أوروبا: المتحمسون للحرب يندفعون بلا قيود
في جميع أنحاء أوروبا، تُدق طبول الحرب، وتُسمع أبواق الإعلام. يطلق المتحمسون للحرب الدعاية الحربية من دون توقف. النظام الإعلامي السياسي بكامله مُعبأ في هذا الاتجاه.إن البلاغة والحجج التي ترتكز عليها هذه الحملة المحارِبة تدفع للتأمل فيما تكشفه عن الأزمة التي تعيشها أوروبا.
لننظر إلى هذه الحجج
أولها وأهمها: “التهديد الروسي”. يُكرر على جميع القنوات وبجميع النبرات. كيف إذن لا نصدقه؟ ومع ذلك، عند التدقيق، لا يعدو كونه مجرد تأكيد لفظي. لكن التأكيد المكرر ألف مرة يصبح حقيقة. أدلة ملموسة، وثائق؟ لا شيء. هل يمكن أن تكون حرب أوكرانيا دليلا على تهديد بقية دول أوروبا؟ بأي طريقة يشكل ذلك تهديدًا لألمانيا، وفرنسا، وإنجلترا، إلخ… هل روسيا تخوض حربًا ضد الدول الغربية؟ هل حاربت روسيا الولايات المتحدة لأنها هاجمت العراق، ولأجل كل الاعتداءات الأخرى؟ هل حاربت فرنسا أو المملكة المتحدة أو الولايات المتحدة أثناء التدخلات في يوغسلافيا والعراق وليبيا وأفغانستان؟ هل حاربت فرنسا بسبب حرب الجزائر والتدخلات الاستعمارية الأخرى؟ أين المنطق في كل هذا؟
هل الأسلحة الروسية تقتل إنجليزًا وفرنسيين وأمريكيين، أم أنّ أسلحة أوروبية وغربية هي التي تقتل الروس؟ أليس في هذا سبب توتر خطير؟
قراء فنجان القهوة
يصل الأمر ببعض القادة الأوروبيين إلى تحديد تاريخ الحرب: في عام 2028، كما قال وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، في تصريح أدلى به في 19 نوفمبر 2025 بعد أن كان قد توقعها لعام 2029 في تصريح سابق في يونيو 2024. إنه الرجل نفسه الذي أعلن، في خضم الإبادة الجماعية في غزة، “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”. وفي 19 نوفمبر، تحدث رئيس الأركان الفرنسي بدوره عن “صراع مباشر مع روسيا بحلول عام 2030″، إلخ… كيف يمكنهم التوقع بتلك الدقة؟ في قراءة فنجان القهوة؟ عندما يُطلب منهم تفسير توقعاتهم، يتحصَّنون هم والإعلام أيضًا وراء معلومات من المفترض أن أجهزة الاستخبارات الأوروبية تمتلكها. حجة ملائمة، أليس كذلك؟
يجري أيضا اللجوء إلى أسلوب الأدلة غير المباشرة. في فرنسا، أعدت السلطات العامة قائمة طويلة جاهزة للاستخدام: “رؤوس خنازير أُلقيت في مسجد، بصمات “أيادٍ حمراء” على جدران باريس أو توابيت وُضعت عند سفح برج إيفل بغية هز استقرار المجتمع الفرنسي”. في جميع أنحاء أوروبا، لدينا “طائرات من دون طيار (درون) شبحية” تحوم حول المطارات وغير قابلة للإسقاط. إنه نمط التفكير من العصور الوسطى إذ كان القضاة يعتبرون عدة شبهات دليلا كافيا. بعبارة أخرى، يعتبرون الناس أغبياء على الرغم من أنه يمكن الاشتباه في أن الذين يخلقون هذا الهذيان ينتهي بهم المطاف إلى تصديقه بأنفسهم.
يصل الأمر ببعض القادة الأوروبيين إلى تحديد تاريخ الحرب: في عام 2028، كما قال وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، في تصريح أدلى به في 19 نوفمبر 2025 بعد أن كان قد توقعها لعام 2029 في تصريح سابق في يونيو 2024. إنه الرجل نفسه الذي أعلن، في خضم الإبادة الجماعية في غزة، “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”. وفي 19 نوفمبر، تحدث رئيس الأركان الفرنسي بدوره عن “صراع مباشر مع روسيا بحلول عام 2030”.
