الجزائر
يربطونهم‮ ‬إلى‮ ‬كراس‮.. ‬يحرقونهم‮ ‬بالحديد‮ ‬

أولياء‮ ‬يعذبون‮ ‬أولادهم‮ ‬بحجة‮ ‬تربيتهم

الشروق أونلاين
  • 18769
  • 37
ح.م
أطفال ضحايا العنف من اوليائهم

يُقبل بعض الوالدين وبحجة التربية على اضطهاد وتعذيب، وحتى قتل فلذات أكبادهم، في سلوك إجرامي ووحشي لا يقل بشاعة عن تصرفات المجرمين مع ضحاياهم، دون أن يتحرك لديهم وازع من الحنان الذي خص به المولى عز وجل الوالدين. فأضحى ربط وضرب وحرق الأبناء، من قواعد التربية حسب ثقافة بعض الجزائريين. وهذه السلوكات الغريبة جعلت علماء الاجتماع والنفس وحتى القانون يدقون ناقوس الخطر، معتبرين التربية الخاطئة والعنيفة، سببا مباشرا لكثير من الأمراض والاختلالات العقلية والسلوكات الاجرامية المنتشرة حاليا بين الأطفال والمراهقين.

 

يحمل الواقع الجزائري قصصا مأساوية بشعة لا يصدقها عاقل، أبطالها أباء وأمهات تجردوا من الأحاسيس والعواطف، واعتبروا سياسة العصا لمن عصى، من أهم وسائل تربية أبنائهم. لدرجة أن بعض العائلات الأمّية والمثقفة على السواء، ابتكرت أساليب مريعة، لتقويم سلوك أبنائها. والأمرّ‮ ‬أن‮ ‬كثيرا‮ ‬من‮ ‬تلك‮ ‬الأساليب‮ ‬كانت‮ ‬سببا‮ ‬في‮ ‬قتل‮ ‬فلذات‮ ‬أكبادهم‮.‬

 

أزعجه‮ ‬أثناء‮ ‬مشاهدته‮ ‬مبارة‮ ‬كرة‮ ‬قدم‮ ‬فرماه‮ ‬بمزهرية‮ ‬فقتله‮! ‬وآخر‮ ‬دفنه‮ ‬حيا

تتفنّن كثير من الأسر الجزائرية في ابتكار أساليب غريبة لتربية أبنائهم، ومن الطرق الشائعة، ربط أرجل الأطفال والرّضع إلى كراس، قارورات غاز البوتان وطاولات، للحدّ من حركتهم. وهن جاهلات أن الأمر قد يسبب إعاقة جسدية دائمة للأطفال، بسبب هشاشة عظامهم، كما أن السلوك يؤدي حسب نفسانيين لظهور غريزة حب العنف لدى الصغير المربوط. وتعتبر النساء العاملات من أكثر الفئات إقبالا على هذا السلوك، حيث إنهن لا تكتفين بترك أبنائهن عند الأهل والجيران ودور الحضانة طيلة اليوم، فيربطن أولادهن عند عودتهن مساءً منهكات، حتى يتفرغن لأشغال المنزل المتراكمة. أما أخريات فيستنجدن بمشروب التنويم، لإخماد حركة أبنائهم وتنويمهم بالقوة، رغم أن المشروب ومع الإفراط فيه يسبب اختلالات في مخ الصغير. أما بعض الأباء فيحسبون أن صغارهم يتعمدون إزعاجهم بحركتهم، فتراهم يقذفونهم بأي شيء تطاله أيديهم لإسكاتهم، وهو‮ ‬حال‮ ‬والد‮ ‬من‮ ‬العاصمة،‮ ‬أزعجته‮ ‬فوضى‮ ‬صغيره‮ ‬أثناء‮ ‬مشاهدته‮ ‬مباراة‮ ‬كرة‮ ‬قدم،‮ ‬فرماه‮ ‬بمزهرية‮ ‬أصابته‮ ‬بالرأس،‮ ‬وكانت‮ ‬الضربة‮ ‬كافية‮ ‬لإزهاق‮ ‬روح‮ ‬الطفل‮ ‬ذي‮ ‬السبع‮ ‬سنوات‮. ‬

