أن ترى المعيدي خير من أن تسمعه
في مكان ما يكون المجتمع السياسي قد تقاطع مع مجتمع الإعلام في الأخذ بخلاصة أبحاث عالم الاجتماع الكندي مارشال ماكلوهان الذي زعم أن “الوسيطة هي الرسالة” (The medium is the message) بما يعني أن الحامل الافتراضي للرسالة يكون أهمَّ من الرسالة من جهة التأثير، وكلما كانت صورة الوسيط أقل وضوحا كلما كان تأثيره أقوى، واستدلَّ بقوة تأثير صورة التلفاز الضعيفة من جهة الجودة قياسا مع صور الأفلام العالية الجودة.
الترجمة في عالم السياسة جاءت متدرِّجة ـ منذ المناظرة التليفزيونية الشهيرة بين كينيدي ونيكسون ـ بدأت بإضعاف محتوى الرسائل السياسية وقد تسفلت بمعدلات هندسية في العقود الأربعة الماضية، وكادت تتحول إلى بربرة هي أقرب إلى رطانة العلوج التي لا تعيها أذن، مع تسطيح للفروق بين الخطابات السياسية المتنافسة، قبل أن تحجب الرسالة ويسلِّط الضوء على “المعيدي” المرشح مع دمامة سريرته.
ولو سألت اليوم أي أمريكي عما علق في ذهنه من الحملة الرئاسية لذكر قائمة من تغريدات ترمب حول الشيء ونقيضه دون أن يعلم في أي ركب يسير به ترمب، ومثله سوف يتوقف عند البريد المُسرَّب لكلينتون وما راج عنها وعن محيطها من تورُّط في فضيحة “بزا غيت” ومجتمع آكلي لحوم الصِّبية بعد اغتصابهم.
وقبل أقلِّ من شهر عن موعد رئاسيات فرنسا لا يعلم الناخب ماذا في جعبة المرشحين، لكنه أشبع بالصور النمطية عنهم سلبا وإيجابا، فصار يعلم الكثير عن عائلة فيون وفسادها أكثر مما يجب أن يعلم عن الصالح والطالح في برنامجه، وقد علقت بذهنه جملة ماكرون عن الاستعمار البائد أكثر مما في برنامجه السري حول الاستعمار الجديد وهو أحد سدنته.
وقبل الإفراج عن قائمة المرشحين أنفقنا أكثر من شهرين في مضاربة محمومة في نيّات القيادات ومناورات الدهاليز فيها وفي شعاب ملحقاتها بالولايات، فتابعنا محنة تحالف الإسلاميين في إخراج قائمة العاصمة، ومحنة الجبهة مع ترشيح الوزراء، وفتنة الأرندي مع هجمة أرباب المال والأعمال، وسوف ننفق ما بقي من الشهر في نقل غضب من أقصِي ومن ذُيِّلت بهم القوائم، وربما في ميلاد “تصحيحيات ـ تقويميات” وبذور “انقلابات علمية” على القيادات تتفتح براعمها في اليوم الموالي لفتح الصناديق.
ما لم يصلنا حتما هو ما في برامج الأحزاب من بدائل لمواجهة أزمات البلاد اليوم وتحديات الغد القريب، ربما لأن هذا لم يعُد شأن الساسة، وربما لأن لبيوت الحكم اليوم أربابا ترعاها، وليس للناخبين والمنتخبين إضاعة الوقت في التعرُّف على برامج هي اليوم من اختصاص حكومة الظل التي يجتبيها للناس “وليٌّ فقيه” في الدولة العالمية العميقة.
قبل ماكلوهان كنا نسترشد بمقولة النعمان بن المنذر عن شقة بن ضمرة الملقب بالمعيدي، وقد كان يستعظمه قبل أن يراه، فلما رآه ذميما قال ما صار يُضرب مثلا: “تسمع بالمعيدي خير من أن تراه” ليقال لنا اليوم “أن ترى المعيدي خير لك من أن تسمعه” وأن المرء لم يعد بأصغريه: قلبه ولسانه، بل بمظهريه: رباط عنقه وحبله السري مع الشبكة التي تصطاد لسياسة الناس رؤوسا فاسدة من مياه آسنة.