-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الإخفاقاتُ الإستراتيجية للعدوِّ الصُّهيوني في الحرب على إيران

ناصر حمدادوش
  • 44
  • 0
الإخفاقاتُ الإستراتيجية للعدوِّ الصُّهيوني في الحرب على إيران

لا تخلو حربٌ من مكاسب وإخفاقات، إذْ لا يوجد هناك نصرٌ مطلق أو هزيمة مدوِّية، وخاصَّة في ظلِّ الحروب غير التقليدية، فبين تحقيق الأهداف المعلنة وبين التكاليف الفعلية تظهر المكاسب والخسائر في تقييم مسارات الحروب بين الأطراف المتنازعة عندما تكون هذه الحروب معقَّدة ومركَّبة ومتعدِّدة الأطراف، والتي يجري التلاعبُ بأهدافها بحسب تطوُّرات الحرب على الأرض، بتلك الرِّمال المتحرِّكة لمبرِّراتها وتصاعد نطاقها وحجم خسائرها.

ولطالما جرى الإعلان أمريكيًّا وصهيونيًّا بأنَّه قد جرى تدمير كلِّ القدرات العسكرية والنَّووية لإيران، وبأنَّ هذه الحرب في حقيقتها هي حربٌ وجودية، إلاَّ أنَّ النتائج على الأرض تكذِّب ذلك، فإيران لم تتوقَّف عن استعراض قُدراتها النَّوعية بشكلٍ تصعيديٍّ مُقلقٍ ومفاجئ.

ولا شكَّ بأنَّ هذه الحرب الصُّهيو– أمريكية على إيران، والتي اندلعت يوم 28 فيفري 2026م لمدة 40 يومًا،  قد حقَّقت بعض الأهداف، وكان من أبرز إنجازاتها: القائمة رفيعة المستوى من اغتيال قادة النِّظام الإيراني، من القيادات الدِّينية والسِّياسية والعسكرية والأمنية والعُلمائية، وعلى رأسهم: المرشد الأعلى للثورة الإسلامية ورئيس المجلس الأعلى للأمن القومي ووزير الدفاع وقائد الحرس الثوري وقائد القوات البحرية وقائد الاستخبارات، وقادةٌ كبارٌ في الحرس والجيش والاستخبارات والأمن الداخلي، بالإضافة إلى أكثر من 18 ألف هدف، مثل: معسكرات الجيش والحرس الثوري، ومواقع التمركُز، ومنصات إطلاق الصَّواريخ والمسيَّرات، ومصانع عسكرية ومدنية، وتدمير منشآتٍ اقتصاديةٍ وبُنًى تحتية، وتدمير قِطع الأسطول البحري الرئيسية، بالإضافة إلى قصف المواقع النَّووية الرئيسية…

ومع هذه الشَّراسة في الحرب غير المتكافئة، والتي شاركت فيها دولٌ أخرى وبأشكالٍ مختلفة، عبر القواعد العسكرية، وفتح مجالاتها الجوية، ومشاركاتها اللوجيستية والاستخباراتية والتمويلية، سواءٌ من دولٍ غربية أو عربية، والتي تحوَّلت إلى شبه حربٍ عالمية، ومع ذلك فقد كانت هناك إخفاقاتٌ مدوِّية لهذه الحرب، والتي يمكن تصنيفُها بأنَّها إخفاقاتٌ إستراتيجية، ولو حقَّقت بعض الأهداف المرحلية والتكتيكية، ومنها:

1/ الفشل الذَّريع في تحقيق الأهداف الرئيسية والمعلنة لهذه الحرب، وهي: تغيير الوِجهة الإستراتيجية للنِّظام في إيران، بما يعيد رسم علاقة التَّبعية والخضوع لأمريكا والكيان الصُّهيوني، وما يترتَّب على ذلك من تسوية القضايا الجوهرية، وهي: تصفية الملف النَّووي، والقضاء على القُدرات الصَّاروخية، وإنهاء النُّفوذ الإيراني في المنطقة، وإيقاف دعم محور المقاومة، وتفكيك وَحدة السَّاحات.