‭ ‬

وضع‮ ‬ولده‮ ‬داخل‮ ‬حفرة‮ ‬لتأديبه‮ ‬فأخرجه‮ ‬مختلا‮ ‬عقليا

ووالد آخر أراد تخويف ابنه المشاغب، فوضعه داخل حفرة بحديقة المنزل وغطى فوهتها بغطاء حديدي، ولأن الطفل لم يكف عن الاستغاثة والبكاء، أصيب باختلال عقلي نتيجة الصدمة والخوف، وهو الآن شاب في العشرينات، لكنه يعيش في عالم آخر. وتستنجد كثير من الأمهات بأسلوب الحرق لتخويف صغارهم، وعن هذا روت لنا السيدة (ل) من العاصمة أنها كثيرا ما كانت تشاهد ندوبا وحروقا على يد ابنة جارتها ذات الخمس سنوات، أثناء لعبها مع ابنتها، ولما استفسرت الأمر من الصغيرة، أخبرتها أن والدتها تحرقها بفرشاة أكل بعد تسخينها، عندما ترفض النوم ليلا. وأمهات‮ ‬أخريات‮ ‬يضعن‮ ‬الفلفل‮ ‬الحار‮ ‬والهريسة‮ ‬داخل‮ ‬أفواه‮ ‬أبنائهن،‮ ‬وحتى‮ ‬في‮ ‬أعضائهم‮ ‬التناسلية‮.‬

‭ ‬

جدة‮ ‬تعذب‮ ‬حفيديها‮ ‬اليتيمين‮ ‬بأنبوب‮ ‬غاز‮ ‬بسبب‮ ‬تدني‮ ‬مستواهما‮ ‬الدراسي

وأباء وأمهات وجدوا أنفسهم أمام العدالة، بعدما سلكوا طرقا أكثر عنفا لتأديب أبنائهم فتسببوا في قتلهم. ومنهم والد من مدينة البليدة أغضبه تدني المستوى الدراسي لابنه ذي 14 سنة، فانهال عليه ضربا وحبسه في غرفة دون أكل أو شرب، ليتفاجأ بوفاته بسكتة قلبية. ووالد أراد معاقبة ابنه ذي 10 سنوات بعدما سرق من جيبه ورقة 200 دج، فسكب عليه ماء مغليا في غفلة من الأم، فتوفي بالمستشفى، ليتابع الفاعل بتهمة القتل العمدي. وحتى الجدات لهن نصيب من العنف مع أحفادهن، وهو حال واحد ناهزت السبعين من عمرها، مثلت أمام محكمة الشراڤة بالعاصمة، بعدما عذبت حفيديها اليتيمين. وقصتها بدأت بعد معاودة الأم الزواج إثر اغتيال والد الطفلين من طرف إرهابيين، وتركت الصغيرين (أ) و(ي) لدى الجدة، ومرة قصدت الأخيرة معلمة الطفلين للاستفسار عن دراستهما، ففاجأها رد المعلمة “سقسيني على قباحتهم ماشي على قرايتهم”. الكلام أغضب العجوز، وانهالت ضربا على الصغيرين عند عودتهما مساء مستعملة أنبوب غاز، وسببت لهما جروحا خطيرة، وفي اليوم الموالي أرسلتهما للدراسة رغم سوء حالتهما، الأمر اكتشفه معلمو المدرسة فاتصلوا بالشرطة، وتم تحرير محضر ضد العجوز. وأثناء مثو،ل الأخيرة للمحاكمة تلقت تعنيفا من قبل القاضي، التي استغربت إقدام جدة على تعذيب يتيمين من دمها ولحمها، وتساءلت “فماذا كان مصيرهما لوعاشا مع أجانب” وبدوره هددها وكيل الجمهورية بنزع حضانة الطفلين إذا عاودت فعلتها، ملتمسا لها 6 أشهر حبسا نافذا، والغريب أن الجدة اعترفت بحسن سلوك‮ ‬الصغيرين‮. ‬وبالمحكمة‮ ‬نفسها‮ ‬عُرضت‮ ‬قضية‮ ‬أقدم‮ ‬فيها‮ ‬والد‮ ‬على‮ ‬تعذيب‮ ‬بناته‮ ‬الثلاث‮ ‬ومنهن‮ ‬رضيعة،‮ ‬وصور‮ ‬الفتيات‮ ‬التي‮ ‬عرضها‮ ‬القاضي‮ ‬على‮ ‬وكيل‮ ‬الجمهورية‮ ‬كانت‮ ‬في‮ ‬منتهى‮ ‬البشاعة‮. ‬

 