هذا بغضّ النظر أن لا شيء في كل هذا يمكن أن يبرر شن الحرب، ناهيك عن حرب ستكون على الأرجح عالمية.
هناك أيضًا حجة الإدانة بـ”النيات”. الحجة هنا هي أن “إذا طورت روسيا جيشها وصناعتها الحربية، فهي بالتأكيد تنوي استخدامها مرارًا وتكرارًا، ولن تتوقف عند أوكرانيا”. التفكير هنا مقلوب تماما. روسيا تخوض حربًا في أوكرانيا ولذا لا يمكنها إلا أن تسعى للفوز بها وتطوير قدرتها الحربية لهذا الغرض، خاصة وأن الغرب نفسه يدفع في هذا الاتجاه، بتسليح أوكرانيا بشكل هائل. بؤس المنطق الشكلي!
إذا أردت السلام فاستعدّ للسلام
وفي النهاية، تأتي”الحجة الدامغة” للمتحمسين للحرب، قمة ثقافتهم اللامعة، والمتمثلة في المبدأ الروماني الشهير “إذا أردت السلام فاستعدّ للحرب”. نعلم جيدًا كيف كانت هذه العبارة أساس الهمجية القاسية وغير المتناهية للإمبراطورية الرومانية لتبرير جميع حروبها. هذه الحجة تمثل سفسطة (المغالطة المنطقية المتعمدة) على الوجه الأكمل. لا توجد علاقة بين القضيتين اللتين تطرحهما، فبأي حال يُعدُّ الاستعداد للحرب دليلا على إرادة السلام؟ “إذا أردت السلام فاستعد للسلام”، سيكون بالتأكيد المنطق السليم. مثل هذه السفسطة أكثر إثارة للاهتمام لأنها تكشف الكثير عن نمط تفكير النخب الحاكمة الأوروبية الحالية. إذا انتبهنا جيدا، فسنجد في كل مرة، بشكل أو بآخر، في تصريح سياسي أو آخر، في بلاغة الإعلام، أثر السفسطائية بصفتها فن إخفاء الحقيقة. فن السفسطائية يعني فن المغالطة وهو الوقود الأساسي لكل المثقفين المتحمسين للحرب. وبالمناسبة، إن إتقان هذا الفن؛ فن جعل الناس يأخذون “الفقاعات كمصابيح”، إذا جاز التعبير العامي، هو المعيار الذي يجري على أساسه انتقاء الممثلين السياسيين أو الإعلاميين للمحيط الاجتماعي الحاكم. عليهم أن يتقنوا جميع التقنيات التي طورها نمط التفكيرالسفسطائي لخداع الناس: القياس المضلل، المقارنة غير المبرَّرة، الاستنتاجات أو الفرضيات التعسفية. كان ازدهار المغالطة، عبر التاريخ، دائمًا علامة على ثقافة في انحدار، تترك البحث عن الحقيقة من أجل البحث عن السلطة والتأثير على العقول.
مثالٌ آخر على التحمس للحرب وعلى الأدوات الفكرية التي يستخدمها، في الوقت ذاته، تكشفه الحجج المطورة حاليًّا في أوروبا، لتبرير إعادة التسلح والخدمة العسكرية. في فرنسا، أثار رئيس أركان الجيش استياء جزء كبير من الرأي العامّ الفرنسي بقوله مؤخرًا للفرنسيين: “علينا أن نقبل بخسارة أطفالنا”. أمام رد فعل الرأي العامّ، جاء النظام الإعلامي السياسي للإنقاذ قائلا “إنه من الطبيعي في الحرب أن نخسر أبناءنا”.
مرة أخرى، السفسطائية بامتياز. هذه المرة، هي المغالطة عبر “تحويل الانتباه”. يجري جذب الانتباه إلى معضلة زائفة (لأن خسارة الأرواح في الحرب أمرٌ بديهي وليس هذا محل النقاش)، ولكن المشكلة الحقيقية، وهي شن الحرب من عدمها، يجري إخفاؤها بهذه الطريقة. “جنرالات الاستوديو”، الذين ينقلون الآن خطابات الجيش على الشاشات، وهو أمر لا يُرى حتى في أكثر الدول استبدادًا، جاءوا لتعزيز موقف رئيس أركان الجيش الفرنسي في وقفة استعداد تامة. لكن الشعب الفرنسي مفعم بالحياة، فتمتم الناس في كل مكان بأن معظم القادة الفرنسيين الحاليين، من الرئيس إلى رؤساء الوزراء والوزراء الآخرين، ليس لديهم أطفال.