إذا كان هناك من تغييرٍ للنظام في إيران، فهو تغييرٌ للأشخاص، وليس تغييرًا لنهج “الثورة الإسلامية”، لطبيعة البِنية الإيديولوجية والعقائدية له، وتجذُّر المؤسَّسية على حساب القيادات، مهما عَلَا سُلَّمُها القيادي، والذي حدث هو تصعيدٌ لقياداتٍ جديدة أكثرُ إيمانًا بالجمهورية الإسلامية، وأكثر راديكالية في التعامل مع أعدائها، وهو ما يجسِّده الانتقال من “إيران الصَّبورة” إلى “إيران المجنونة” في تعاملها مع الأعداء الصَّهاينة والمتصهينين.

بل إنَّ الاستثمار الصُّهيوني والغربي في تأليب الشَّعب الإيراني وقوى المعارضة طيلة 47 سنة قد باء بالفشل الذَّريع، فقد توحَّد الشَّعبُ الإيراني وقواه الحيَّة أكثر حول “القيادة الجديدة”، وهو ما يُعدُّ فشلًا مدويًّا لهذه الحرب.

2/ الفشل في شلِّ التطوُّر التقني والتكنولوجي لإيران: فبالرَّغم من حصارها منذ قيام “الثورة الإسلامية” سنة 1979م، وما فُرِض عليها من الحرب مع العراق طيلة 08 سنوات (1980م – 1989م)، وما تبعه من الحصار الاقتصادي والعقوبات الغربية المستمرَّة إلى اليوم، وبالرَّغم من حجم الاختراق الصُّهيو– أمريكي لأعلى المستويات من هرم النِّظام السِّياسي والعسكري والأمني، وحجم الاغتيالات النَّوعية المدوِّية له، إلا أنَّ هذه الحرب أثبتت فشلاً استخباراتيًّا فادحًا في تقدير الإمكانات العسكرية والتقنية لإيران، وخاصَّة في مجال الدفاعات الجوية والصواريخ الباليستية والمسيَّرات من النَّاحية الكمَّية والنَّوعية، برغم الادِّعاءات الأمريكية والصُّهيونية بتدمير مخزونها ومراكز تصنيعها، وهو ما أعجزهم عن احتواء ردِّ إيران في طبيعته وشكله وحجمه.

لقد كشفت هذه الحرب أنَّ إيران لعبت -بحجمٍ كبيرٍ من الذَّكاء- على عنصر الغموض التقني والتكنولوجي، فلم تكشف كلَّ أوراق قدراتها العسكرية، وهو ما أربك التقديرات الصُّهيونية والأمريكية، وأوقعهم في انكشافٍ خطيرٍ وأخطاءٍ قاتلة.

3/ قد تكون هذه الحرب هي الأولى في تاريخ الكيان الصُّهيوني منذ قيامه سنة 1948م يخوضها بهذه الشَّراكة المتكاملة والعلنية والمباشرة والطويلة مع الولايات المتحدة الأمريكية، بكلِّ تلك الإمكانات التقنية والعسكرية والاستخباراتية الهائلة، ومع ذلك يتعرَّض العمقُ الصُّهيوني لهذا الكمِّ والكيف الكبير من الهجمات الصَّاروخية والمسيَّرات التي أصابت أهدافًا حسَّاسةً سياديةً وعسكرية، وهو ما يعني سقوط أحدِ أهمِّ أسُس العقيدة الأمنية للكيان: وهو نقل المعركة إلى أرض الخصم، والتسويق بأنَّ “إسرائيل” هي الملاذُ الآمن لجميع يهود العالم، وهو ما يعني أنَّ ما جرى ليس تطوُّرًا ميدانيًّا لمعركة، بل هو كسرٌ صارخٌ لقواعد الاشتباك وإعادةُ رسمٍ لحدود الرَّدع، وأنَّ “التفوُّق الصُّهيوني” في المنطقة نسبيٌّ وليس مطلقًا، وأنَّه في حالة تآكلٍ مستمر واستنزافٍ دائم، فبالرَّغم من الدَّعم الأجنبي للكيان إلا أنَّه بات مكشوفًا، ولم تنفعه منظوماتُ الدفاع الجوي بكلِّ طبقاتها وتعقيداتها وتطوُّرها التقني، مع الاختلال الكبير في التكلفة، بين كُلفة دفاعه وكُلفة الهجوم عليه.

