الرأي

أولياء الله لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون

سلطان بركاني
  • 1216
  • 0

كثيرا ما قرأنا وسمعنا قول مولانا –سبحانه- في سورة يونس من كتابه الكريم: ((أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم)).. لكنّنا –نحن المقصّرين- ربّما لا نقف عند هذه الآيات الثّلاث التي يحبّها الصّالحون وتخفق قلوبهم لها وتهفو أرواحهم عند تلاوتها أو سماعها، وهم يستحضرون أنّها من كلام الحقّ –سبحانه- الذي لا يخلف وعده؛ من كلام من له الحكم وإليه يرجع الأمر كله. من بيده خزائن السّماوات والأرض وبيده الضرّ والنّفع والسّعادة والشّقاء، وبيده الجنّة والنّار، ومن وعد أولياءه أن يبعد عنهم كلّ خوف وحزن، وأن تأتيهم البشريات والمبشّرات في الدّنيا والآخرة.

إنّه لفوز عظيم أن يعيش العبد المؤمن الذي يتولّى اللهَ ويتولاّه الله، في أمن واطمئنان، لا يخاف على نفسه ولا على رزقه ولا على أهله، لأنّه يعلم أنّه محفوظ بحفظ الله، ولا يحزن على شيء فاته لأنّه يعلم أنّ الله ما فوّته عنه إلا لأنّ الخير في غيره، ويوقن بأنّ الله سيعوّضه خيرا منه عاجلا أم آجلا.. تتوالى عليه البشريات والمبشّرات، ويرى من آلاء الله ما يجعل قلبه يخفق حبا لمولاه ولسانَه يلهج شكرا له جلّ في علاه.

كثير هم أولئك الذين يعجبهم أن يكونوا معروفين في هذه الدّنيا، ويعجبهم أكثر أن يكون معارفهم من أصحاب الجاه والمنصب والمال والحظوة، ومنهم من ينتشي ويفرح ويزهو ويتباهى أمام النّاس بأنّه يحوز رقم هاتف فلان المسؤول وصاحب المنصب الرفيع والرتبة العالية، وبأنّه يعرفه ويتواصل معه. يفرح لأنّه يرى أنّ مشكلاته ستحلّ وأنّ حاجاته ستقضى وأنّه سيكون في حصن منيع. كلّ هذا مع أنّ مولاه هذا بشر مثله، ربّما يعجز عن قضاء حاجة أو حلّ مشكلة إذا ما وقف في طريقه من هو أعلى منه منصبا أو رتبة، أو أكثر منه مالا وجاها.. كلّ هذا ومولاه الذي يعتزّ به ربّما ينسى وربّما يخذل وربّما يموت وربّما يقال أو يعزل، فينزل من عزّ إلى ذلّ، وقد رأينا من حولنا من الوقائع والأحوال ما فيه عبرة لكلّ معتبر.. ((أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا)).. لكنّ من اعتزّ بالله وتولاّه جلّ في علاه، وسعى جاهدا ليكون من أوليائه وأصفيائه، فإنّه يلجأ إلى الحيّ الذي لا يموت ولا ينسى ولا تأخذه سنة ولا نوم، ((مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا))؛ يسمع أصوات عباده المؤمنين الذين يتولّونه ويلجؤون إليه ويحتمون به، في كلّ وقت، ويرى أماكنهم، ويعلم أحوالهم وحاجاتهم قبل أن تنطق بها ألسنتهم.. وقد وعَدهم –سبحانه- بأن يتولاّهم ويتولّى أمرهم: ((إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِين)).

عبادُ الله الصّالحون الذين يتولّون الله ويتولاهم، يعيشون حياتهم وكلّهم سكينة واطمئنان، ويقين بأنّ مولاهم يتولّى أمورهم ويدبّر شؤونهم بما فيه صلاح دنياهم وأخراهم.. نعم، هم يُبتلَون ويمتحنون في هذه الدّنيا، لكنّ وليّهم الحنّان سبحانه يجعل لهم من كلّ ضيق مخرجا ومن كلّ همّ فرجا ويرزقهم من حيث لا يحتسبون ويدهشهم بعطاياه.. ((وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا)).

عبادُ الله الصّالحون الذين يتّخذون الحنّان المنّان –سبحانه- مولى لهم، ويتقرّبون إليه ليتولاّهم ويكونوا أولياء له، ما أن تُلمّ بأحدهم مُلمّة أو تنزل به بلية، حتى يفرّ إلى مولاه، يشكو إليه ما أحزنه وأصابه، يلجأ إلى مولاه السّميع القريب، قبل أن يلجأ إلى أحد من المخلوقين حوله، لأنّه يعلم أنّ قلوب العباد بيده سبحانه، وهو يسخّرها لمن يشاء وكيف يشاء.. قلوبهم عامرة بالثّقة في مولاهم الحنّان المنّان، مهما تأخّرت عنهم حاجاتهم، ومهما أخّرت إجابة دعواتهم، فإنّهم على يقين بأنّ الله لا يؤخّر شيئا ولا يقدّم آخر إلا لحكمة يعلمها سبحانه، فلا يسخطون ولا يبأسون، وإنّما لباب ربّهم يقرعون لا يكلّون ولا يملّون.

