-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

أوكرانيا: هل يخدعنا الغرب مرة أخرى؟

أوكرانيا: هل يخدعنا الغرب مرة أخرى؟

يبدو أنّ السياسة الغربية لم تتبدّل منذ قرون. إنها تنظر إلى الشرق سواء أكان مسلما أو مسيحيا أو بوذيا أو كنفوشيوسيا أو غيره نظرة دونية، وتنقلب عليه في آخر المطاف.. انقلبت على العثمانيين في حروب القرم الأولى في منتصف القرن التاسع عشر (1853ـ 1856) بعد هزيمة روسيا القيصرية. وكانت النتيجة أن ساعدت بريطانيا وفرنسا دولَ أوروبا الشرقية حاليا على الانفصال عن الدولة العثمانية (مؤتمر باريس 1856) ونكَّلتا ببقيَّة الشعوب الإسلامية في الأقاليم البعيدة: نفي كل من الأمير عبد القادر في الجزائر (1855) والإمام شاميل في الشيشان (1859) وبهادر شاهر آخر ملوك دولة المغول المسلمة في الهند (1858) وما تبع من ذلك من جرائم وإبادة غربية ضد الشعوب الشرقية عامّة والإسلامية على وجه الخصوص…

 ويكاد ذات السيناريو يتكرر اليوم. تجري محاولة غربية للظهور في مظهر مُنقِذ أوكرانيا ضد روسيا لجرِّ بقية الدول المحيطة بروسيا إلى حالة عداء ضدها مثل ما فعلت في حروب القرم الأولى، وبمجرد أن يتم لها ذلك، نكون نحن الفريسة التي سيتم الانقضاض عليها، إن في المشرق: أذربيجان أو طاجكستان أو سورية أو إيران أو أفغانستان، أو في المغرب: ليبيا ومصر وحتى الجزائر لإدخالنا في مرحلة هيمنة جديدة.. بمعنى آخر أنّ علينا النظر إلى ما يحدث في أوكرانيا ضمن تجارب الماضي والحاضر حتى لا نُخدَع مرة أخرى ولا ننعزل أبدا عن  الدروس التي علَّمَنا إياها التاريخ بشأن علاقات الشرق مع الغرب.

يكفي أن نتذكر ما حدث لتركيا أثناء تحالفها مع الغرب في سوريا ضد روسيا. لقد تم التخلي عنها لحظة طلبها أنظمة الدفاع “باتريوت” لحماية نفسها وكادت تُترَك وحيدة أمام روسيا لولا حنكة “أردوغان” وتحوّله عمدا إلى شراء السلاح الروسي البديل لأنظمة باتريوت أي 400S..  يكفي أن نتذكر كذلك رفض الغرب انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي رغم توفرها على جميع الشروط ورغم عضويتها في الحلف الأطلسي (للدفاع عنه) لنفهم اليوم مناوراته تجاه أوكرانيا.

إنها تجارب حيّة أمامنا لنُدرِك أنّ علينا، كشعوبٍ محسوبة على الشرق في نظر الغرب سواء كُنَّا في  إفريقيا أو آسيا، الحذرَ كل الحذر من الانسياق خلف الوعود الغربية بالدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات إن كان ضد روسيا أو الصين أو تركيا أو غيرها من القوى الشرقية الكبرى.

بكل تأكيد نحن لا نملك القوة الكافية لنؤثر في الصراع القائم اليوم حول أوكرانيا بأبعاده المختلفة، ولكننا بكل تأكيد نملك بعض القوة. وإذا تعلق الأمر بالجزائر فإننا نملك جزءا من سلاح المعركة الغاز الطبيعي، وعلينا أن نحسن إدارته حتى لا يقع لنا ما وقع لتونس في حروب القرم الأولى.

لقد وقفت مع الغربيين ضد روسيا القيصرية باعتبار ولائها للعثمانيين، وظنًّا منها أن ستتجنب ما وقع للجزائر سنة 1830، فإذا بفرنسا لا تتردد في احتلالها هي الأخرى سنة 1881 بمجرد أن ضعُفت شوكة قوتها البحرية في تلك الحروب. أما وزيرا خارجية كل من بريطانيا وفرنسا “سايكس” و”بيكو” فلم يترددا في تقسيم كل أقاليم الدولة العثمانية التي تحالفت معها ضد روسيا، وفوق ذلك قاما بتسليم فلسطين مركز الصراع لليهود الصهاينة مع كل ما حدث بعدها.

إن علاقاتنا التاريخية تبقى في كل الحالات إستراتيجية مع الشرق وإن تخللتها بعض النكسات، عدائية مع الغرب وإن عرفت بعض الإيجابيات، يكفي أن ذاكرتنا لا تخلو من بعض أحداث شبه جزيرة القرم المسلمة التي وصفتها كاترين الكبيرة بأنها إحدى أساطير ألف ليلة وليلة، وذاكرة الروس لا تخلو من ذلك أيضا، وقد وصف “الإسكندر بوشكين” ذات الموقع بالطرف المسحور للإمبراطورية الروسية..

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!