عندما تغضب عنا فرنسا فنحن في الطريق الصحيح
من الغريب، بل ومن المثير للسخرية، أن يخرج علينا اليوم المدعي العامّ الوطني لمكافحة الإرهاب في فرنسا أوليفي كريستان، ويدلى بداية هذا الشهر بتصريحات عبر إذاعة “فرانس إنفو” أشار فيها إلى وجود تحقيقات تتعلق بما وصفه بـ”إرهاب الدولة” وربطها بالجزائر. فهل هذه الخرجة وفي هذا التاريخ وفي هذا الزمن بالذات عفوي، أم له علاقة بأوامر فوقية من إدارة الرئيس إيمانويل ماكرون، لتشويه الجزائر،وكأن الرئيس ماكرون أصابه إسهال فكري في ذاكرته التي تأبى أن تتحرر من أغلال الماضي، أو كأنه يبحث في الحاضر عن “شماعة” يعلق عليها فشل مشروعه جعل الجزائر تبقى في علاقاتها مع فرنسا كما كانت في عهد العصابة؟
بالإضافة إلى الوحل الذي مازال عالقا فيه ولم يستطع الخروج منه منذ الانتخابات التشريعية الأخيرة، كما أن الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران زادت من مشاكله الداخلية والخارجية، إذ أصبحت أوروبا اليوم بين أيادي آمنة مثل رئيسة الحكومة الايطالية جوريا ميلوني والوزير الأول الاسباني بيدرو سانشيز .. في حين أصبحت فرنسا في الصف الأخير بالقافلة الأوروبية. بل أكثر من ذلك أصبح الرئيس ماكرون مسخرة.
إن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح هي أن الشعب الجزائري لا ناقة له ولا جمل في الفشل الذريع الذي مُنيت به “الأقدام السوداء“ في الحفاظ على الجزائر كـ”مقاطعة فرنسية” المزعومة. ليس ذنب الجزائريين أن “أساطير” الاستيطان التي استمرت 132 سنة تبخّرت أمام صخرة الإرادة الوطنية الجزائرية، وليس ذنبهم أن هؤلاء الذين طُردوا في 1962 لم يفهموا أن الأرض لا تخون أصحابها، وأن دماء مليون ونصف مليون شهيد كانت كفيلة بإنهاء أكبر كذبة جغرافية وتاريخية في العصر الحديث.
إن هذا العداء المستتر خلف عباءة “القضاء” و”التحقيقات الوثائقية” المشبوهة، ما هو إلا ارتداد نفسي لمرارة الهزيمة التي لم يهضمها بعد لوبي اليمين المتطرف المتغلغل في مفاصل الدولة الفرنسية. وبدلا من أن تتحلى باريس بالشجاعة للاعتراف بجرائم الماضي وإعادة الأموال المنهوبة التي هرّبتها عصابة الفساد إلى خزائنها، نراها تفتح أبواب إعلامها وقضائها لكل مبتزّ ليحيك قصصا واهية عن “تنويم واختطاف”، في محاولة يائسة لشيطنة الدولة التي علّمت العالم معنى السيادة والندية.
لقد حان الوقت ليدرك الرئيس ماكرون وقضاته أن الجزائر ليست “ملفا داخليا” في وزارة داخليتهم، وأن سياسة الابتزاز بالملفات الأمنية لن تمحو حقيقة أن الجزائر استُرجعت بالدم، وأن “الأقدام السوداء” رحلوا لأنهم كانوا غرباء عن الأرض، واللائم اليوم لا يلوم إلا غباء أسلافه الذين اعتقدوا يوما أن احتلال الأرض يمكن أن يدوم إلى الأبد.
وفي خطوة حملت من الدلالات الروحية والسياسية ما يفوق الوصف، جاءت زيارة بابا الفاتيكان إلى الجزائر لتشكل زلزالا صامتا في أروقة قصر “الإليزي”، ولتضع النقاط على حروف السيادة الجزائرية فوق خارطة المتوسط، ففي حين كانت باريس، ومعها أطراف إقليمية أخرى، تنتظر وتمنّي النفس بزيارة حبرية تمنحها شرعية أخلاقية أو غطاءً سياسيًّا، اختار رأس الكنيسة الكاثوليكية أن يطأ أرض الجزائر أولا؛ الأرض التي أنجبت أستاذه ومعلمه الروحي الأول، القديس أوغستين.
هذه الزيارة لم تكن مجرد بروتوكول ديني، بل كانت صفعة دبلوماسية ناعمة وحاسمة في آن واحد لماكرون وجماعته. لقد أثار قبول البابا دعوة الرئيس عبد المجيد تبون، وإعراضه عن دعوات باريس المتكررة، حالة من الذهول والامتعاض في الأوساط الفرنسية، ووصل الأمر إلى دوائر القرار الضيقة وحتى المحيط العائلي لماكرون، إذ لم يستوعب هؤلاء كيف يُفضل الفاتيكان الجزائر المستقلة على فرنسا “الابنة البكر للكنيسة”.
إن توجه البابا إلى الجزائر العاصمة ثم عنابة حيث ترقد روح القديس اوغشتين وسوق أهراس مسقط رأسه، هو اعترافٌ صريح بأن الجذور المسيحية العميقة في شمال إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط هي جذور جزائرية بامتياز، وليست نتاج “تمدين” استعماري فرنسي عابر. لقد جاء البابا ليقول للعالم إن الجزائر هي “أرض الحوار والتسامح”، وليؤكد أن الندية التي تتعامل بها الجزائر اليوم قد فرضت احترامها حتى على أعلى الهيئات الروحية في العالم.