تتعثر طرق التفكير الرسمية والإعلامية في تناقضات صارخة: من جهة يقال إن “روسيا قوية، رهيبة، مصدر تهديد”، لإقناع الرأي العامّ بضرورة التضحيات، ولإعادة إطلاق الإنفاق الحربي، ومن جهة أخرى يقال أحيانًا تقريبًا في التسلسل ذاته، إن “الجيش الروسي عاجزٌ عن التغلب على أوكرانيا الصغيرة، إنه يتقدم بخطى بطيئة كالنمل، سيحتاج بهذا المعدل قرنًا كاملا لغزو أوكرانيا، إنه منهك بالعقوبات الاقتصادية”.
بعبارة أخرى، تتطور الأزمة السياسية على خلفية أزمة ديموغرافية كان من المفترض أن تدفع لجعل الأطفال أكثر قيمة. وهذا دليل على أن الأيديولوجية المحاربة لها جوانب عدمية انتحارية.
ذروة السخافة والتلاعب، هي عندما يصل الأمر إلى وعد المجندين المستقبليين بأنهم لن يخوضوا القتال، وأنهم سيبقون على الأراضي الفرنسية أو وعدهم بوظائف مهندسين، أو مختصي معلوماتية، إلخ… بكلمة واحدة، البقاء في الخطوط الخلفية الآمنة.
بهلوانية الخطاب الرسمي الأوروبي
تتعثر طرق التفكير الرسمية والإعلامية في تناقضات صارخة: من جهة يقال إن “روسيا قوية، رهيبة، مصدر تهديد”، لإقناع الرأي العامّ بضرورة التضحيات، ولإعادة إطلاق الإنفاق الحربي، ومن جهة أخرى يقال أحيانًا تقريبًا في التسلسل ذاته، إن “الجيش الروسي عاجزٌ عن التغلب على أوكرانيا الصغيرة، إنه يتقدم بخطى بطيئة كالنمل، سيحتاج بهذا المعدل قرنًا كاملا لغزو أوكرانيا، إنه منهك بالعقوبات الاقتصادية”، ولكن هذه المرة، لإقناع الرأي العام الأوروبي بأن مقاومة أوكرانيا فعّالة، وأنها ستُنهك روسيا لا محالة، ومن ثمّ يجب الصبر، ومتابعة دعم أوكرانيا والاستمرار في منحها عشرات المليارات من اليورو التي يفترض أن تذهب للشعب الأوكراني. إننا أمام بهلوانية حقيقية للخطاب الرسمي الأوروبي.
بهلوانية أيضًا، عندما يؤكد حكام أوروبيون أنهم “ليسوا في حالة حرب” ثم يقولون بعد ذلك إنه يجب تطوير اقتصاد حرب،من دون أن يقلقوا جراء هذا التناقض. كلمة الحرب تُستخدم الآن في كل مناسبة ويبدو أن الحرب أصبحت هوسًا حقيقيًّا. وهكذا، لعدم وجود (بعد؟) حرب جميلة ودموية، يجري الحديث عن حرب سيبرانية، وحرب معلومات، و”حرب هجينة”. الرئيس ماكرون كان قد تحدث بحماس عن “الحرب ضد الكورونا”. ما هذا الانجذاب نحو الحرب إذن؟
من المواضيع المتكررة في الأيديولوجية المحارِبة السائدة في أوساط حلف الناتو كما في الاتحاد الأوروبي، هي مقارنة الناتج المحلي الخامّ بين روسيا وأوروبا. بدافع طمأنة أنفسهم على الأرجح، يقيمون أن الناتج المحلي الخام المُجمع لدول أوروبا الغربية، هو، بكل المقاييس، أعلى بكثير من نظيره الروسي.
