أنا ولا أحد!
مصيبة المصائب أن اللاحقين “ينتقمون” من السابقين، بطريقة استعراضية، وكلما جاء اللاحق “لعن” السابق، أو مسح اسمه بالممحاة ولم يعد يذكره وكأنه عدوّ له، فيا للعجب!
وزيرة التربية، نورية بن غبريط، لم تدع سابقيها من الوزراء، على رأس القطاع، مثلما لم تدع إطارات سابقة بالوزارة، على ندوة إصلاحات “التغبية”. والحقيقة أن مثل هذا التصرّف، هو تنكر وجحود لسابقين، منهم من يستحق التقدير والاعتراف، ومنهم طبعا من لا يستحق لا جزاء ولا شكورا!
كان بالإمكان دعوة أو حتى “استدعاء” زهور ونيسي وبن محمد وبن بوزيد وبابا أحمد، وغيرهم، من وزراء القطاع، الأحياء منهم، إلى جانب أبناء القطاع من الكوادر الذين أفنوا حياتهم في التربية، وذلك بهدف تصحيح الأخطاء، وعدم تكرار الخطايا التي “استغبت” أجيالا من “مدرسة الإسلاخات”!
الحقيقية، أن هذه الظاهر، تبقى مرضية، وليست مُرضية، طالما أنها مبنية على “الخدع”، وعلى الإقصاء والتهميش وإبعاد كل سابق حتى وإن كان من الخطائين، وهذه “الفوبيا” تخصّ أغلب القطاعات، إن لم يكن كلها، وهو ما فوّت علينا الكثير من الوقت لإنجاح إصلاح ما يجب إصلاحه!
بإمكان السابقين، ممّن تتوفر فيهم شروط الخدمة والنزاهة والكفاءة، وبعيدا أيضا عن روح الملح ونزعة الانتقام والأحقاد، أن يقدمون إضافات واجتهادات، مختزلة من عُصارة تجارب سابقة، لكن عدوى “البوعرّيفو”، و”أنا ولا أحد”، هي التي تجعل كل من كـُلف بمنصب أو حقيبة أو مسؤولية، لا ينظر أبدا في المرآة العاكسة لما يجري وراءه!
لم نسمع بأيّ وزير أو وال أو مير لاحق ـ باستثناء بعض الحالات الخاصة والاستثنائية والنادرة ـ دعا سابقيه، فكرّمهم، واستفاد من خبرتهم، وانتزع منهم تقنيات لا يعرفها، وقد يكون أيضا المشكل في بعض السابقين الذين “يحسدون” اللاحقين، فبدل أن يُعاونوهم فإنهم يحفرون لهم الحفر، وفي أحسن الأحوال يتمنّون لهم السقوط والفشل، من باب “تخطي راسي”!
تـُرى: لماذا لا يجلس اللاحقون مع السابقين، فيتعاونون ويتبادلون الآراء، ويخدمون هذا البلد الآمن، بما ينفعه وينفع الأمة جمعاء؟.. لكن الواقع، في كثير القطاعات، يؤكد عكس ذلك، فكلّ “طير يلغى بلغاه”، ويكاد كلّ مسؤول جديد، يدمّر ما بناه المسؤول القديم، ويشرع مجدّدا في البناء، من باب أن الأول “ما يعرفش”، وهكذا دواليك بما جعلنا ندور في “الساقية” دون أن نحصد الغلة، ودون أن نربح الوقت ونتفادى الخسائر!