الرأي

أوقفوا.. الهفّ والفستي!

جمال لعلامي
  • 3679
  • 4

يعجز أطباء الكون مجتمعين، مثلما يعجز الجنّ والإنس، عن تشخيص الداء الذي يُصيب العقلاء والحكماء، عندما يُتابعون ـ اضطرارا لا اختيارا ـ أشواط الحملة الانتخابية عبر شاشات التلفزيون، حيث يُصابون في نفس الوقت بحمى المستنقعات و”البوحمرون” والطاعون والكوليرا ونقص المناعة وهلم جرا..!

لم يعد الأمر مقتصرا بالنسبة للمتحرشين بالمجالس المخلية، على الهفّ و”الفستي”، وإطلاق وعود وعهود كاذبة، ولم تعد أيضا حملتهم مختزلة في وعد الجزائريين بإدخالهم الجنة وإنقاذهم من النار وعذاب القبر، وإنـّما زحف نحو تحريض المواطنين على معاقبة المترشحين، وبينهم مئات المنتخبين السابقين، إمّا بمقاطعة المحليات، وإمّا بالتصويت العقابي!

ما تقوله أغلب قيادات الأحزاب السياسية المشاركة في محليات 29 نوفمبر القادم، وعددها يبلغ 53 حزبا، لا يحرّض فقط على التزام البيوت، ولكن يؤلّب أصحاب النفوس المرهفة على الانتحار، وفي أحسن الأحوال على الإضراب عن التعليق، حتى لا يُقال الكلام المُباح وغير المباح في الأيام والليالي غير الملاح!

ليس غريبا لو ترحّم البعض على أيام “الحزب الواحد”، عندما يُتابعون تصريحات ومداخلات كوميدية لقيادات حزبية، تكفر بالجدّ والجدية.. حوّلت الحملة إلى “هملة” لا تختلف عن “سيرك عمّار” الذي يُسلـّي المتفرجين بحركات بهلوانية، لا تضرّ ولا تنفع!

من الطبيعي أن يرفع المترشحون وتيرة السرعة بعد أسبوع عن الانطلاق الرسمي للحملة الانتخابية، ومن البديهي أن ينزل قادة الأحزاب إلى الشوارع والأسواق والمساجد، بحثا عن “صدقات” تتيح لهم الفرصة للبقاء بالمجالس البلدية والولائية أو الدخول إليها!

صبيحة 30 نوفمبر سيحتفل المنتصرون، وسيثور المغلوبون، وستتوقف “الحرب” التي يُغذيها منتفعون وانتهازيون ووصوليون وطماعون، يبحثون ـ بطبيعة الحال ـ عن مصالح وغنائم شخصية، لا علاقة لها إطلاقا بالمصلحة العليا للوطن والمواطن!

نعم، هناك مترشحون يستحقون كلّ الدعم والتضامن والسند والإسناد، وبينهم من يملك حسن نية للعمل و”التغيير” وتحسين الوضع، لكن هذا لا يمنع من القول بأن أغلب هؤلاء يُحيط بهم “باندية” و”بزناسية” وسماسرة، يختبئون خلف “النوايا” لجني ثمار مسمومة تحت الطاولة!

المصيبة أن “الطمع” تحوّل إلى مهنة، بل إلى عدوى انتقلت بسرعة البرق نحو مختلف شرائح المجتمع، والجميع أصبح يبحث عن عضوية البرلمان أو المجالس المحلية، معتقدا أن ذلك هو أقصر وأضمن طريق لتحقيق مطالب مشروعة وتسوية انشغالات اجتماعية، ففشل فشلا ذريعا في حلّها بواسطة اختيار ممثليه في الانتخابات المتعددة والمتكررة!

لقد أصبح الجزائري يفضل افتكاك حقوقه بأيديه وبنفسه، بالترشح للبرلمان والمجالس البلدية والولائية، بعدما جرّب منتخبين أكلوا عرقه وخانوا صوته ونهبوا ثروته، وكذبوا عليه ولم يفوا بوعودهم، في ما يتعلق بملفات السكن والشغل وغيرها من المشاكل التي حبست أنفاس الزوالية!

علينا أن نقول بأن التحاق مختلف الشرائح بالقوائم الانتخابية هو أحد الحلول المتاحة لتطهير المجالس المنتخبة، ولمنافسة الفاشلين والعاجزين الذين تورطوا في النهب والنصب وإبرام الصفقات المشغولة باستغلال ثقة الناخبين، لكن من المفيد للمترشحين والمنتخبين الجُدد ألا يكرّروا أخطاء المتهمين، ولا يستنسخوا خطايا المتورطين، فيصبحوا على ما فعلوا نادمين!

مقالات ذات صلة