4/ أثبتت هذه الحرب مدى ضُعف الكيان الصُّهيوني في خوض الحروب منفردًا، وأنَّه لا يملك القوَّة الذاتية إلا بالاعتماد على غيره، وذلك بالاعتماد بشكلٍ بنيويٍّ على الدَّعم الخارجي، وبالرَّغم من حجم هذا الدَّعم غير المسبوق في تاريخه، إلاَّ أنَّ هذه الحرب أثبتت أنَّ ذلك غير كافٍ في فرض التفوُّق المطلق والهيمنة الكلية له، وأنَّ زمن الانتصارات الخاطفة والسَّريعة قد وَلَّى وإلى غير رجعة، وأنَّه بالرغم من غرور القوَّة والعلوِّ الكبير الذي وصل إليه، إلاَّ أنَّ لهذا الدَّعم -برغم ضخامت – حدودًا متواضعةً في تحقيق الأهداف المعلنة، وهو ما يعمَّق المأزق الاستراتيجي بتآكل الهيبة الصُّهيونية، وسقوط الرَّدع أمام مختبر الحقيقة، ما يُغري قوى أخرى لا تزال المعركة مؤجَّلةً معها، وهي الآن تتعلَّم من دروس هذه الحروب للمواجهة الفاصلة المنتظَرَة.

5/ تآكل رصيد الثقة من الحلفاء التقليديين: فقد عمَّقت هذه الحرب من اهتزاز صورة الكيان الصُّهيوني في معقله، وهو الولايات المتحدة الأمريكية، وظهر ذلك جليًّا في حجم انتقادات “إسرائيل” بكلِّ جرأة، وحجم معارضة هذه الحرب، والتي ظهرت في المسيرات والاحتجاجات المليونية ضدَّها، إذ خرج الأمريكيون في كلِّ الولايات ضدَّ سياسات ترامب، كما وقع شرخٌ كبيرٌ مع حلف النَّاتو يهدِّد بتفكُّكه، مع الخلاف الذي يتَّسع أكثر مع الأوروبيين، وعدم انخراطهم في حربٍ ليست هي حربهم، وانكشاف حجم الوَهْم الذي تعيشه بعض الدول العربية التي دفعت ملايير الدولارات من أجل الحماية الأمريكية، بخديعةِ مظلَّة القواعد العسكرية التي لم توفِّر الدفاع إلاَّ عن الكيان الصُّهيوني، وباتت الآن مكشوفةً أمام الرَّدع الإيراني، بسبب استغلال أراضيها ومجالها الجوي للاعتداء على مبدأ حُسن الجوار معها، وهو ما كشف عن انهيار النَّموذج الأمني لدول الخليج، بالاعتماد الكاذب على “الدَّفع” مقابل “الحماية” الأمريكية.

إنَّ هذه الحرب ليست مجرد عمليةٍ عسكرية، بل هي تحوُّلٌ استراتيجيٌّ عميق، يعيد تشكيل طبيعة الصِّراع، ويقلِّب موازين القوى في المنطقة والعالم. إنّ تكاليف الحرب على الأمريكيين والإسرائيليين، وعلى المنطقة المتواطئة، وعلى العالم العاجز أمام الصَّلف الأمريكي والصُّهيوني، وهذه الإخفاقات الإستراتيجية الصُّهيو– أمريكية في الحرب على إيران تعزِّز الثِّقة بالنَّفس في التعامل بندِّيةٍ عاليةٍ مع العدوِّ الحقيقي، وهناك إمكانٌ حقيقيٌّ لتحقيق النَّصر عليه، وقد أصبحت إرهاصات تراجع الإمبراطورية الأمريكية وزوال إسرائيل حقيقةً ميدانية.

إنَّ هذه الحرب ليست مجرد عمليةٍ عسكرية، بل هي تحوُّلٌ استراتيجيٌّ عميق، يعيد تشكيل طبيعة الصِّراع، ويقلِّب موازين القوى في المنطقة والعالم. إنّ تكاليف الحرب على الأمريكيين والإسرائيليين، وعلى المنطقة المتواطئة، وعلى العالم العاجز أمام الصَّلف الأمريكي والصُّهيوني، وهذه الإخفاقات الإستراتيجية الصُّهيو– أمريكية في الحرب على إيران تعزِّز الثِّقة بالنَّفس في التعامل بندِّيةٍ عاليةٍ مع العدوِّ الحقيقي، وهناك إمكانٌ حقيقيٌّ لتحقيق النَّصر عليه، وقد أصبحت إرهاصات تراجع الإمبراطورية الأمريكية وزوال إسرائيل حقيقةً ميدانية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!