أوقفوا التغبية!
تلتقي، اليوم، وزيرة التربية، بنقابة “الكناباست”، في لقاء يُقال والعهدة على الراوي، إنه لامتصاص الغضب والتفاوض حول المشاكل والمطالب العالقة والمعلقة، حتى يتمّ تجنب إضراب 30 جانفي، وإنقاذ التلاميذ من عطلة اضطرارية، ما بين عطلتي الشتاء والربيع!
قال لي أحد الأساتذة القدماء، وهو الآن في التقاعد: لقد أضربنا في وقتنا، لكننا كنـّا نضرب من أجل التعريب والمنظومة التربوية، والإصلاحات، والمنهاج التربوي، ومضمون الكتاب المدرسي، وطبيعة أسئلة “الباك” و”البيام” و”السيزيام”، وهذا هو الفرق بين جيلنا وجيلهم!
لم أجد ما أردّ به على هذا المحترم، وهو المعلم الذي كاد أن يكون رسولا، سوى أنني صمت مستمعا، ثم قلت له بهدوء: “تبدّل الوقت يا أستاذي الكريم”.. قال: “نعيب زماننا والعيب فينا”.. قلت: في وقتكم كان “الزلط والتفرعين” ولذلك كنتم “مشتاقين اللقمة” لكنكم تناضلون من أجل التعريب مثلا!
قال والدموع في عينيه، بعدما أمسكها لكنه لم يقدر على إخفائها: نعم كنـّا أحيانا مشتاقين تمرة، لكننا درسنا ودرّسنا وكوّنا إطارات عليا منهم أساتذة.. قلت: ربما من هؤلاء الأساتذة المناضلين اليوم بالإضراب بهدف تحقيق مطالب مهنية واجتماعية، أغلبها تتعلق بزيادة الأجور؟
سكت الأستاذ برهة من الزمن ثم تنفس واسترسل قائلا: هل تعلم يا سيّ جمال، أن أم أولادي هي كذلك معلمة متقاعدة، وعندي ولد معلم، وبنت معلمة، حاليا، لكن ماذا عساني أقول لك، هل ذاك الشبل من ذاك الأسد، أم أنه فعلا لكلّ “وقت وقتو” على حدّ تعبير البسطاء والشرفاء؟
سكتُ أنا هذه المرّة و”ضربت النحّ” مطولا، ثم قلت للأستاذ المخضرم: وهل يُضرب ابنك وابنتك، اليوم، من أجل التعريب والمنظومة والإصلاحات والبكالوريا ورفع المستوى؟ أم أنهما يُضربان مثل جيلهما من أجل لقمة العيش والأجر والترقية والتكوين وغيرها من المشاكل التي تهمّ الأستاذ والتلميذ معا، لكن التلميذ ووليه يعتقدان أنها لا تعنيهما؟
ضحك الأستاذ الفاضل، ثم قال: “مالقيتش واش أنقولك”..لكن اسمح لي أن أقول لك، إن الشبل والأسد واللبؤة من طينة واحدة، لكن كل منهم يختار الطريق الذي يعتقد أنه خال من المخاطر، وكلّ منهم أيضا يبحث عن “صيده” بطريقته الخاصة، من دون أن يهتمّ ربما بالآخرين!
.. فهمت من “خاتمة” أستاذ الزمن الجميل، أنه فعلا لكلّ وقت وقته، ولكل جيل زمانه، ولكلّ مدرسة أستاذها، لكنني في الأخير، قلت لأستاذنا حفظه الله ورعاه: تعلّمنا منكم القراءة والكتابة ومكارم الأخلاق وحبّ الوطن، وهذا يكفينا حتى لا ننخرط في “محاكمتكم” حتى وإن كان أبناؤكم من المعلمين الجُدد، يرون في التعليم أنه وظيفة وليس رسالة!