ولكن لماذا إذن هذا الهوس المرضي بروسيا منذ سنوات إذا كانت ضعيفة كما يقولون؟ يبدو أن مبدأ الواقع لم يعُد جزءًا من الأيديولوجية السائدة الأوروبية. بدلا من الانطلاق من الواقع، من الحقائق، أي حقيقة أن قوة روسيا تضعهم في موضع المتراجعين، هم يقولون إن هذا ينبغي أن لا يكون “بالنظر إلى الناتج المحلي الخام” بينما كان ينبغي أن يدفعهم إلى التفكير في حدود مؤشر الناتج المحلي الخام هذا، خاصة عند عزله عن سياقه، سياق الصناعة الحقيقية، التي في أوروبا، انهارت إلى حد كبير، مع الانتقال إلى الخارج، وإفساح المجال لخدمات غير مادية. هناك أيضًا معايير أخرى يجب أخذها في الاعتبار في تقييم القوة: التماسك (هنا دولة مركزية وهناك أمم متفرقة)، الوحدة السياسية، العوامل غير المادية مثل قوة الاتحاد والتضامن في مجتمع أو كيان بشري، مستوى التكنولوجيا العسكرية، والذي لا يتوافق تلقائيًّا مع الناتج المحلي الخام. هكذا تفوَّق الاتحاد السوفييتي على ألمانيا النازية، التي كان لديها ناتجٌ محلي خام أعلى بكثير وكانت تجذب كل الناتج المحلي الإجمالي الأوروبي.
أرباح السلام أم أرباح الحرب؟
يجب التحدث هنا عن السردية المثيرة للدهشة والمتكرر هي الأخرى، حول أوروبا يُزعَم أنها نزعت سلاحها، وحصلت على “أرباح السلام”. هذا هو التعبير الذي استخدمه، من بين قادة آخرين، الرئيس ماكرون، في 6 مارس 2025، لشرح أن الجيل الفرنسي الحالي “لن يحصل على أرباح السلام” مثل الأجيال التي سبقته. هذا التعبير يحدد المستوى الحالي لأيديولوجية المتحمسين للحرب. إسقاط كلمة “أرباح” على السلام وعلى الحرب! مفردات مصرفي، أو متعامل في البورصة. وهذا يدل على السخرية التي تنغمس فيها هذه الأيديولوجية لأنه إذا كان هناك سلامٌ في أوروبا بعد الحرب الباردة، وهذا غير صحيح (مثال حرب البلقان)، فإن الواقع هو أن انهيار الاتحاد السوفييتي، ونهاية الحرب الباردة، وتحوُّل التوازنات التي كانت قائمة سابقًا، أدت إلى حملات من القتل والتدخلات الدموية باسم “حق التدخُّل”، ومن ثمّ إلى مجازر واسعة النطاق في كل العالم غير الغربي. أين هي إذن “أرباح السلام” للبشرية؟ هذه “أرباح السلام” المزعومة كانت عبارة عن حرب نُقلت إلى مكان آخر، إلى بقية العالم.
المفسدون والفاسدون في أوكرانيا
عندما تكون هناك الفضيحة رقم (ن) للفساد في المحيط القريب جدًّا من زيلينسكي، يسرع النظام الإعلامي السياسي الأوروبي إلى القول إن “هذا دليل على وجود مكافحة للفساد وبالتالي الديمقراطية تعمل في أوكرانيا”. إلا أن زيلينسكي حاول عبثًا معارضة التحقيقات. لكن هذه مغالطة أخرى، وخدعة دعائية أخرى. هذا يعني، في الواقع، القول إنه كلما زادت قضايا الفساد، كلما كان البلد أكثر ديمقراطية.
إنهم يستهزئون بالعالم وكل هذا يصبح أكثر إثارة للشكوك. يتعلق فضح الفساد في أوكرانيا بكل رجال “الثقة” لدى زيلينسكي، حتى الرجل الثاني في السلطة، أندري ييرماك. لم يبق إذن الآن سوى الرقم واحد، زيلينسكي نفسه. كل هذا يشير إلى الطابع المافيوي، والأكثر إثارة للاشمئزاز، لهذه الحرب في أوكرانيا خلف الكلمات الرنانة الرسمية والإعلامية. جرى تحويل مبالغ مذهلة من دون رقابة إلى القادة الأوكرانيين واكتشف المحققون مبالغ نقدية طائلة مختلَسة، مخبأة. هذا يكفي. حتى الولايات المتحدة قلقت من ذلك، وطلبت حسابات، خلافا للأوروبيين.
