيمُ ماو تسي تونغ، الذين أسَّسوا جمهوريَّةَ الصين الشعبيَّة، وحرَّروا البلادَ من الاستعمارِ والتَّفرقة، واضعينَ اللَّبنةَ الأولى لدولةٍ مُوحَّدةٍ ذاتِ سيادة، بصرف النظر عن الهفوات والعراقيل التي اعترضت طريقهم.
ثم جاءت النهضة الاقتصادية التي حوّلت الصين من دولة نامية إلى قوة اقتصادية وصناعية عالمية بفضل رواد الإصلاح بدءًا بدينغ شياو بينغ، ووصولًا إلى الرئيسِ الحالي شي جين بينغ، الذي يقود مرحلةَ النهضةِ الصناعيَّةِ الكُبرى، مُركِّزًا على القضاءِ على الفساد، الذي جعل الصين تتقدَّمُ بسرعةٍ عاليةٍ في جميع الاتجاهات ومطلقا الحُلمَ الصيني ومبادرةَ الحزامِ والطريق، الذي يهدف إلى تعزيز التجارة والاستثمار والبنية التحتية التي تربط الصين بالعالم لفرض مكانتها عالميَّة، مع التركيز على الاقتصاد حتى تصبح الصين مصنع العالم، فضلا على نجاحها في مجال تكنولوجية الاتصال والذكاء الاصطناعي.
أما عسكريًّا فقد طوَّرت الصين جيشا حديثا يملك قدراتٍ بحرية وجوية وفضائية متقدّمة، الأمرُ الذي جعل الخبراءَ يتنبَّأون بأنَّ الصين ستكونُ سيِّدةَ العالم اقتصاديًّا وعسكريًّا في غضون سنواتٍ قليلةٍ، وعندها ستنتهي الغطرسةُ الغربيَّة، ويَسودُ السلامُ العالَم.

مقالات ذات صلة