أخي المؤمن.. يا من ضاقت بك الدّنيا.. يا من أوصدت في وجهك الأبواب.. يا من أعياك البحث عن عمل.. يا من أرّقك مشكل السّكن.. يا من أسهرك مرض زوجة أو ولد.. اسمع الآيات مرّة أخرى، ولكن هذه المرّة بقلبك: ((أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم)).. الخوف سيذهب والحزن سيزول، والبشارات ستتوالى عليك، عندما تتّخذ مولاك وليا ومعتمدا تلجأ وتفرّ إليه وتشكو بين يديه.. إنّه لا أروع ولا أمتع ولا أنفع من أن يتولاك الله، ويكون وليك في هذه الدنيا.. إذا تولاك الله فلن تَخيب أبدا في هذه الحياة.. إذا تولاك وفّقك وفتح لك الأبواب وسدّد خطاك.. يقول سبحانه وتعالى كما في الحديث القدسيّ: “من عادى لي ولياً فقد آذنته بحرب مني، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحبّ إليّ ممّا افترضته عليه، ومازال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها وقدمه التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنّه”.

إذا تولاك الله أمّنك وأزاح عنك كلّ خوف؛ أزاح عنك الخوف من الفقر ومن المرض ومن الموت.. إذا تولاك آواك وحماك وأيّدك ونصرك وسخّر لك من الأسباب ما لم يكن يخطر ببالك.. تولى -سبحانه أمر يوسف –عليه السّلام- فأحوج القافلة وهي في الصحراء إلى الماء، ليخرجه من البئر، ثمّ أحوج عزيز مصر إلى الأولاد ليتبناه، ثم أحوج الملك إلى تفسير الرؤيا ليخرجه من السجن، ثم أحوج مصر كلها إلى الطعام ليصبح يوسف عزيز مصر ومَلك خزائنها.. إذا تولى الله أمرك هيأ لك كل أسباب السعادة وأنت لا تشعر.. ‏فقط قل بصدق ((وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ)).

ربّما يظنّ بعض النّاس أنّ الواحد منهم لا يتولاه الله، حتى يكون من كبار الأولياء! ويظنّ أنّ الأولياء هم –فقط- أولئك الصّالحون الذين لا ينقطعون عن العبادة، وربّما يظنّ بعض الجاهلين أنّ الأولياء هم فقط أولئك الذين ماتوا وبنيت على قبورهم القباب، ويطلب المفتونون عند قبورهم نيل الحاجات وكشف الملمّات.. وهذا خطأ.. فالله جلّ وعلا يتولّى عباده المؤمنين جميعا، ((اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّور))، لكنّ ولايته لهم تتفاوت بحسب صلاحهم وتقواهم.. الولاية متفاوتة بحسب إيمان العبد وتقواه، فكل مؤمن له نصيب من ولاية الله ومحبته وقربه، ولكنّ هذا النصيب يتفاوت بحسب الأعمال الصالحة التي يتقرب بها إلى الله.

نعم أخي المؤمن.. ليس شرطا أن تكون معصوما لا تخطئ لتكون من أولياء الله، وليس شرطا أن تنقطع للعبادة وتترك حظّك من الدّنيا لتكون من أولياء الله.. في إمكانك أن تكون من الأولياء الصّالحين، أيا كان مكانك وأيا كان عملك وأيا كان منصبك.. حافظ على فرائض دينك، وكن عبدا توابا أوابا، وعد إلى مولاك وفرّ إليه كلّما زلّت قدمك وأخطأت وأذنبت، وأكثر من الاستغفار باللّيل والنّهار، واعترف لمولاك بالتّقصير، واسأله العون والثّبات.. اذكره واشكره على كلّ نعمة مهما كانت صغيرة.. اجعل لك عملا صالحا بينك وبين الله، وحاول ألا يطّلع عليه أحد، من قيام ليل، أو صدقة راتبة تقدّمها إلى أسرة فقيرة أو غير لك من الأعمال الصّالحة.. استعن بعباد الله في قضاء حوائجك بما هو مباح وفيما هو مباح، لكن اجعل قلبك معلّقا بالله مولاك.. ابدأ به سبحانه عند كلّ حاجة وادعه واسأله، واستعن بإخوانك من حولك، ثمّ عد في الأخير إلى مولاك وانتظر الفرج والظّفر من عنده سبحانه. ((إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِين)).

مقالات ذات صلة