تعمل استوديوهات التلفزيون ومراكز الأبحاث (الثينك تانك) والصحف المعتمَدة والمموَّلة، بلا توقف وبأقصى طاقتها، من أجل الدعاية للحرب. يتوافد المشاركون ويغادرون الاستوديوهات في بث مستمر، ويملأ “موظفو المديرية العامة للأمن الخارجي” و”مصلحة التوثيق الخارجي ومكافحة التجسس الفرنسي” استوديوهات البث، بشكل يزداد وضوحًا من خلال “مراسلين كبار” تتطابق سيرهم الذاتية مع تدخلات حلف الناتو وبؤر التوتر الساخنة في العالم، وكذلك من خلال محررين وكتَّاب افتتاحيات ومحللين لم يعودوا حتى يخفوا انتماءاتهم. كان لدينا “صِحافيو الخدمة”، وأصبح لدينا الآن “صحافيو الأجهزة”.
حينئذ تفرض فرضية نفسها: ألا يكون قادة أوروبيون، والدولة العميقة للاتحاد الأوروبي التي كانت المنفذ لهذه العملية الضخمة لتحويل الأموال، متورطين في هذا النظام الفاسد المتشعب؟ ألا يكون استخدام الاتحاد الأوروبي في هذه العمليات المالية وسيلة للتهرب من رقابة البرلمانات الوطنية؟ كيف حدث أن قادة أوروبيين نسجوا مع زيلينسكي علاقات وثيقـة جدًّا، حميمـة جدًّا، بينما لا يمكنهم أن يكونوا لا يعلمون أنه كان على رأس عصابة فاسدة بالكامل، في ضوء النتائج الأولى للتحقيق؟ بالإضافة إلى التقارب الأيديولوجي بين زيلينسكي وحكام أوروبيين، سيكون لدينا إذن تفسير التقارب الشخصي الغريب والمستمر لبعض القادة الأوروبيين والبيروقراطيين الأوروبيين مع الرئيس الأوكراني. سيكون هذا هو الجانب المادي، السر وراء إصرار المتحمسين للحرب على استمرار الحرب في أوكرانيا. أليست الحرب في أوكرانيا صفقة القرن؟ مسكين الشعب الأوكراني.
شمولية زاحفة
في هذه الأجواء الخانقة والمشحونة التي تسود أوروبا، ثمة عنصرٌ يستحق في النهاية كل الاهتمام وهو المدى الذي بلغته القوى الأوروبية في ترويض وسائل الإعلام. قد يقول قائل إن هذا ليس بجديد. نعم، ولكن الجديد هو أن الأمر لم يعد يقتصر على استخدام أدوات الليبرالية والمال فحسب، بل يتعداه بشكل متزايد إلى أدوات السياسة. إن مستوى العنف الذي وصل إليه هذا الأمر في مناخ من الضغط على حرية التعبير، لا يخلو من إثارة المخاوف من شمولية زاحفة. في الماضي، كانت المحاولات تُبذل للحفاظ على المظاهر، مظاهر التعددية والجدال. لم يعد هناك شيءُ من ذلك. لقد انهارت المظاهر الزائفة والفروق الدقيقة، فلا فرق اليوم، على سبيل المثال، بين خطاب وسائل الإعلام العامة والخاصة. لقد أصبح استقلال الإعلام نفسه مجرد حجة دعائية.
تعمل استوديوهات التلفزيون ومراكز الأبحاث (الثينك تانك) والصحف المعتمَدة والمموَّلة، بلا توقف وبأقصى طاقتها، من أجل الدعاية للحرب. يتوافد المشاركون ويغادرون الاستوديوهات في بث مستمر، ويملأ “موظفو المديرية العامة للأمن الخارجي” و”مصلحة التوثيق الخارجي ومكافحة التجسس الفرنسي” استوديوهات البث، بشكل يزداد وضوحًا من خلال “مراسلين كبار” تتطابق سيرهم الذاتية مع تدخلات حلف الناتو وبؤر التوتر الساخنة في العالم، وكذلك من خلال محررين وكتَّاب افتتاحيات ومحللين لم يعودوا حتى يخفوا انتماءاتهم. كان لدينا “صِحافيو الخدمة”، وأصبح لدينا الآن “صحافيو الأجهزة”.