عمة‮ “‬مجنونة‮” ‬تصفي‮ ‬ابن‮ ‬شقيقها

أما آخرون، فقلوبهم شيطانية وضمائرهم ميتة، جعلوا من أولادهم وأبناء أقاربهم فئران تجارب، طاعة لنزواتهم الغريبة، ومبررهم جنونٌ وهمي، مع أنهم يقتلون ضحاياهم عمدا وعن سبق إصرار وترصد. وقد عالجت المحاكم الجزائرية مؤخرا، الكثير من هذه القضايا البشعة. ومنها قصة العمة (ر) التي قتلت في 2007 ابن شقيقها (وليد) ذي الثماني سنوات. بطلة الجريمة التي شهدها حي حسين داي بالعاصمة، سيدة في 29 من عمرها وبدافع الجنون – حسبما ادعت في التحقيقات – قصدت مدرسة ابن شقيقها، واصطحبته للعب رفقة ابنتيها بمنزلها، وهناك طلبت منهم أن يلعبوا لعبة القفز وأيديهم وأرجلهم مربوطة للخلف، وكانت وضعت قطعة قماش بفم الصغير ووضعته على السرير، ثم خنقته بوسادة وأخفت جثته داخل حقيبة ملابسها. وعندما علم زوجها ـ حسب تصريحها ـ طلبت منه التستر، لكنه أبلغ عائلة الطفل. لكن الزوجة أثناء مثولها أمام جنايات العاصمة، جاءت برواية جديدة، مفادها أن زوجها هو المخطط للجريمة، ودافعه الحصول على فدية من جد الصبي الغني، حيث خطفه رفقة شخصين، وتفاجأت بالصبي جثة هامدة بمنزلها، وحسبها، زوجها هو من طلب منها تتحمل الجريمة، لأن عائلتها ستسامحها، وتقول إنه اتصل بها بالسجن ليطلب تمسكها بالرواية‮ ‬الأولى‮. ‬لكن‮ ‬النائب‮ ‬العام‮ ‬اعتبر‮ ‬توقيت‮ ‬الرواية‮ ‬الثانية‮ ‬جاء‮ ‬متأخر‮ ‬كثيرا،‮ ‬مستبعدا‮ ‬صدقها،‮ ‬لتدان‮ ‬بـ20‮ ‬سنة‮ ‬سجنا‮ ‬وخمس‮ ‬للزوج‮.‬

ووالدة قتلت ابنها إرضاء لعشيقها، فالأخير كان يقصد المرأة المطلقة بمنزلها بحي العناصر، ولأن وجود الصبي بالمنزل كان يزعجه، طلب التخلص منه. ومرة أثناء مجيء العشيق، أدخلت الأم ابنها الى الحمام وأغلقت عليه الباب، بعدما فتحت فوقه صنبور الماء الساخن، وعندما توفي،‮ ‬حمل‮ ‬الجانيان‮ ‬جثته‮ ‬ورميا‮ ‬بها‮ ‬تحت‮ ‬جسر‮ ‬برويسو‮. ‬لكن‮ ‬وأثناء‮ ‬المحاكمة‮ ‬بكت‮ ‬الفاعلة‮ ‬وتوسلت،‮ ‬نافية‮ ‬نية‮ ‬قتل‮ ‬ابنها‮!!‬

 

 

مختصون‮ ‬اجتماعيون‮ ‬يحذرون‮ ‬من‮ ‬ظهور‮ ‬جيل‮ ‬عنيف‮ ‬مستقبلا

“أبناؤنا أصبحوا أعداءنا” بهذه المقولة استهل يوسف حنطابلي مختص اجتماعي، تفسيره لسلوك العنف المنتشر بين العائلات. معتبرا أن القطيعة بين الوالدين وأبنائهم، ظهرت في سنوات السبعينات والثمانينات، خاصة مع اندثار المجتمعات التقليدية وظهور الدولة المدنية وانتشار وسائط الاتصال المختلفة، على غرار التلفاز والهوائيات ثم الأنترنت. والغريب حسب المختص، أن بعض العائلات أصبحت تمارس عنفا متواصلا على أولادها، وتكمن الخطورة في معاقبة بعض الآباء لأبنائهم، وفقا لميزاجهم وقيم هم مقتنعون بها، فيما يتغاضون عن معاقبتهم لأمور يتقبلها العقل والمنطق. ويضيف محدثنا أن بعض الوالدين أصبحوا يشعرون بغربة عن أبنائهم، حيث لا يتقبلون أن ينشأ أولادهم في وسط مختلف عن الوسط الذي عاشوا فيه، وآخرون يريدون تدارك نقائصهم أثناء تربية أبنائهم ولو بالقوة. كما أن كثيرا من العائلات الجزائرية لا تتبنى ثقافة تربوية‮ ‬واستراتيجية‮ ‬معينة‮ ‬لتنشئة‮ ‬الأبناء‮. ‬والنتيجة‮ ‬أن‮ ‬الطفل‮ ‬الذي‮ ‬يتعرض‮ ‬لعنف‮ ‬غير‮ ‬مبرر‮ ‬من‮ ‬الوالدين،‮ ‬يصبح‮ ‬بدوره‮ ‬عنيفا‮ ‬مستقبلا‮. ‬

 

 

مقالات ذات صلة