لقد خسر الرئيس ماكرون رهان “الوصاية الروحية” كما خسر رهان “الوصاية السياسية”، و”الوصاية الطاقية”، وبقيت الجزائر شامخة بتاريخها وأبنائها، تحتضن ضيوفها الكبار من باب السيادة، تاركةً لفرنسا وجماعتها مرارة التساؤل: كيف استعادت الجزائر “أستاذ البابوات” وطوت صفحة التبعية إلى الأبد؟
كما يبدو أن العقلية الفرنسية محكومة بآلية السرقة والإنكار منذ أول يوم وطأت فيه أقدام جندها أرض الجزائر؛ فالتاريخ يعيد نفسه اليوم في قالب قضائي وسياسي مشوه، يثبت أن باريس لم تغادر قطّ مربع القرصنة الذي بدأته عام 1830. بالأمس، غزت فرنسا الجزائر بذريعة واهية لتتهرب من دفع ثمن القمح الجزائري الذي أطعم جيوشها وشعبها، ثم شرعت في نهب منهجي لكنوز القصبة، ووهران، وقسنطينة، ومقدرات الأمة الجزائرية طيلة قرن وثلث قرن من الزمان.
واليوم، تواصل فرنسا ممارسة ذات النهج اللصوصي ولكن بأدوات العصر؛ فهي تحتضن المليارات المنهوبة التي حوّلتها عصابة الوزراء ورجال الأعمال الفارين من العدالة الجزائرية، وترفض إعادتها إلى أصحابها الشرعيين (الشعب الجزائري). وبينما أبدت دول مثل سويسرا وإسبانيا روحا من التعاون القانوني والنزاهة بإعادة الأموال المهرَّبة إليها، اختار النظام الفرنسي بقيادة الرئيس ماكرون واليمين المتطرف طريق الابتزاز والهروب إلى الأمام.
إن لجوء القضاء الفرنسي اليوم إلى اختلاق تهم واهية للجزائر بـ”الإرهاب”، ليس سوى دخان كثيف يهدف إلى تغطية حقيقة أن فرنسا لا تزال تعيش على “غنائم” الجزائر. وبدلا من الوفاء بالتزاماتها الدولية، تحاول باريس شيطنة الضحية (الجزائر) لتبرير الاحتفاظ بالأموال المسروقة. إنها العقلية ذاتها التي بدأت بـ”حادثة المروحة” لتبرير الاحتلال، وتستمر اليوم بالمسرحيات القضائية لتبرير النهب المالي، مؤكدةً أن فرنسا الرسمية لم تستوعب بعد أن زمن “الجزائر البقرة الحلوب” قد ولى إلى غير رجعة.
إن الجزائر التي يظن الرئيس ماكرون وجماعته أنهم قادرون على ابتزازها بالملفات الأمنية أو احتجاز أموال شعبها، هي قلعةٌ حصينة يحرسها رجالٌ ونساء لم ينسوا يوما وصية أسلافهم. وكما صدح الشاعر بكلماته الخالدة التي تتردد في وجدان كل جزائري: “إخواني لا تنسوا الشهداء.. من ضحوا في سبيل الوطن”، فإن هذه الوصية هي المحرك الفعلي لكل قرار سيادي يُتَّخذ اليوم. إن الندية التي تُظهرها الجزائر في المحافل الدولية، والصرامة في استرجاع الحقوق المنهوبة، ما هي إلا وفاءٌ لعهدٍ غليظ بأن لا تذهب دماء الشهداء سدى.
إن هؤلاء الذين يحرّكون اليوم أدواتهم الإعلامية والقضائية القذرة لشيطنة الجزائر، يجهلون أنهم لا يواجهون إدارة عابرة، بل يواجهون “عقيدة ثورية“ متجذرة. إن أبناء الشهداء وأبناء المجاهدين الذين يقودون الدبلوماسية والاقتصاد والأمن والجيش اليوم، هم “الجواب” الذي أعدّته الجزائر لفرنسا منذ عام 1954؛ جوابٌ يقول إن زمن الوصاية قد دُفن، وأن المال المنهوب والكرامة الوطنية هما خطوط حُمر لا تقبل المساومة.
لقد طوينا كتاب العتاب، وبدأنا كتاب البناء والندية، ومخطئٌ من يظن أن “روح نوفمبر” قد خبت، فهي اليوم المحرك الذي يقود الجزائر نحو استعادة مكانتها وممتلكاتها، وفاءً للشهداء، وصونا للأمانة، وإذلالا لكل طامعٍ أو حاقدٍ لم يستوعب بعد أن الجزائر قد تحررت إلى الأبد.
حان الوقت ليدرك الرئيس ماكرون وقضاته أن الجزائر ليست “ملفا داخليا” في وزارة داخليتهم، وأن سياسة الابتزاز بالملفات الأمنية لن تمحو حقيقة أن الجزائر استُرجعت بالدم، وأن “الأقدام السوداء” رحلوا لأنهم كانوا غرباء عن الأرض، واللائم اليوم لا يلوم إلا غباء أسلافه الذين اعتقدوا يوما أن احتلال الأرض يمكن أن يدوم إلى الأبد.