حتى الصِّحافيون المختارون بعناية والمعروفون بولائهم يحرصون أشد الحرص على أن يكونوا، فيما يتعلق بمسألة الحرب في أوكرانيا، “على الخط تمامًا”، من دون أن يتركوا أدنى شك في مطاوعتهم، وألا يظهروا ولو بشكل بسيط بمظهر المسالمين. هم أيضًا يخافون، وبمجرد أن ينطقوا بكلمة واحدة قد تبدو مشبوهة أو غير لائقة، يسارعون إلى إظهار الولاء ويصحِّحون الموقف فورًا من خلال إدانة شديدة لبوتين أو روسيا أو حتى لترمب، وعند الحاجة لـ… حماس. لقد كان هناك الإسلاموفوبيا، وأصبحت هناك الآن الدعاية للحرب، وأحيانًا الاثنان معًا. صار التنفس في أوروبا صعبًا الآن، هل سيتوجب على الحضارة أن تهاجر منها لتزدهر؟
هل الجيش الفرنسي يمارس السياسة؟
بعد التدخل المثير للجدل لرئيس الأركان الفرنسي، ظهر جنرالٌ على شاشات التلفزيون، بالزي الرسمي وبكل أوسمته، لشرح تصريحات قائده. ليس هناك سابقة لهذا إلا أثناء حرب الجزائر إذ أدى الثقل المتزايد للجيش الاستعماري الفرنسي إلى تدخله سياسيًّا. يبدو أن الجيش الفرنسي يمارس السياسة بشكل متزايد كلما ضعفت الثقة في رئيس الجمهورية الفرنسية وفي فعالية الآليات المؤسسية التقليدية داخل المجتمع. منذ الحرب في أوكرانيا، بات من الممكن رؤية هذا الأمر وهو يأخذ حيزًا أكبر في وسائل الإعلام: فقد تدخَّل الجنرالات، الذين يُطلق عليهم لهذا السبب بسخرية “جنرالات الاستوديو”، في البداية بصفتهم خبراء عسكريين، ثم بدأوا شيئًا فشيئًا يتدخلون سياسيًّا، ويوقِّعون على مقالات رأي في الصحف.
هكذا نستطيع أن نفهم كيف يمكن لحرية التعبير أن تتضرر. يُوضع فنانو الكوميديا على قوائم سوداء، فأصبح الفنانون والمبدعون حذرين. في فرنسا، يلصق مواطنون فرنسيون ملصقات ضد الحرب، هذا حقهم، لكن يُلمَّح إلى أنهم خونة، ويُعتقلون، ويُشتبه في “تواطئهم مع العدو”، أو أنهم على اتصال بعملاء روس. يُجرُّ المدافعون عن القضية الفلسطينية إلى المحاكم بتهم “الترويج للإرهاب”.
هل سنعود إلى أجواء ما قبل الحرب العالمية الأولى، التي اندلعت لأسباب تافهة، والتي اغتيل فيها جون جوريس، فمن سيكون جون جوريس الجديد؟ هذا يذكِّر أيضًا إلى حد ما بأجواء حرب الجزائر، المملوءة في فرنسا بالعار الذي ألصق بالمواطنين الفرنسيين المناهضين للاستعمار. نحن الآن أمام مجرد إشارات ولكنها بالتأكيد مثيرة للقلق.
في كل أنحاء أوروبا، يدعو القادة السياسيون، تحت ذريعة أو أخرى، إلى “ضبط الإنترنت”، وهو تعبيرٌ ملطف للحديث عن الرقابة. في فرنسا، اقترح رئيس الجمهورية للتوّ خطة لـ”مكافحة الأخبار المزيفة” في الشبكات الاجتماعية و”تصنيف المعلومات”، مما يثير الابتسامة عندما نعرف أن وسائل الإعلام السائدة هي المصدر الرئيسي للتضليل ونظريات المؤامرة.
لكن هناك نتيجة غير متوقعة لكل هذا القصف الدعائي المحارب: لقد جعل الشعوب الأوروبية تدرك الخطر الحقيقي لحرب عالمية ثالثة. كان هذا الخطر مموهًا من قبل برواية أخرى، تلك التي وصفت في البداية التحذيرات التي أُبديت بهذا الشأن بأنها ابتزاز أو خداع روسي، مما يدل على أنه لا يجب المبالغة في اللعب بالرأي العامّ.
ننظر حائرين إلى هذا الطوفان الحربي. الأزمة الأوروبية عميقة. إنها ليست اقتصادية واجتماعية وسياسية فحسب، بل هي تتطور نحو أزمة فكرية وثقافية وحضارية… أوروبا التي أثارت إعجاب العالم بالثورة الكوبرنيكية والروح الديكارتية، وانتصار الفكر العقلاني والروح العلمية، تبدو الآن وهي تغرق في اللاعقلانية، وفي الإنكار، ورفض الواقع.
هذه الأزمة هي أيضًا أزمةُ العقل.